في الصحيح: عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (^١)، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما: عنها قالت: لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال -وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا"، أخرجاه (^٢).
الشرح:
عقد المصنف ﵀: "باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟! "، ليُبيِّن الوسيلة المفضية إلى الغلو في الصالحين، وهي قصد العبادة عند
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد برقم (٤٢٧) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور برقم (٥٢٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر ﵄ برقم (١٣٩٠) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد برقم (٥٢٩).
[ ١ / ٣١٥ ]
قبور الصالحين، وأن هذا قد جاء التغليظ فيه، وختم الترجمة بسؤال تعجبي وهو قوله: "فكيف إذا عبده؟! " وذلك لتعظيم الأمر وتهويله.
قوله: "في الصحيح"، المراد بالصحيح هنا: صحيح البخاري.
قوله: "عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة" أم سلمة: هي هند بنت أبي أمية المخزومي، الذي كان يلقب بزاد الراكب، وكانت زوج أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكانا من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، ثم عادا، وتوفي أبو سلمة ﵁، وحزنت عليه حزنًا عظيمًا، فدخل عليها النبي ﷺ، وقال لها: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها". قالت: فلما توفي أبو سلمة قلتُ: كما أمرني رسول الله ﷺ، فأخلف الله لي خيرًا منه؛ رسول الله ﷺ (^١)، فتزوجها، وصارت من أمهات المؤمنين، وجبر الله كسرها، وقد كانت وفاتها سنة (٦٢ هـ).
حكت أم سلمة، ﵂، للنبي ﷺ صفة كنيسة رأتها في أرض الحبشة، والكنيسة: معبد النصارى. والحبشة: هي التي تُسمى الآن أثيوبيا، وما جاورها من البلدان، كأريتريا. وقد وصل دين النصارى إلى أرض الحبشة في وقت مبكر، فإن بعض تلاميذ المسيح ذهب إلى مصر، وانتقل أحدهم -وهو (مرقص) - إلى بلاد الحبشة، فاعتنق أهلها النصرانية، ولحقهم ما لحق بقية النصارى من الخلاف، والضلال، ومن أنهم ذلك، تزويق الكنائس بالتماثيل، فيصورون العذراء ﵂، والمسيح ﵇، وهو منصوب على خشبة الصلب، ويصورون الملائكة، والقديسين. وهذا مشهور عندهم؛ فإن من يدخل كنائسهم يدهش عندما يقلب بصره في الجدران المليئة بالصور والأيقونات، وكأن هذا -والله أعلم- نوع من التعويض عن الخواء الروحي، فيضعون هذه الصور والمنحوتات حتى يشعروا بشيء من الروحانية. ولم يكن المسيح ﵇ قد اتخذ كنيسة، بل كان يصلي في معابد اليهود الذين بُعث فيهم، ولكن من جاء بعده صاروا يستقلون بالكنائس والكاتدرائيات. فحكت أم سلمة للنبي ﷺ، على سبيل الخبر، ما رأت في الكنيسة من التصاوير.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة برقم (٩١٨).
[ ١ / ٣١٦ ]
قوله: "أولئكِ" " (أولئكِ) بكسر الكاف، والخطاب لأم سلمة،، ويصح (أولئكَ)، بالفتح. قوله: "إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح" هذا الشك في اللفظ من الراوي. قوله: "بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور" قاموا بعملين:
الأول: أنهم بنوا على قبره مسجدًا، أي: موضعًا للصلاة.
الثاني: صوروا فيه تلك الصور، أي: زوقوا الجدران، والأسقف، والمكان بتلك التصاوير.
قوله: "أولئك شرار الخلق عند الله") المشار إليهم الذين فعلوا هذا الفعل، وغلوا في الصالحين، هم شرار الخلق، أي أعظمهم شرًا وجرمًا.
قوله: "فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل" هذا ليس من كلام المصنف، بل من كلام ابن القيم ﵀ (^١). فجمعهم بين الفتنتين من أعظم الوسائل المفضية إلى الشرك.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة للترجمة، إذ أنّ هذا الحديث يدل على أن بناء المساجد على القبور لعبادة الله، واتخاذ الصور، يفضي إلى عبادة غيره؛ ولهذا صاروا شرار الخلق؛ لوقوعهم في الشرك بالله تعالى.
فوائد الحديث:
١ - المنع من عبادة الله عند قبور الصالحين، سدًا لذريعة الوقوع في الشرك.
٢ - الاعتبار بحال الأمم قبلنا.
٣ - تحريم التصوير؛ لما فيه من مضاهاة خلق الله ﷿، ولا سيما إذا كان للمعظمين من الصالحين وأمثالهم؛ لأنه وسيلة إلى الشرك. فصار التصوير يحرم من وجهين: من جهة مضاهاة خلق الله. ومن جهة كونه وسيلة إلى الوقوع في الشرك.
_________________
(١) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان - المعرفة (١/ ١٨٤).
[ ١ / ٣١٧ ]
٤ - عظم هذه الجريمة، وأن من ارتكبها فهو من شرار الخلق بشهادة من لا ينطق عن الهوى.
٥ - جواز دخول الكنائس لفعل أم سلمة، وعدم إنكار النبي ﷺ لذلك.
ولا شك أن ظاهر الحديث يدل على ذلك، ولكن هذه القصة قضية عين، فتحتاج إلى بيان وتفصيل، فنقول: إن دخول الكنائس، والمعابد الأخرى، له حالات:
الأولى: أن يكون دخولها من باب الإعجاب بهم، والتملق لهم، فهذا لا يجوز، كما يفعله بعض السائحين السفهاء، فيقصدون الكنائس، والمعابد الوثنية، ويبدون إعجابهم بها، ويداهنون كهنتها، مع أنه يذكر فيها التثليث، والبنوة، وتأليه المسيح، وصلبه، فضلًا عما تحويه من الصور المنكرة، والمعازف، والطقوس الكفرية، كالذي يسمونه العشاء الرباني "الأفخارستيا"، فإذا فرغ الكاهن، أو الأسقف، راعي الكنيسة من موعظته، أتى بكأس فيه خمر، وقِطَعًا من الخبز، ثم دعا الذين حضروا القُداس، فيتقدمون واحدًا واحدًا، أمامه، فينزل أحدهم على ركبته على هيئة الخضوع، ثم يقوم الكاهن بغمس قطعة من الخبز في كأس الخمر، ويناوله إياها، فيأكلها، ويزعمون أنه قد اختلط بهم دم المسيح ولحمه، فالخبز يمثل لحم المسيح، والخمر يمثل دمه!، وهذا من العقائد الباطلة، والطقوس السخيفة، التي عليها النصارى إلى يومنا هذا.
فما يفعله -وللأسف- بعض السفهاء، من الذهاب لكنائسهم، بغرض الفرجة، فقط، لا يجوز، فإنه يحصل لهؤلاء النصارى نوع اعتزاز، فيأخذون في شرح دينهم، وقد يكون فتنة لبعض من دخلها.
الثانية: أن يدخل الكنيسة لمصلحة؛ إما لدعوتهم، أو لكشف عوارهم، ونقدهم، فهذا لا بأس به، ولعل دخول أم سلمة من هذا الباب، ولو لم يكن في دخولها فائدة، إلا حصول هذا الحديث لكفى، فدخول الكنيسة، والكنيس، ومعابد الوثنيين للدعوة، أمر مشروع؛ فقد كان نبينا ﷺ يأتي يهود في كنيسهم، يوم مدراسهم، ويدعوهم إلى الإسلام. فقد روى أحمد (^١)، والحاكم في
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٣٩٨٤) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
[ ١ / ٣١٨ ]
مستدركه (^١)، والطبراني (^٢)، وابن حبان في صحيحه (^٣) من حديث عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتى يهودًا في كنيستهم، فقال: "يا معشر اليهود، أروني إثني عشر رجلًا يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه"! عرض عليهم عرضًا مغريًا، لو كانوا يفقهون، قال: "فأمسكوا، وما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم، فلم يجبه أحد، ثم ثلّث، فلم يجبه أحد، فقال: "أبيتم، فو الله إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفي، آمنتم أو كذبتم". ثم خرج. فلا بأس بغشيانهم في كنيستهم لغرض صحيح، كدعوتهم، أو للاطلاع على حالهم بغرض نقدهم، وكشف زيفهم.
قوله: "ولهما" أي: البخاري ومسلم.
قوله: "لما نُزل برسول الله ﷺ " (نُزل) هكذا بصيغة الفعل الذي لم يُسم فاعله، أي: نزل به ملك الموت، في حال الاحتضار.
قوله: "طفق" أي: جعل.
قوله: "يطرح خميصة له على وجهه" والخميصة: كساء له أعلام، أي: ثوب أو قماش مخطط، فكان نبينا ﷺ يعاني في سكرات الموت كربًا، وعناءً، شديدين، فجعل يطرح الخميصة على وجهه الشريف؛ لشدة ما يجد من الألم، وهذا مما ادخره الله له من البلاء الذي يرفع الدرجات.
قوله: "فإذا اغتم بها" أي: انحبس نفسه.
قوله: "كشفها" أي أزاحها عن وجهه الشريف، ليتنفس.
قوله: "فقال -وهو كذلك-" أي وهو على تلك الحال، ولا يكاد يوجد بشر في مثل حاله العصيبة، يمكن أن ينصح، لولا أنه رسول الله ﷺ الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم؛ فلشدة نصحه وشفقته على أمته صار أعظم ما يشغل باله في هذا الحال أمر أمته.
قوله: "لعنة الله على اليهود والنصارى" واللعن: هو الطرد والإبعاد عن
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم برقم (٥٧٥٦).
(٢) المعجم الكبير - الطبراني برقم (١٤٥١١).
(٣) أخرجه ابن حبان برقم (٧١٦٢) وصححه الألباني.
[ ١ / ٣١٩ ]
رحمة الله. واليهود والنصارى: هم أهل الكتاب، واليهود سموا يهودًا، في أصح الأقوال: نسبة إلى يهوذا بن يعقوب ﵇، فنسبوا إليه. وقيل: إنما سموا يهودًا من التهود وهو التوبة، لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقيل: من الهوادة وهي المحبة.
وأما النصارى: فقيل: إن سبب تسميتهم بهذا الاسم، نسبة إلى بلدة الناصرة، التي كان ينزلها المسيح ﵇. وقيل: نسبة إلى تناصرهم فيما بينهم. وقيل: نسبة إلى قولهم: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]. والحاصل: أن اليهود صار علمًا على المنتسبين إلى موسى ﵇، المعتقدين بالتوراة، والنصارى صار علمًا على المنتسبين إلى عيسى ﵇، المعتقدين بالإنجيل. وقد بيّنا: أن اليهودية والنصرانية ليستا ديانتين سماويتين، بل هما محرفتان عن أصل سماوي، فإن دين الله واحد، وهو الإسلام، وهو الذي بعث الله به نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وجميع أنبياء الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. لكن لما طرأ التحريف على دين موسى، ﵇،، صارت تلك الملة تُسمى اليهودية؛ ولما طرأ التحريف على دين عيسى، ﵇، صارت تلك الملة تُسمى النصرانية. ولهذا برّأ الله إبراهيم، ﵇، منهما، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. فيُخطئ من يقول: الأديان السماوية؛ لأن الدين واحد، وليس لله أديان متعددة، بل شرائع متعددة.
قوله: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" أي: أن سبب لعنهم هو وقوعهم في الشرك، وتحويلهم قبور أنبيائهم إلى مواضع للعبادة والسجود، سواء بنوا عليها بنيانًا، أم لم يبنوا، فإن موضع السجود يُسمى مسجدًا. وهذا يدل على عظيم شفقة النبي ﷺ ونصحه لأمته؛ لأنه لما شعر ﷺ بأنه في سياق الموت، وقد دنا أجله خشي أن تصنع به أمته ما صنعت اليهود والنصارى بأنبيائها، فألقى عليهم هذه الجملة؛ تحذيرًا حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من كان قبلهم.
قولها: "يحذر ما صنعوا" هذا من قول عائشة ﵂ ومن فقهها؛ أي: أنه ما قال ذلك في هذا المقام، إلا للتحذير مما صنع اليهود والنصارى.
قولها: "ولولا ذلك لأبرز قبره" أي: لأخرج من حجرته الشريفة، ووضع في البقيع، لكنه لم يفعل ذلك خشية أن يتخذ مسجدًا، فدفن النبي ﷺ في بيته،
[ ١ / ٣٢٠ ]
في حجرة عائشة، لئلا يدخل عليه، بخلاف لو كان في البقيع، ينتابه كل أحد.
وهناك سبب آخر لدفن النبي ﷺ في حجرته، لا يتعارض مع السبب الأول، وهو ما حدّث به أبو بكر ﵁ لما اختلفوا في موضع دفنه، فأخبر أنه سمع من النبي ﷺ يقول: "ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه" (^١).
قوله: "أخرجاه" لعله سبق قلم؛ لأنه قد قال في مستهل هذا الحديث: "ولهما" أي: للبخاري ومسلم، فأغنى ذلك عن الإعادة.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من لعن اليهود والنصارى بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، وعدم إبراز قبره خشية أن يُتخذ مسجدًا، فعبادة الله عند قبر نبي أو رجل صالح من أسباب الشرك.
فوائد الحديث:
١ - المنع من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
٢ - كمال شفقة النبي ﷺ على أمته، ونصحه لهم.
٣ - جواز لعن اليهود والنصارى من حيث الجملة، لا لعن معين منهم.
وهذا أمر -وللأسف- بات بعض المتعالمين ينكره ويستهجنه، ويقول: هذا يعزز ثقافة الكراهية، فسبحان الله! على من يعترض؟ أيعترض على الله الذي يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]؟ أم يعترض على رسول الله ﷺ الذي يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى"؟ إن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، ونحن لا نبغضهم، ولا نلعنهم لذواتهم، وأعراقهم، بل لما تلبسوا به من الكفر. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، ورضوا بالله ربًا، وبمحمد نبيًا، وبالإسلام دينًا؛ لكانوا إخواننا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فإنما أبغضناهم في الله ﷿، فينبغي التنبه، والحذر من
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الجنائز، باب ما جاء في دفن النبي ﷺ حيث قبض برقم (١٠١٨) وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٢١ ]
الانسياق خلف هذه العبارات الحادثة الباطلة، وعلينا أن نلزم السنة.
٥ - معرفة الحكمة من دفن النبي ﷺ في حجرته، وهي: حتى لا يتخذ قبره مسجدًا.
٦ - بشرية النبي ﷺ؛ فهو بشر يلحقه ما يلحق البشر من سكرات الموت، ومعاناة الاحتضار، فقد كان يطرح خميصة على وجهه الشريف، فإذا اغتم بها كشفها، بل قد جاء في الحديث: أنه قال: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" (^١)، وقد يُشكل هذا على بعض الناس، ويقول: أليس روح المؤمن تسل كما تسل الشعرة من في السقاء؟ فكيف يقع هذا؟ فيقال: لا تعارض، فإن هذه سكرات الموت غير قبض الروح، فالسكرات والكرب تكون قبل قبض الروح، وتكون كفارة لسيئاته، ورفعة لدرجاته، وفي الحديث: "الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ" (^٢)
وأما قبض الروح فهو لحظة خروج الروح من البدن، فإن كان مؤمنًا سلت روحه كما تسل الشعرة من العجين، أو من في السقاء، وإن كان كافرًا نزعت روحه نزعًا، كما ينزع السفود من الصوف المبلول، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ١، ٢].
ثم قال المصنف ﵀:
ولمسلم: عن جندب بن عبد الله قال: سمعتُ النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنتُ متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته برقم (٤٤٤٩).
(٢) أخرجه الترمذي برقم (١٠٠٣)، والنسائي برقم (١٨٢٨)، وابن ماجه برقم (١٤٥٢)، وأحمد برقم (٢٢٩٦٤) وغيرهم، وصححه الألباني. وهو في "مسند أحمد" (٢٢٩٦٤)، و"صحيح ابن حبان" (٣٠١١).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد برقم (٥٣٢).
[ ١ / ٣٢٢ ]
فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد وهو معنى قولها: "خشي أن يتخذ مسجدًا"؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا؛ كما قال ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد"، ورواه أبو حاتم في صحيحه.
الشرح:
"ولمسلم: عن جندب بن عبد الله ﵁" البجلي، صحابي توفي بعد الستين.
قوله: "قبل أن يموت بخمس" يحتمل: خمس ليال، أو خمس سنين، ولا تحتمل أشهر؛ لأنها لو كانت أشهر لقيل: بخمسة، والأقرب -والله أعلم- أنها خمس ليال؛ لأنه ليس من عادة الراوي أن يؤقت روايته بهذه المدة الطويلة.
قوله: "إني أبرأ إلى الله" " أي: أمتنع وأتجنب.
قوله: "أن يكون لي منكم خليل" الخليل: مشتق من الخلة، والخلة: أعلى درجات المحبة؛ لأنها تتخلل القلب، وتتمكن منه ولهذا قال القائل:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِني … وَلِذَا سُمِّي الخَلِيلُ خَلِيلَا (^١).
قوله: "ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" لا حاجة إلى التعريف بالصديق ﵁، فيكفيه شرفًا وتعريفًا هذه الجملة. والذي منع النبي ﷺ أن يتخذ أبا بكر خليلًا، مع شدة محبته له، أن الله قد اتخذه خليلًا،
_________________
(١) البيت بلا نسبة في المنتحل (ص: ٢٢٢) ومحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء (٢/ ١٤).
[ ١ / ٣٢٣ ]
فلا يليق أن يجعل مع الله غيره؛ لأن الخلة أعلى درجات المحبة، فلا تصرف إلا لله ﷾.
قوله: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (ألا) أداة تنبيه، ومن كان قبلنا: هم اليهود والنصارى، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، واتخاذهم القبور مساجد: إما بالبناء عليها، أو بمجرد الصلاة عندها، فإن ذلك كله يُعد اتخاذًا. وهذا النهي أصرح ما يكون في النهي.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من النهي الصريح عن اتخاذ القبور مساجد، كما فعل اليهود والنصارى.
فوائد الحديث:
١ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
٢ - سد كل طريق يفضي إلى الشرك.
٣ - إثبات صفة الخلة لله ﷾، فالله تعالى يُحِب، ويُحَب، ويخالِل، ويُخالَل.
٤ - فضل الخليلين إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-، فأنهما أفضل البشر.
٥ - فضل أبي بكر الصديق؛ إذ كان مؤهلًا للخلة، لولا اتخاذ الله نبيه ﷺ خليلًا.
٦ - إثبات خلافة أبي بكر الصديق، لعظيم فضله على الأمة. وقد اختلف العلماء، هل كانت خلافته بالنص الجلي، أم بالنص الخفي، والإيماء والإشارة، أم كانت بالبيعة؟ فذهب ابن حزم، ﵀، إلى أن خلافة أبي بكر الصديق ﵁ كانت بالنص الجلي (^١)، وذهب غيره: إلى أنها كانت بالنص الخفي والإيماء والإشارة، كما في هذا الحديث، وبانعقاد البيعة على ذلك، والثاني أقرب؛ لأن النص الجلي هو أن يقول النبي ﷺ صراحة: "الخليفة بعدي أبو بكر" ولم يقع
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٠٧).
[ ١ / ٣٢٤ ]
ذلك، وإنما قال النبي ﷺ أقوالًا متعددة، كلها تشير إشارات قوية إلى استخلاف أبي بكر، ثم ثبت ذلك ببيعة المسلمين له ﵁.
وعقّب المصنف بكلامٍ نقله من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولم ينسبه إليه، وهذه طريقة لبعض السلف المتقدمين: أنهم ينقلون العلم عن قائله، ولا يعزونه أحيانًا، وقد رأيتُ كلامًا للبيهقي ﵀، ينقل فيه أسطرًا طويلة، من كلام الخطابي ولا يعزوه، وكأنّ هذا عندهم سائغ، لأنهم يعدون العلم مشاعًا بين أهله، فلا يلزم أن يقال: قال فلان، فعندهم أن في الأمر سعة في غير الرواية الحديثية. وإن كان هذا في لغة العصر يُعد منافيًا للتوثيق العلمي.
قوله: "فقد نهى عنه" أي: عن اتخاذ قبره مسجدًا، يتعبد لله تعالى عنده.
قوله: "وهو في آخر حياته" ونجد ذلك في حديث جندب ﵁ لأنه قاله قبل أن يموت بخمس،
قوله: "ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله" كما في حديث عائشة ﵂.
قوله: "والصلاة عندها من ذلك" أي: عند قبور الأنبياء، من اتخاذها مسجدًا، وإن لم يُبن عليها مسجد.
قوله: "وهو معنى قولها: "خشي أن يُتخذ قبره مسجدًا" فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا" ولكن يبقي احتمال: أن يُصلى عنده، فدل هذا على منع الصورتين.
قوله: "وكل موضع قُصدت الصلاة فيه فقد اتُخذ مسجدًا، بل كل موضع يُصلى فيه يُسمى مسجدًا، والدليل: كما قال ﷺ: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (^١) "، هو كما قال ﵀، ولكن المسجد الذي تتعلق به الأحكام الفقهية؛ من كونه أرضًا وقفية، وعدم جواز إنشاد الضالة، وعدم إقامة الحدود فيه، هو المسجد الذي قصد وأُوقف لهذا الغرض.
قوله: "ولأحمد (^٢) بسند جيد، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "إن من شرار
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" برقم (٤٣٨) ومسلم في أوائل المساجد ومواضع الصلاة برقم (٥٢١).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٣٨٤٤) وقال محققو المسند: "إسناده حسن". وقال الذهبي في السير: حسن، قوي الإسناد: (٩/ ٤٠١)، وجود إسناده ابن القيم في إغاثة اللهفان: (١/ ٢٩١)، وصححه أحمد شاكر.
[ ١ / ٣٢٥ ]
الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" ورواه أبو حاتم في صحيحه" (^١).
قوله: "إن من" (من) تبعيضية "شرار الناس" بمعنى (أفعل) التفضيل، أي أشدهم شرًا.
قوله: "من تدركهم الساعة وهم أحياء" أي: الذين تقوم عليهم الساعة وهم أحياء، وقد جاء ذلك في أحاديث صحيحة في البخاري وغيره، ووصفهم النبي ﷺ بأنهم "يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة" (^٢) وقال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله" (^٣)، فعلى هؤلاء تقوم الساعة. ويكون المؤمنون قد قُبضوا بالريح الطيبة التي يرسلها الله تعالى بين يدي الساعة آخر الزمان، ريحها أطيب من ريح المسك، ومسها ألين من مس الحرير، فتهب عليهم، فتقبض أرواحهم، فلا تدع نفسَ مؤمنٍ إلا استلتها من خياشيمه، فلا يبقى على وجه الأرض إلا شرار الخلق.
قوله: "والذين يتخذون القبور مساجد" فهم والصنف الأول سواء في الشر؛ وذلك لعظيم جرمهم؛ إذ أن فعلهم هذا مفضٍ للشرك.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من الذم البليغ لمن اتخذ القبور مساجد.
فوائد الحديث:
١ - التحذير من الصلاة عند قبور الصالحين.
٢ - أن من فعل ذلك فهو من شرار الخلق.
٣ - أن الساعة لا تقوم على مؤمن، وإنما تقوم على شرار الخلق.
_________________
(١) أخرجه ابن حبان برقم (٦٨٤٧) وقال الألباني: "حسن صحيح".
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه برقم (٢٩٣٧).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان برقم (١٤٨).
[ ١ / ٣٢٦ ]
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجدًا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
وقد ذكر النبي ﷺ فيه قولًا عظيمًا، كما في حديث أم سلمة: "أولئك شرار الخلق"، واللعن لفاعليه، ولم تشفع لهم حسن نيتهم.
الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر.
لتغليظ النبي ﷺ في ذلك، ولعنهم، ووصفهم بأنهم شرار الخلق.
الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك، كيف بيّن لهم هذا أولًا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
يعني: أن هذا النهي، والتغليظ، والتحذير البليغ، مر بعدة مراحل:
فحديث أم سلمة، ﵂، فيما رأت في أرض الحبشة، كان أثناء حياته.
ثم حديث جندب بن عبد الله، قبل أن يموت بخمس.
ثم حديث عائشة ﵂ في أثناء الاحتضار.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
نهى النبي ﷺ عن ذلك بصريح العبارة، قبل أن يوجد قبره، احترازًا من وقوعه فقال: "ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك"
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
وقد نصَّ النبي ﷺ على ذلك، فقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فإذا كان هذا من سننهم، فنحن مأمورون باجتناب سبيلهم، وعدم مشابهتهم.
[ ١ / ٣٢٧ ]
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
لقوله ﷺ: "لعنة الله على اليهود والنصارى"، فاللعن بالوصف مشروع.
السابعة: أن مراده ﷺ تحذيره إيانا عن قبره.
هذا مراده، وهذا ما فهمته عائشة ﵂؛ لقولها: "يحذر ما صنعوا".
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
خشية أن يُتخذ مسجدًا.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدًا.
بأن يُصلى عندها، ولو لم يُبنَ عليها مسجد.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجدًا، وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
هذا من عميق استنباط المصنف، فقد ربط بين اتخاذ القبور وقيام الساعة؛ فأول الأمر الشرك، ثم يؤول إلى تعطيل الرب ﷾، حتى لا يُعرف باسم.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شرار أهل البدع، بل أخرجهم بعض اهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة، والجهمية، وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
هاتان الطائفتان لا شك أنهما من أضل طوائف المبتدعة. وبعض من تكلم في الفرق؛ كابن المبارك، ويوسف بن أسباط، رحمهما الله، أخرجا الجهمية من الثنتين والسبعين فرقة، وعبد القاهر البغدادي في "الفرق بين الفرق" أخرج غلاة الرافضة الباطنية من أهل القبلة. وغلظ شرك الرافضة: أنهم وقعوا في الشرك العملي الذي هو عبادة غير الله؛ لأنهم يدعون عليًا، والحسين، وأهل البيت،
[ ١ / ٣٢٨ ]
دعاء صريحًا. وأما الجهمية: فوقعوا في الكفر العلمي، حيث عطّلوا صفات الرب سبحانه وبحمده، فنفوا أن يكون متصفًا بأي صفة ثبوتية، وهذا يفضي إلى إنكار الله ﷿ بالكلية. فهذا وجه وصف الطائفتين بأشر أهل البدع.
الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع.
تُؤخذ من قولها: "طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها".
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلّة.
وهي كرامة عظيمة؛ أن الله اتخذه خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
لتبرؤه ﷺ من خلة أحد سوى الله الذي اتخذه خليلًا، فلا شرك فيها.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
لقوله ﷺ: "لو كنتُ متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا"، فلا ريب أنّ هذا الكلام يدل على فضل أبي بكر على سائر الأمة، بما فيهم أكابر الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
فيكون هذا من باب النص الخفي والإشارة والإيماء إلى استحقاقه ﵁ للخلافة بعد النبي ﷺ، وقد كان.
[ ١ / ٣٢٩ ]