عن ابن عمر- ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرضَ، ومن لم يرضَ فليس من الله" (^١)، رواه ابن ماجه بسند حسن.
الشرح:
تقدم في الباب الذي قبله أن الحلف هو: تأكيد الحكم، أو الخبر بذكر مُعظم على هيئة مخصوصة؛ وذلك باستعمال أحد حروف القسم الثلاثة. فإذا أراد الإنسان أن يحلف فالواجب عليه أن يحلف بالله، وأن يصدق في يمينه. وفي هذا الباب بين المصنف الواجب على المحلوف له، فقال: "باب: ما جاء" أي: من الوعيد "في من لم يقنع بالحلف بالله": أي: لم يرض بذلك.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن المحلوف له، إذا لم يرضَ بالحلف بالله، فهو دليل على ضعف تعظيمه لله، فيكون ذلك منافيًا للتوحيد الواجب.
قال ﵀: "عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم" " نهى النبي ﷺ عن الحلف بالآباء؛ وذلك أن العرب كانت تعظم الآباء، ومن تعظيمهم للآباء: أنهم كانوا يحلفون بهم، كما قال الله ﷿: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] فلهذا خصّ الحلف بالآباء بالذكر لكثرته بينهم،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الكفارات، باب من حلف له بالله فليرض برقم (٢١٠١) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وإلا فقد تقدم في حديث عمر ﵁ قول النبي ﷺ: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"، وهذا يتناول كل محلوف به سوى الله، فيدخل فيه الآباء، لكنه خص الآباء بالذكر لفشوه بينهم.
قوله: "من حلف بالله فليصدق" هذا هو الواجب على الحالف؛ أن يصدق في يمينه، فإن هو كذب في يمينه، فقد استهان بجناب الله، حيث اتخذ هذا الاسم الشريف سلمًا يرتقي به إلى عرض من الدنيا، أو يستدفع به أذى من الدنيا، وذلك لا يليق بمؤمن، لمنافاته للتوحيد الواجب. قوله: "ومن حلف له بالله فليرضَ" هذا هو الواجب على المحلوف له؛ أن يرضى، وهذا يشمل المنازعات، والخصومات التي تقع بين يدي الحاكم الشرعي، كما في قول النبي ﷺ: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (^١)، ويشمل ما يقع في ماجريات الحياة اليومية بين الناس؛ حينما يحلف بعضهم لبعض تأكيدًا؛ إثباتًا أو نفيًا.
قوله: "ومن لم يرضَ فليس من الله" هذا من نصوص الوعيد؛ لأن فيه براءة "ليس من الله" أي: أن الله بريء منه، وبهذا يكون رد اليمين بالله ﷿ كبيرة من الكبائر، ينطبق عليها حد الكبيرة، فالكبيرة ما ترتب عليها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو اقترن به لعن، أو غضب، أو براءة، وما أشبه ذلك.
وهذا الحديث رواه ابن ماجه بسند حسن، كما قال المصنف ﵀، وقال البوصيري ﵀ في مصباح الزجاجة: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات" (^٢)، وقد حسنه ابن حجر ﵀ (^٣).
مناسبة الحديث للباب:
مطابق للترجمة، لما فيه من الوعيد على من لم يقنع بالحلف بالله، وأن الله برئ منه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه برقم (١٣٤١).
(٢) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (٢/ ١٣٣).
(٣) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٥٣٦).
[ ٢ / ٥٨١ ]
فوائد الحديث:
١ - وجوب الرضا بالحلف بالله، وتحريم رده.
٢ - الوعيد الشديد على من لم يقنع بالحلف بالله، وأن ذلك من الكبائر.
٣ - وجوب الصدق في اليمين.
٤ - أن الأصل في المسلم السلامة والصدق، فينبغي قبول يمينه.
مسألة: هل يجب على الإنسان أن يقنع بكل يمين؟ فيه تفصيل، فقد قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: إن كان الحالف موضع صدق وثقة، فإنك ترضى بيمينه، وإن كان غير ذلك فلا، كما قال حويصة ومحيصة: "كيف نرضى يا رسول الله بأيمان اليهود؟ فأقرهم؛ وذلك لما قتل قتيل من المسلمين بين ظهراني اليهود، ووقعت مسألة القسامة المشهورة، قال لهم النبي ﷺ: "تحلفون، وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم" قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبريكم يهود بخمسين" فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟! فعقله النبي ﷺ من عنده (^١)، فردوا أيمان اليهود. فأقرهم النبي ﷺ على ذلك، ولم ينكر عليهم. (^٢)
ويمكن أن نقسم أحوال بذل اليمين إلى خمسة حالات:
الأولى: أن يعلم الإنسان يقينًا أن هذا الحالف كاذب في يمينه، فحينئذٍ لا يلزم تصديقه، فترد يمينه ولا حرج؛ ولا محظور يتعلق بجناب الله ﷿.
الثانية: أن يترجح كذبه، فللمحلوف له أن يرد يمينه، ولا يلزمه تصديقه؛ لأن العمل بغلبة الظن كثير في الشريعة.
الثالثة: أن يتساوى الأمران، أي: صدقه وكذبه، فحينئذٍ يجب الرضا والقبول.
الرابعة: وهي من باب أولى: أن يترجح صدقه، فيجب قبول يمينه، والرضا به.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجزية، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يف بالعهد برقم (٣١٧٣) ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب القسامة برقم (١٦٦٩).
(٢) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٢٢٤).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الخامسة: وهي من باب أولى وأحرى أيضًا: أن يعلم صدقه، فيتعين تصديقه، وقبول خبره.
قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء.
لقوله: "لا تحلفوا بآبائكم" وكذا بأي معظم سوى الله ﷿.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى.
لقوله: "ومن حلف له بالله فليرضَ" وهذا من تعظيم جناب الله، فيثاب عليه.
الثالثة: وعيد من لم يرضَ.
لقوله: "فمن لم يرضَ فليس من الله"
ولم يذكر المصنف ﵀ مسألة وجوب الصدق في الحلف؛ لأنه قد تقدم في الباب السابق، في قول ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا.
[ ٢ / ٥٨٣ ]