وقال ابن عمر: "والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا، ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر" (^١).
ثم استدل بقول النبي ﷺ: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خير وشره" (^٢)، رواه مسلم.
وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: "يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ربي ماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني" (^٣).
وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة لما هو كائن إلى يوم القيامة" (^٤).
وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله ﷺ: "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار" (^٥). وفي المسند والسنن: عن ابن الديلمي قال: "أتيتُ أبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبًا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في القدر برقم (٤٦٩٥) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة برقم (٨).
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في القدر برقم (٤٧٠٠) والترمذي ت شاكر في أبواب القدر برقم (٢١٥٥) وصححه الألباني.
(٤) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٢٧٠٥) وقال محققو المسند: "حديث صحيح".
(٥) القدر لابن وهب برقم (٢٦).
[ ٢ / ٦٩٦ ]
ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيتُ عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك، عن النبي ﷺ " (^١)، حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
الإيمان بالقدر من لوازم توحيد الربوبية، فلا يتم توحيد امرئ إلا بتحقيقه. والإيمان القدر يشمل: علم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه، فمن أنكر ذلك؛ كله أو بعضه، فقد أخل بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فلذلك ناسب إيراد هذا الباب في كتاب التوحيد.
قال المصنف ﵀: "باب: ما جاء في منكري القدر" أي: باب ما جاء من الوعيد في منكري القدر. والقدر: مصدر قَدَّر يُقَدِّر، وتعريفه الشامل: تعلق علم الله بالكائنات قبل وجودها، وكتابته إياها، ومشيئته، وخلقه لها، فهذا التعريف يتضمن أربع مراتب: الأولى: العلم: وهي الاعتقاد الجازم بعلم الله المحيط بكل شيء، جملة وتفصيلًا، أزلًا وأبدًا، ما كان، وما يكون، وما سوف يكون، وما لم يكن كيف لو كان يكون. ما يتعلق بأفعاله؛ كالآجال والأرزاق، وما يتعلق بأفعال عباده؛ من الطاعات والمعاصي.
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢١٥٨٩) وأبو داود في كتاب السنة، باب في القدر برقم (٤٦٩٩) وابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب في القدر برقم (٧٧) وصححه الألباني. ولم نجده عند الحاكم كما أشار الشيخ.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
الثانية: الكتابة: وهي الاعتقاد الجازم بكتابة الله تعالى للمقادير، قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
الثالثة: المشيئة: وهي الاعتقاد الجازم بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى ..
الرابعة: الخلق: وهي الاعتقاد الجازم بأن الله خالق كل شيء، فالله الخالق، وما سواه مخلوق. خلق جميع الأشياء؛ ذواتها، وصفاتها، وحركاتها.
فلا يتم إيمان امرئ بالقدر حتى يجمع هذه الأربع؛ فمن أنكر شيئًا منها، فقد أنكر القدر. والمنكرون للقدر على درجتين:
الدرجة الأولى: غلاة القدرية:: وهم: "أتباع معبد الجهني" الذي ظهر في البصرة، كانوا ينكرون مراتب القدر الأربع، ويقولون: الأمر أنف! ولا قدر!، والله أمر، ونهى، ولا يعلم من سيطيعه ومن سيعصيه، ولم يكتب، ولم يشأ، ولم يخلق أفعال العباد. وهذه مقالة شنيعة تستلزم إنكار علم الله، وهذا وصف له بالجهل، وإنكار مشيئته وخلقه، وهذا وصف له بالعجز. وكلاهما معلوم من الدين بالضرورة، فإنكارهما كفر صريح.
الدرجة الثانية: المعتزلة: الذين أثبتوا العلم والكتابة، وأنكروا المشيئة والخلق لأفعال العباد. فقالوا: عَلِم وكَتَب، لكن لم يشأ ولم يخلق؛ فللعبد مشيئة مستقلة عن مشيئة الله، وله فعل مستقل عن خلق الله، تعالى الله عما يقولون. فيلزمهم وصفه بالعجز.
وأما أهل الحق فقد هُدوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فأثبتوا جميع هذه المراتب، ولا شك أنه لا يتم إيمان امرئ إلا بالإيمان بالقدر بمراتبه الأربع.
وقد ساق المصنف ﵀ تعقيب ابن عمر ﵄ على روايته لحديث جبريل المشهور، فعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا
[ ٢ / ٦٩٨ ]
وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ - أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ - فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» " (^١) رواه مسلم، وهو أول حديث استفتح به صحيحه، ورواه أصحاب السنن، أبو داود (^٢)،
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة برقم (٨).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في القدر برقم (٤٦٩٥) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
والترمذي (^١)، والنسائي (^٢)، وابن ماجه (^٣). فحديث جبريل هذا -كما قال الشراح- حديث عظيم؛ لأنه الدين كله. والشاهد منه قوله: "أن تؤمن بالقدر خيره وشره". ونلحظ في جواب النبي ﷺ في شأن القدر أمرين:
أولًا: أنه أعاد ذكر العامل، فقال: "وتؤمن بالقدر" مما يدل على مزيد تأكيد للإيمان به
ثانيًا: فصّل فيه ما لم يُفصل في غيره، فقال: "خيره وشره" لكثرة الغلط في هذا الباب.
قوله: "والذي نفس ابن عمر بيده" تأسيًا بقسم النبي ﷺ وفي رواية: (وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ).
قوله: "لو كان لأحدهم" أي القدرية الذين ينكرون القدر، ويقولون: لا قدر، والأمر أنف. قوله: "مثل أحد ذهبًا" أحد: جبل متوحد، يقع شمال المدينة، وقعت عنده المعركة المشهورة.
قوله: "ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يُؤمن بالقدر" الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا ينفع من أنفق هذا المال الطائل من لم يؤمن بالقدر.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما تضمنه كلام ابن عمر- ﵄ من اشتراط الإيمان بالقدر لقبول العمل، والاستدلال على ذلك بحديث جبريل.
فوائد الحديث:
١ - أن إنكار القدر كفر؛ لأن النبي ﷺ عده من أصول الإيمان.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام برقم (٢٦١٠) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى في كتاب العلم، توقير العلماء برقم (٥٨٥٢) وصححه الألباني.
(٣) أخرجه ابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب في الإيمان برقم (٦٣) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
٢ - عدم قبول أعمال منكر القدر؛ لقول ابن عمر، ويدل عليه قول الله ﷿: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].
٣ - الاستدلال على الأحكام والأقوال بالكتاب والسنة؛ وهذا منهج أصيل يجب على طالب العلم أن يعتمده في كل ما يقرره، ولا يتبرم إذا سئل عن الدليل، بل يفرح، لأنه يدل على أن السائل يريد أن يعبد الله على بينة.
قوله: "عن عبادة بن الصامت ﵁" عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري، الخزرجي، أبو الوليد، أحد النقباء، بدري. مات سنة أربع وثلاثين، ﵁.
قوله: "أنه قال لابنه" ابنه هو الوليد بن عبادة، وكان قد ولد في عهد النبي ﷺ، لكنه كان صغيرًا، فلم تثبت له صحبة؛ ولذلك يُعد من كبار التابعين. ويروى أنه قال له ذلك وهو على فراش الموت، ولا يخفى أن الإنسان على فراش الموت يمحض النصح، ولا يقول إلا ما يرى أنه أوكد الكلام، وأهمه، وأنصحه للسامع، لا سيما إذا كان المخاطب فلذة كبده، وهو ابنه.
قوله: "يا بني" هذا تلطف وتودد، يستجيش عاطفة المخاطب، كما قال لابنه وهو يعظه.
قوله: "إنك لن تجد طعم الإيمان" الإيمان له طعم وحلاوة، كما قال النبي ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان" (^١)، وهذه الحلاوة حلاوة حقيقية، بمعنى: أن الإنسان يجدها، لكن لا يلزم من كونها حلاوة حقيقية، أن تكون كحلاوة السكر مثلًا، ولكن المراد: أنها بهجة، وسرور، وانشراح، يجدها المؤمن في قلبه.
قوله: "حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك" أي: ما قدر الله عليك لا بد أن ينفذ فيك، ولا يمكن أن يتخلف عنك.
قوله: "وما أخطأك لم يكن ليصيبك" أي: ما صرفه الله عنك من المقادير فلا يمكن بحال أن ينالك؛ لأن كل شيء بقدر، فليس شيء في الكون يقع خبط
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان برقم (١٦) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان برقم (٤٣).
[ ٢ / ٧٠١ ]
عشواء، وضربة لازب، بل ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]. فيجب أن يمتلئ القلب بهذا اليقين.
قوله: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول" هذا استدلال من عبادة ﵁ على تلك المقدمة، وهكذا ينبغي لمن قرّر شيئًا أن يعضد مقالته بالدليل حتى يحصل على القبول.
قوله: "إن أول ما خلق الله القلم" (القلم) تضبط بالفتح، وبالرفع، فالأول: على اعتبارها وقعت مفعول (خلق) فيكون المراد: ساعة أن خلق الله القلم، قال له: اكتب، و(أول) دالة على الظرفية. والثاني: وهو الرفع، باعتبار أن القلم خبر (إن). فيكون المعنى: أن أول المخلوقات هو القلم، ولكن هذه الأولية أولية نسبية؛ لأن العرش هو أول المخلوقات. وهذا هو القول الصحيح؛ قال الله ﷿: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] فهو سابق لخلق السماوات والأرض، فتكون أولية القلم أولية نسبية، أي: بالنسبة لخلق السماوات والأرض. قوله: "فقال له: اكتب، فقال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" أي: من تلك اللحظة إلى أن تقوم الساعة، فانصاع القلم لأمر ربه ﷿ قوله: "يا بني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني" " هذه براءة من النبي ﷺ من منكري القدر، فمن لم يؤمن بما دلّ عليه هذا الحديث، فإن النبي ﷺ بريء منه براءة كاملة، تقتضي النقل عن الملة؛ لأن القدر من أركان الإيمان.
وهذا الحديث عن عبادة قد رواه أبو داود، والترمذي، والطيالسي (^١)، وكذلك رواه ابن أبي عاصم (^٢)، وسنده حسن -بحمد الله-، وفي علم مصطلح الحديث: الحديث الصحيح والحسن، يقبل خبرهما، ويعمل بحكمهما.
قوله: "وفي رواية لأحمد" وهذه الرواية ضعيفة، لكن إذا ضمت إلى ما سبق، كانت مقبولة المعنى، وربما كان لها طرق يعضد بعضها بعضًا.
_________________
(١) مسند أبي داود الطيالسي برقم (٥٧٨).
(٢) السنة لابن أبي عاصم برقم (١١١).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
قوله: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" وهذا المعني مطابق لما تقدم.
قوله: "وفي رواية لابن وهب" هو عبد لله بن وهب بن مسلم المصري، ثقة، مات سنة سبع وتسعين ومائة، ﵀.
قوله: "قال رسول الله ﷺ: "فمن لم يُؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار" " هذا يدل على كفر منكر القدر.
فوائد الأثر:
١ - وجوب الإيمان بالقدر، وهذا ظاهر؛ والبراءة من منكره.
٢ - إثبات حلاوة الإيمان، وأن الإيمان بالقدر من أسباب حصولها، وقد يعجب الإنسان كيف يكون الإيمان بالقدر بما فيه الأقدار المؤلمة سببًا للحلاوة، مع أن الأقدار المؤلمة تجلب المرارة عادة! والجواب: أن المؤمنين تستحيل النقمة في حقهم نعمة، والمحنة منحة؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] فهداية القلب هذه حلاوة؛ قال علقمة ﵀: "هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
٣ - إثبات القلم، وكتابة المقادير، ولا يجوز تأويل هذه النصوص تأويلًا مجازيًا، كما تصنع المعطلة، فيقول: القلم كناية عن كذا، بل يُقال: هو قلم حقيقي يكتب، والله أعلم بكيفيته وصفته، ولهذا لما عرج بالنبي ﷺ سمع صريف أقلام القدر (^١).
٤ - ينبغي للأب تعليم الولد، والنصح له، والتلطف معه. وبعض الناس يكون قليل النفع لأولاده، يظن أن واجبه تجاه أولاده أن يطعمهم، ويسقيهم، ويكسوهم، ويؤويهم فقط! فلا يسوق إليهم علمًا، ولا أدبًا، ولا يبذل له نصحًا. وهذا تقصير بالغ، فإن حاجته إلى التربية، والتعليم، والنصح، أعظم من حاجته
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ برقم (٣٤٩) ومسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ برقم (١٦٣).
[ ٢ / ٧٠٣ ]
إلى الطعام، والشراب، واللباس. وينبغي لصاحب العلم أن يجتهد مع الأدنين قبل الأبعدين، وأن ينفع أهله وقرابته قبل غيرهم، كفعل عبادة بن الصامت.
٥ - قرن الحكم بالدليل.
٦ - توجيه الخطاب إلى الجماد، لأنه يعقل أمر الله؛ ففهم واستجاب، وسأل: "ماذا أكتب؟
قوله: "وفي المسند والسنن" والمراد بالمسند هنا: مسند الإمام أحمد، وبالسنن: سنن أبي داود، وابن ماجة. فالمحدثون ﵏ لهم طرائق شتى في ترتيب مروياتهم:
فالمسانيد: رُتبت فيها الأحاديث على أسماء الصحابة. كمسند الإمام أحمد، وغيره، فيذكر مسند أبي بكر الصديق، ويسوق الأحاديث عنه، بقطع النظر عن موضوعها؛ فقد يكون أحدها في الإيمان، وآخر في الطهارة، وثالث في الأضاحي، وهكذا، فلا يجمعها موضوع واحد.
والسنن: رُتبت فيها الأحاديث على أبواب العلم. كالصحيحين، والسنن الأربعة، وغيرها، فيعقد بابًا للإيمان، وآخر للطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاة، وهكذا على أبواب الفقه، بصرف النظر عن الراوي، فينتقل من صحابي إلى آخر.
والمعاجم: رتبت فيها الأحاديث على الشيوخ، كمعجم الطبراني رتبه على شيوخه، فيسرد مروياته عن أحد شيوخه، في موضع واحد، بصرف النظر عن موضوعه، وصحابيه، ثم ينتقل إلى مرويات شيخ آخر. وقد يرتب أشياخه على حروف المعجم.
وهذه طرق فنية لتقسيم العلم. والأنفع من الناحية العملية: السنن؛ لأنها تعين على البحث الموضوعي، فقد لا يعني من هو الصحابي الذي روى الحديث؛ لأن الصحابة كلهم عدول، لكن يعنينا الموضوع. وهناك من جمع بين الحسنيين؛ بالترتيب على الطريقتين، كبقي بن مخلد ﵀، فقد رتب مسانيد الصحابة على حسب الموضوعات.
قوله: "عن ابن الديلمي" عبد الله بن فيروز الديلمي، أبو بسر، ثقة، من كبار التابعين. أبوه فيروز الديلمي، قاتل الأسود العنسي، مدعي النبوة، في قصة
[ ٢ / ٧٠٤ ]
مشهورة ﵁ (^١). قوله: "قال: أتيتُ أبي بن كعب" هو صاحب رسول الله ﷺ، وقد تقدمت ترجمته.
قوله: "فقلتُ: في نفسي شيء من القدر" مراده أنه قد وقع في نفسه شك وتردد في مسألة القدر، وهذا أمر طبيعي أن يطيف بقلب المؤمن أحيانًا شيء من الشك؛ إما من داخل النفس، وإما من إلقاء الشيطان. وقد جاء رجل لابن عباس، فقال له: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله ما أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله ﷿ ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] (^٢)، فقد يؤذي الشيطان ابن آدم بهذه الشكوك. لكن فرق بين الشك العارض، والشبهة المستقرة، فالشك العارض لا يكاد يسلم منه أحد، يطيف بالقلب شيء من الشبهات فيفزع المؤمن إلى المحكمات، ويعتصم بها، ويرد المتشابه إلى المحكم، إلى أن يشرح الله صدره، وينكشف له الأمر، أو يذهب فيسأل أهل الذكر، كما صنع ابن الديلمي. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]. وإنما يُعاب من احتضن الشبهة، وروّج لها، ودعا إليها، كما فعل صبيغ بن عسل، الذي جاء في زمن عمر، فنفاه عمر من المدينة، وأدبه، في قصة مشهورة (^٣). أما شيء يعتري الإنسان دون إرادته، فهذا لا يضره، وقد وقع لبعض أصحاب النبي ﷺ، فأتوا إلى النبي ﷺ وقال قائلهم: "يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه، يعرض بالشيء لأن يكون حممة -أي فحمة محترقة- أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: "الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة" (^٤)،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٧٤).
(٢) أخرجه أبو داود في أبواب النوم، باب في رد الوسوسة برقم (٥١١٠) وقال الألباني: "حسن الإسناد".
(٣) الإبانة الكبرى لابن بطة (١/ ٤١٤) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٧٠١) والشريعة للآجري (١/ ٤٨٣).
(٤) أخرجه أبو داود في أبواب النوم، باب في رد الوسوسة برقم (٥١١٢) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وفي لفظ: "جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم، قال: "ذاك صريح الإيمان" (^١)، وكأنه كان يتوقع أن يحصل لهم ذلك، وما كان النبي ﷺ ليحمد الله ﷿ إلا لأمر محل حمد، وهو صريح الإيمان. وليس ذلك وصفًا للوسوسة، فلا يمكن أن تكون الوسوسة محض الإيمان، أو صريح الإيمان، فالوسوسة من الشيطان، ولكن محض الإيمان وصريحه هو: استشناعهم، وانزعاجهم، من هذا الذي وقع في نفوسهم، فذلك دليل على صراحة الإيمان في قلوبهم. فإذا هجم على قلب المسلم شيء من ذلك، ووجد في نفسه انزعاجًا، وألمًا، وتمنى أن لو يخر من السماء أحب إليه من أن ينطق به، فليعلم أن ذلك دليل على صراحة الإيمان في قلبه، فليحمد الله ﷾.
أما إذا كان يسترسل معه، ويستروح له، ويعجبه ذلك، وإذا جلس في مجلس قاءَ غثاءه، وأخرج خبيئة نفسه، وبث وساوسه، فذاك مفتون، زائغ، متبع للمتشابه.
قوله: "قال: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي" وهذا يدل على أمور:
- أنه لا ينبغي أن يدع المؤمن في نفسه ريبة، بل يسعى لاستجلائها.
- أنه يقصد أهل الذكر، كما أمر الله، ولا يسأل الجاهلين.
- أن يسر بها، ولا يجهر بها على الملأ، لئلا تنتقل الشبهة إلى أهل العافية.
قوله: "فقال: لو أنفقتَ مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مِت على غير هذا، لكنتَ من أهل النار" هذه جمل رصينة محكمة، تُؤثر في النفس، وتثبت القلب، وتكنس ما فيه من شك. وتدل على وجوب الإيمان بالقدر، وأنه لا إيمان لمن لا يؤمن بالقدر، ولا قبول لعمله.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها برقم (١٣٢).
[ ٢ / ٧٠٦ ]
قوله: "قال: فأتيتُ عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ " أي كل هؤلاء الصحابة الأربعة الكرام رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ. وقد مر، آنفًا، قول عبادة بن الصامت ﵃ أجمعين-
قوله: "حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه" أي: في مستدركه؛ لأن الحاكم النيسابوري ﵀ استدرك على الصحيحين؛ البخاري ومسلم، ما يظن أنه فاتهما، ولكنه لم يلتزم بشرطهما، وكأنه أراد أن يراجع ذلك فيما بعد فلم يمكنه؛ لانصرام الأجل، فجاء الذهبي ﵀ لاحقًا، وتتبع مستدرك الحاكم، فوافقه في أشياء وخالفه في غيرها، فما وافق فيه الذهبيٌّ الحاكمَ في استدراكه على الصحيحين، أو على أحدهما، فهو على شرطهما، أو شرط أحدهما، وما خالفه فيه فلا! فإن الذهبي إمام محقق، ومدقق، يُؤخذ بقوله.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لدلاته على وجوب الإيمان بالقدر، والتحذير من إنكاره.
فوائد الحديث:
١ - وجوب الإيمان بالقدر.
٢ - كفر منكري القدر.
٣ - الوعيد الشديد على من أنكر القدر.
٤ - سؤال العلماء عما يشكل من أمور الاعتقاد وغيرها؛ كما فعل ابن الديلمي.
فينبغي للإنسان أن يسأل، فإنما يدرك العلم بالسؤال، بعض العامة يقول: لا تسأل! لا تفتح على نفسك بابًا! نعم، إن سألت جاهلًا، أو متعالمًا، فقد فتحت على نفسك باب جهالة، لكن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] فإذا وقع في نفس الإنسان شك، فيجب عليه أن يسعى في إذهابه، وليثق تمام الثقة أنه ليس في ديننا شيء يُستحى منه، أو يُعتذر عنه، أو ينافي العقل، أو الفطرة، فديننا كله حق، بحمد الله، نجهر به في
[ ٢ / ٧٠٧ ]
المحافل. وإنما يقع هذا لبعض المهزومين، المبهورين أمام المتحذلقين من العلمانيين، أو الملاحدة، أو المتفلسفين، فيسلك مسلك الاعتذار عن شريعة الله، أو عن مسائل الإيمان، وهذا ضعف في العلم والشخصية، ورخاوة في الدين، إن لم تكن أكثر من ذلك، والعياذ بالله. فالواجب أن نعتز بديننا، ونعلم أنه إن خفي هذا الأمر على فلان، أو علان، فقد علمه الراسخون، فينبغي سؤال أهل العلم عما أشكل. وهذا لا يختص بالأمور العملية، أو الاعتقادية، بل في كل شيء؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديث صاحب الشجة، الذي استفتى أصحابه لما أصابته شجة، وأصابته جنابة وقالوا: لا بد لك من غسل، فاغتسل، فمات: "قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا، إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال" (^١).
٥ - سؤال أكثر من عالم؛ فابن الديلمي ﵀ قد سأل أبي بن كعب، وحذيفة، وابن مسعود، وزيد ﵃ أجمعين-. وهذه المسألة لها حالات:
الأولى: إذا كان مراد الإنسان بالسؤال زيادة التثبت واليقين فلا بأس، فهذا حسن، كما هاهنا.
الثانية: أن يكون سؤال الإنسان ناتجًا من عدم طمأنينة لإجابة العالم الأول، فلا حرج عليه أيضًا أن يسأل غيره، ليذهب الشك.
الثالثة: أن يسأل يريد بذلك تتبع الرخص، والبحث عما هو أسهل وأخف، كما يفعل بعض الناس؛ يتصلون بعديد من طلاب العلم ليسألوهم عن مسألة واحدة، ثم يقارنون الإجابات، ويأخذون أسهلها، وأخفها، بصرف النظر عن الدليل، أو التعليل، فهذا لا يجوز. فيجب أن يكون مراد الإنسان إصابة الحق؛ ولهذا قال العلماء: من تتبع الرخص تزندق؛ لأنه إذا صار يأخذ الرخصة في كلام كل عالم سيخرج بتوليفة من الرخص التي تخرجه عن سمت الشريعة، فإن الذي
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم برقم (٣٣٧) وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب في المجروح تصيبه الجنابة، فيخاف على نفسه إن اغتسل برقم (٥٧٢) وأحمد ط الرسالة برقم (٣٠٥٦) والحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٦٣٠) وحسنه الألباني.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
رخص في هذه المسألة، أو أخطأ فيها، قد أصاب في الباقي، فإذا كان الإنسان يلتقط هذه المنثورات، وشواذ الفتاوى، وزيغة الحكيم، خرج بدين ملفق.
٦ - وجوب كشف الشبهات عن الناس، والاجتهاد في البيان لهم، وعدم نهر السائل.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر.
أي: لقول ابن عمر ﵄ واستدلاله بحديث جبريل.
الثانية: بيان كيفية الإيمان.
وهو: "أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك".
الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به.
لقول ابن عمر ﵄: "لو أنفقتَ مثل أحد ذهبًا، ما تُقبل منك حتى تُؤمن بالقدر" وهو يدل على أن من لم يؤمن بالقدر كافر؛ لأن الكافر هو الذي لا يُقبل منه العمل.
الرابعة: الإخبار أن أحدًا لا يجد طعم الإيمان حتى يُؤمن به.
لقول عبادة ﵁: "يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان" وذلك لأن الإيمان بالقدر يُوجب طمأنينة في القلب، وبشاشة.
الخامسة: ذكر أول ما خلق الله.
وهو القلم؛ لقوله: "إن أول ما خلق الله القلم" وهي أولية نسبية، أي بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض، أما الأولية المطلقة للمخلوقات فهو العرش.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم قيام الساعة.
لقوله: "فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" كما في رواية أحمد وغيره.
السابعة: براءته ﷺ ممن لم يُؤمن به.
لقوله: "من مات على غير هذا فليس مني" وهذه البراءة مطلقة؛ لأن من لم يؤمن بالقدر كافر كفرًا مخرجًا عن الملة.
الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبه بسؤال العلماء.
يُؤخذ هذا من قصة ابن الديلمي؛ لأنه قال: "فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت" بعد أن أتى أبي بن كعب.
التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته؛ وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط.
لقول ابن الديلمي: "كلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ" وبهذا تزول الشبهات، وهذا عند المؤمن، أما غيره فلا ينتفع، لقول ﷿: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
[ ٢ / ٧١٠ ]