وقال ابن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر (^١).
وقال الإمام أحمد: عجبتُ لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأى سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور: ٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك (^٢).
عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة: ٣١]، فقلتُ له: إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه"، فقلتُ: بلى، قال: "فتلك عبادتهم" (^٣)، رواه أحمد، والترمذي، وحسنه.
_________________
(١) لم نجده بهذا اللفظ إلا في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٥)، وزاد المعاد (٢/ ١٧٨). وأخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٣١٢١)، عن ابن عباس قال: " تمتع النبي ﷺ، فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: ما يقول عرية؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون أقول: قال النبي ﷺ، ويقول: نهى أبو بكر وعمر!
(٢) لم نجد هذا الأثر بتمامه في مصدر واحد. وهو بمجموعه في: الإبانة الكبرى لابن بطة (١/ ٢٦٠) والفروع وتصحيح الفروع (١١/ ١٠٧) والصارم المسلول على شاتم الرسول (٣/ ٥٥).
(٣) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة برقم (٣٠٩٥) وحسنه الألباني. ولم نجده عند أحمد، ولم يحسنه الترمذي، كما قال المصنف.
[ ٢ / ٥١٩ ]
الشرح:
العلماء والأمراء: طائفتان يصلح الناس بصلاحهم، ويفسدون بفسادهم؛ لما لهما من النفوذ والتأثير. ومنزلة العلماء في الشريعة منزلة عالية رفيعة، فإن هم وفوا بالميثاق الذي أخذه الله عليهم، نفع الله تعالى بهم نفعًا عظيمًا، يقول الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
كما أن الأمراء أيضًا لهم منزلة عالية في ضبط الأمور، وانتظام أحوال البلاد والعباد، ودفع الفساد، فإذا صلحوا أصلح الله تعالى بهم أمر العامة، حتى قال بعض الصحابة: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" (^١)، وقال الإمام أحمد ﵀: "لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ لأن في صلاحه صلاحًا للمسلمين" (^٢)،
وقد أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمر، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فجعل طاعة أولي الأمر - وهذا يشمل الأمراء والعلماء- تابعة لطاعته وطاعة رسوله ﷺ، وطاعة الله وطاعة رسوله، أصلان عظيمان، وطاعة الرسول من طاعة الله؛ لقوله: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله" (^٣). فأحق من يُدعى له بالتسديد والتوفيق مَنْ ولي ولاية عامة، وهم العلماء الذين يُصدَر عنهم في الأحكام، والأمراء الذين بسط الله تعالى لهم في السلطان، فتجري أحكامهم وأوامرهم على الكافة. فمن أطاع العلماء
_________________
(١) هذا الأثر في تفسير ابن كثير ت سلامة (٥/ ١١١) ذكره مرفوعًا، وهو في تاريخ بغداد ت بشار (٥/ ١٧٢) عن عمر بن الخطاب، يَقول: لما يزع اللَّه بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن، وفي التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١/ ١١٨): عن عثمان بن عفان كان يقول: "ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن".
(٢) الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ١٧٨) والمبدع في شرح المقنع (٢/ ١٦٦).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: ﴿وأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] برقم (٧١٣٧) ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية … برقم (١٨٣٥).
[ ٢ / ٥٢٠ ]
والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابًا"
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كانت الطاعة "عبادة"، لم يجز صرفها لغير الله، ووجب توحيد الله بها، ومن أعظم حق الله في الطاعة: طاعته في التحليل والتحريم؛ إذ أنّ هذا خالص حقه، قال الله ﷿: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وليس للأمراء، ولا للعلماء، أن يشرّعوا دون الله، فكما أن له الخلق، فله الأمر، كما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالله ﷿ هو الذي يأمر وينهى، ويحل ويحرم، ووظيفة العلماء أن يُبيّنوا ذلك للناس، ووظيفة الأمراء أن يحملوهم عليه، هكذا جرت السنن، وسارت الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فمن عكس الطريقة، وسوغ لنفسه أن يحل ما حرم الله، وأن يحرم ما أحل الله، فقد نازع الله في حقه، ومن أطاعه في ذلك فقد اتخذه ربًا؛ لما سيأتي من الآيات.
قوله: "وقال ابن عباس يوشك" أي: يقرب ويدنو.
قوله: "أن تنزل عليكم حجارة من السماء" أي: أن تحصبوا بالحجارة، وهو نوع من العذاب. قوله: "أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ " أي: أنّ ابن عباس ﵄ أنكر إنكارًا بليغًا على من يسمع كلام النبي ﷺ، ويقابله بكلام أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، فكيف بمن قابله بكلام من دونهما من العلماء والأمراء؟!.
وهذا الأثر قد رواه بألفاظ متقاربة: الإمام أحمد، كما تقدم، والخطيب البغدادي (^١)، وابن عبد البر (^٢)، وابن حزم (^٣)، وذكره بهذا اللفظ ابن القيم في إعلام الموقعين كما تقدم.
ولهذا الأثر قصة: وهو أنّ عروة بن الزبير ﵄ قال لابن عباس: "ألا
_________________
(١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ٣٧٧).
(٢) الاستذكار (٤/ ٦١) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٨/ ٢٠٨).
(٣) المحلى بالآثار (١٢/ ٣٥١).
[ ٢ / ٥٢١ ]
تتقي الله ترخص في المتعة؟ " ومن المعلوم أنّ النبي ﷺ لما حج حجة الوداع أمر أصحابه بالتمتع، وأن يفسخوا حجهم إلى عمرة، ثم يحرموا بالحج في اليوم الثامن، وقال ﷺ متأسفًا على فوات الخير: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أن معي الهدي لأحللتُ" (^١)، فالذي منع النبي ﷺ من جعلها متعة أنه ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يمكنه أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، يوم النحر، فلم يكن في وسع النبي ﷺ أن يتمتع؛ ولذلك حج رسول الله ﷺ قارنًا، ولكنه عزم على أصحابه المفردين، الذين لم يسوقوا الهدي، أن يفسخوا الحج إلى عمرة، ويحلوا الحل كله، فإذا كان يوم الثامن أحرموا بالحج، وأراد بذلك أن يبطل عادة أهل الجاهلية، فقد كانوا يرون أن الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فاجتهد النبي ﷺ أن يجتث هذا الاعتقاد الجاهلي، وقام بنفسه ﷺ بالاعتمار في الأشهر الحرم، فوقعت جميع عمراته في شهر ذي القعدة، وأراد أن يفعل أصحابه ما فعل، فألح عليهم بذلك.
وفي خلافة أبي بكر وعمر اجتهدا اجتهادًا فصارا ينهيان الناس عن المتعة، والسبب أنهما خافا أن يُهجَر البيت؛ لأن من أتى البيت بعمرة وحجة، ربما قال في نفسه: لا حاجة أن آتي بعمرة في أشهر العام، فيهجر البيت، ولا تحصل العمرة في أشهر السنة، فكان من اجتهادهما ﵄ أن أمرا الناس أن يحجوا مفردين. ورأى ابن عباس ﵄ أن هذا اجتهاد في مقابل النص، وأن المتعة أفضل، بل واجبة، فلما قال له عروة بن الزبير: "ألا تتقي الله! ترخص في المتعة؟ " قال له ابن عباس: "سل أمك يا عرية"! تصغير عروة، تحقيرًا له، بسبب هذه المراجعة، فقال: "أما أبو بكر وعمر فلم يفعلاه" أي: كأنك خالفت سنتهما، فقال: "والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله ﷺ، وتحدثون عن أبي بكر وعمر، وفي لفظ آخر عنه أنه قال: "أُراهم سيهلكون، أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي ﷺ، ويقولون: نهى أبو بكر
_________________
(١) أخرجه البخاري في أبواب العمرة، باب عمرة التنعيم برقم (١٧٨٥) ومسلم في الحج، باب بيان وجوه الإحرام، برقم (١٢١٦).
[ ٢ / ٥٢٢ ]
وعمر" هذا لفظ الإمام أحمد، وقد حسنه ابن مفلح (^١).
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، إذ أنّ ابن عباس ﵄ رأى أن في اتباع ما ذهب إليه أبو بكر وعمر ﵄، اجتهادًا، وهما من العلماء الأمراء، بخلاف ما أمر به النبي ﷺ من الطاعة المحرمة، التي تستوجب العقوبة. فكيف بمن دونهما، ممن ليس أهلًا للاجتهاد.
فوائد الأثر:
١ - وجوب تقديم قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد.
٢ - أن مخالفة هدي النبي ﷺ في أقواله وأفعاله من أسباب العقوبة.
٣ - ذم التقليد لمن بلغه الدليل، فابن عباس لم ينكر على عروة إلا حين أخبره أن هذا هدي النبي ﷺ، فاحتج بكلام أبي بكر وعمر، فعظُم ذلك عليه، وأغلظ عليه في النكير.
ثم قال المصنف ﵀:
"وقال الإمام أحمد بن حنبل: عجبتُ لقوم" والتعجب نوعان:
الأول: أن يكون عن استحسان.
الثاني: أن يكون عن استنكار. وهذا من الاستنكار،
قوله: "عرفوا الإسناد وصحته" أي: وقوا على سند الحديث إلى رسول الله ﷺ وثبت عندهم أنه صحيح.
قوله: "ويذهبون إلى رأي سفيان" هو سفيان بن سعيد الثوري، أبو عبد الله، الكوفي، ثقة، حافظ، فقيه، حجة. مات سنة إحدى وستين ومائة ﵀، والرأي في مقابل النص فاسد الاعتبار. فتعجب الإمام أحمد ﵀ ممن بلغه الدليل بالسند الصحيح، المتصل إلى رسول الله ﷺ، ثم يأخذ برأي سفيان، أو غيره من العلماء.
_________________
(١) الآداب الشرعية والمنح المرعية (٢/ ٦٦).
[ ٢ / ٥٢٣ ]
قوله: "والله تعالى يقول" استدل ﵀ بالقرآن لبيان وجه العجب.
قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ لم يقل: "يخالفون أمره" مع أن (خالف) يتعدى بنفسه، لأنه ضمنه معنى: (أعرض) المتعدي بعن، والتضمين من صنوف البلاغة.
قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ الفتنة هنا: المحنة والعذاب والعقوبة. وقد بيّنها الطبري ﵀ بقوله: "يطبع على قلبه، فلا يأمن أن يظهر الكفر بلسانه، فتُضرب عنقه" (^١)، أي: أنه لا يأمن إذا رد قول الشارع أن يتمادى به الأمر، فيقع في كفر يظهر على فلتات لسانه، فيقتل به ردة. وقد فسرها الإمام أحمد، بعد ذكر الآية.
قوله: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
قوله: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك" هذا الأثر عن الإمام أحمد ﵀ ينطبق على جزء الترجمة؛ لأن الترجمة: "باب: من أطاع العلماء والأمراء" فيصدق في حق أبي بكر وعمر ﵄ وصف (الأمراء) ويصدق في حق سفيان ﵀ وصف (العلماء). وليس معنى ذلك: أن من صدر منه هذا الأمر المخالف للدليل أنه تعمد المخالفة، فإن أبا بكر وعمر ﵄ من الخلفاء الراشدين المهديين، لكنهما ليسا معصومين، وقد اجتهدا اجتهادًا ربما كان الأرجح خلافه، وربما صدر منهما من باب السياسة الشرعية، بحكم الإمارة والولاية. وسفيان ﵀ إمام مشهور، فهو إذا رأى رأيًا مخالفًا، صادرًا عن اجتهاد، فإنما يكون بسبب أنه لم يبلغه الدليل الصحيح، وله أجر واحد. لكن هذا لا يسوغ لمن بلغه الدليل الصحيح أن يأخذ بقوله. فهذان الأثران: أثر ابن عباس، وأثر الإمام أحمد، ليس فيهما تنقصًا للمذكورين، فإن ذلك صدر منهم عن اجتهاد، ونية صالحة.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من النكير على من قلد العلماء، وأعرض عن الدليل الصحيح.
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (١٩/ ٢٣١).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
فوائد الأثر:
١ - تحريم التقليد على من بلغه الدليل.
٢ - جواز التقليد لمن لا يعرف الدليل؛ لأن الإمام أحمد إنما عجب من حال من عرف الإسناد وصحته، فدل ذلك على أن من لم يعرف الإسناد وصحته، كالعامي، وأخذ برأي إمام معتبر، فلا تثريب عليه.
٣ - الرد على من قال: لا إنكار في مسائل الخلاف، والصواب أن يقال: لا إنكار على المجتهد، فالإنسان إذا اجتهد بأدوات الاجتهاد المعروفة، وأداه اجتهاده إلى نتيجة معينة، فلا ينكر عليه؛ لأنه قصد إصابة الحق، وطاعة الخالق سبحانه، فنحمده على اجتهاده، ولو كان مخالفًا للحق.
أما دعوى عدم الإنكار في مسائل الخلاف فليس صوابًا؛ لأنه ما من مسألة فرعية إلا وفيها خلاف، فكأنه بذلك يوصد باب الترجيح، وطلب الحق بدليله، وتسويغ تتبع الرخص. وما زال الأئمة الكبار المتبوعون يعظمون شأن الإتباع، وعدم التعصب، ومن أقوالهم في ذلك:
١ - قال الإمام أبو حنيفة ﵀: "إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا كان عن الصحابة اخترنا من قولهم، وإذا كان عن التابعين زاحمناهم" (^١) لأن الصحابة - رضوان الله عنهم- شهدوا التنزيل، وعلموا التأويل بفضل صحبتهم النبي ﷺ.
٢ - وقال الإمام مالك ﵀: "كلٌّ مأخوذ من قوله ومتروك، إلاَّ صاحب هذا القبر" (^٢)؛ أي: قبر النبي ﷺ؛ لأنه كان يقول ذلك في مسجد رسول الله ﷺ، ويشير إلى قبره.
٣ - وقال الإمام الشافعي ﵀: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس" (^٣). وقال أيضًا:
_________________
(١) الجامع الصغير - عبد الحي اللكنوي (ص: ٤٢).
(٢) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ٣٥٩).
(٣) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ٢٨٢) وهذا المعنى قرره في الرسالة بأكثر من لفظ، في مواضع متعددة.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
"إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط" (^١).
فهذه الأقوال لهؤلاء الأئمة ﵏ دليل صدقهم وإخلاصهم، وأنهم ما كانوا يريدون الاستكثار من الأتباع، بل همهم إصابة الحق. فمحبتهم والنصح لهم، ألا نتبعهم إلا على ما وافق هدي النبي ﷺ. وهذا المعنى ينبغي أن يرسخ في القلب والنفس، وأن نعلم مقتضى شهادة أن محمد رسول الله: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع. وهذا لا يقتضي الزهد في أقوال العلماء والفقهاء، كما يقع من بعض السفهاء، فإنه لشدة حملته على التعصب والجمود، ينتقل إلى الطرف المقابل، فيقع في النيل من أئمة المذاهب، وازدراء كتب المذاهب، والطعن في الفقهاء، وهذا مسلك باطل. فالعلماء ﵏ اجتهدوا في تقريب العلم، ووضعوا متونًا مختصرة، مما رأوا أنه موافق للدليل، وهم في ذلك مجتهدون. ولهذا كان الأئمة المحققون، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله- وغيرهما، ينسبون إلى مذهب الإمام أحمد، لكنهم يخالفون المذهب في مسائل كثيرة.
وبناء عليه، فلا ينافي الإتباع للنبي ﷺ أن يتفقه الإنسان على مذهب معتبر، بل ينبغي لطالب العلم أن يتفقه على أصول المذهب السائد في محلته ومنطقته؛ فإذا كان مثلًا في البلاد النجدية، تفقه على مذهب الإمام أحمد؛ لأنه السائد المعمول به، وإذا كان في بلاد المغرب، تفقه على مذهب مالك؛ لأنه السائد المعمول به في تلك الجهات، وإذا كان في بلاد الشام، أو الهند، تفقه على مذهب أبي حنيفة، لأنه السائد المعمول به، وإذا كان في بلاد مصر أو بعض بلاد المشرق؛ كماليزيا، وإندونيسيا، وأواسط آسيا، تفقه على مذهب الشافعي، لأنه السائد المعمول به. وليس من مقتضى التفقه على مذهب معين أن يصم الإنسان أذنيه، ويغمض عينيه، ولا ينطق إلا بما جرى به المذهب، بل عليه أن يتجرد للحق، فإذا تبيّن له الحق في خلاف مذهبه تبعه، وإلا وقع في التعصب المذموم؛ إذ لا يليق بطالب العلم أن يبلغه الدليل، ثم تأخذه حمية التعصب المذهبي فينتصر للمذهب، مع بدو الدليل على خلافه.
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ٢٨٢).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
فعلى المسلم أن ينعتق من أسر التعصب، وربقة التقليد، فإنه يضل صاحبه عن الحق، ولا يقول -كما قال أحدهم-: كل قول يخالف ما قاله الأصحاب فهو إما منسوخ أو مؤول! فصارت مرجعيته الأصحاب، لا الكتاب والسنة. وهذا ينقض شهادة: أن محمد رسول الله؛ فقد جعل كلام الأصحاب حاكمًا على كلام محمد ﷺ. فعلى المؤمن أن يوحد النبي ﷺ بالإتباع، كما يوحد الله بالعبادة، سواء بسواء.
وقد وقع في الأمة الإسلامية، من جراء التعصب المذهبي، ما يندى له الجبين، فبلغ الأمر بالمتعصبة أن يقول قائلهم: يجوز للحنفي أن يتزوج يهودية أو نصرانية ولا يجوز له أن يتزوج شافعية! ويقال: إن اثنين تنازعا في مسألة تحريك الإصبع في الصلاة، وكان أحدهما يرى التحريك، والآخر لا يرى ذلك، فلما قاما إلى الصلاة جعل أحدهما يحرك إصبعه بشدة، ليغيظ صاحبه، فلما سلم عمد إلى إصبعه فكسره!.
وعلى طالب العلم أن يجتهد في بيان الحق في مسائل الخلاف، فإن قُبل منه فذاك، وإن لم يُقبل منه فليحسن الظن بمخالفه، ويعتقد أنه هذا ما أدى إليه اجتهاده، إذا كان المخالف عنده أثارة من علم. أما إذا كان ﴿يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]، وإذا قيل له: قال الله ورسوله، كذا وكذا، أشاح بوجهه، وقال: ولو! فهذا يُعرض عنه، ولا يمارى، فإنه مفتون، كما قال الإمام أحمد: "لعله إذا رد بعض قوله يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيهلك". وقد كان السلف ينكرون أشد النكير على هؤلاء، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رجل: كم يكفيني من الوضوء؟ قال: مد، قال: كم يكفيني للغسل؟ قال: صاع، فقال الرجل: لا يكفيني، قال: لا أمَّ لك، قد كفى من هو خير منك، رسول الله ﷺ" (^١). ومنهم من هجر من رد شيئًا من كلام النبي ﷺ، كما جاء عن سعيد بن جبير، أن قريبًا لعبد الله بن مغفل خذف، قال: فنهاه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف، وقال: "إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكأ عدوًا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين" قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٦٢٨) وقال محققو المسند: "صحيح لغيره".
[ ٢ / ٥٢٧ ]
نهى عنه، ثم تخذف، لا أكلمك أبدًا" (^١)، وفي هذه الأزمنة بتنا نرى من يملأ أعمدة الصحف، والوسائط الالكترونية، في الطعن في كلام النبي ﷺ، ويرد ذلك، فإلى الله المشتكي. وقد أخبر النبي ﷺ عن هذا، فقال: "سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة" قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الرجل التافه في أمر العامة" (^٢)، فصرنا نرى الرجل التافه، الذي لا علم عنده، يتكلم في الأمور العامة، ذات الأثر الخطير، مما لا ينبغي الكلام فيها إلا لمرجعية علمية معتبرة.
ثم قال ﵀: "عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي ﷺ " عدي هو أحد أصحاب النبي ﷺ، وأبوه حاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الكرم، وكان عدي قد اعتنق النصرانية، وصار ركوسيًا، ثم فر من النبي ﷺ، وكانت له أخت عاقلة، فما زالت تراسله حتى أقنعته بأن يرجع إلى النبي ﷺ، ويعتنق الإسلام، فرجع إلى النبي ﷺ فدخل على النبي ﷺ، وكان عليه صليبٌ من ذهب، ففرح بمقدمه، وكان جالسًا على وسادة، فنزع الوسادة وألقاها له، فسمعه يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
قوله: "فقلت إنا لسنا نعبدهم" ظن أن اتخاذهم أربابًا، أن يخر راكعًا أو ساجدًا، للأحبار والرهبان، فنفى عبادتهم إياهم.
قوله: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " فقال: "بلى" "قال: "فتلك عبادتهم" " لأنهم أطاعوهم في تحليل ما حرم الله،
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدو، وكراهة الخذف برقم (١٩٥٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء برقم (٤٠٣٦) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وتحريم ما أحل الله. وهذا الحديث رواه ابن جرير (^١)، والبيهقي (^٢)، والطبراني (^٣)، وابن سعد (^٤)، وابن مردويه (^٥)، وحسنه شيخ الإسلام في كتاب الإيمان (^٦)، وبعضهم نقل تحسين الترمذي، لكن الصحيح أن عبارة الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه، إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وعطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث" (^٧). ولعل التحسين المنسوب إلى الترمذي وقع في بعض النسخ، وعمومًا فإن هذا الحديث له طرق يقوي بعضها بعضًا، وحسبك بتحسين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له.
واليهود والنصارى يعبثون بالشريعة، فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله:
- أما اليهود: فوقائعهم في هذا كثيرة، لكن أسلوبهم أسلوب الحيل، فإذا أرادوا أن يحللوا أو يحرموا، تحايلوا على شرع الله، ولم يغيروا اللفظ نصًا، لكن يتحايلون عليه بأنواع الحيل، ومن ذلك: ما أخبر عنه النبي ﷺ: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها -أي الميتة- جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" (^٨)، كما حرفوا حكم الرجم، وجعلوا مكانه التحميم -أي التسويد- والجلد (^٩). وقصة أصحاب السبت، في التحايل على صيد الحيتان، معلومة مشهورة. ولم يزل هذا المسلك الدنيء مصاحبًا لهم حتى يومنا هذا.
- وأما النصارى: فإنهم اتخذوا دينهم هزوًا ولعبًا، فكان أن أبطلوا
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (١٦٦٣٢).
(٢) سنن البيهقي الكبرى برقم (٢٠١٣٧).
(٣) المعجم الكبير - الطبراني برقم (١٣٦٧٣).
(٤) الطبقات الكبير لابن سعد (٦/ ٢١٧).
(٥) كذا قال في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٧/ ٣٢٤) ولعله أخرجه ابن مردويه في تفسيره.
(٦) ضمن مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧).
(٧) سنن الترمذي ت شاكر (٥/ ٢٧٨) (٣٠٩٥).
(٨) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام برقم (٢٢٣٦) ومسلم في المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام برقم (١٥٨١).
(٩) أخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى برقم (١٧٠٠).
[ ٢ / ٥٢٩ ]
"الناموس" وهو شريعة موسى، حينما دخل في دينهم رجل يقال له: بولس، يسمونه القديس (بولس) فزعم أن من آمن بالمسيح إلهًا مخلصًا، فإنه يتبرر، أي: يصبح بارًا، ويسقط عنه الناموس، ولا تلزمه شريعة. فكلما أرادوا أن يغيروا في دينهم، وشرعهم، عقدوا ما يسمونه بالمجمع المسكوني، وهو مجمع يتنادون له، ويجمعون فيه جميع أساقفة الأرض المسكونة، ويزعمون أن روح القدس يهديهم، ويرشدهم، ويصوب ما يصدر عن ذلك المجمع من قرارات، فتكتسب صفة العصمة. فهذا معنى قول النبي ﷺ: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فتلك عبادتهم".
قوله: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أي: جعلوا، والضمير يرجع إلى اليهود والنصارى معًا.
قوله: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار: علماء اليهود، والرهبان: عباد النصارى.
قوله: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ووجه اتخاذهم إياهم أربابًا، كونهم أعطوهم حق الحكم والتشريع، والحكم من خصائص الله، كما قال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وكذلك التشريع، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. فهم صرفوا ذلك لغير الله، فنازعوا الله تعالى في الربوبية، فهذا شرك في الربوبية، ثم إن طاعتهم إياهم في ذلك شرك في الألوهية، فأخلوا بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية معًا.
مناسبة الحديث للباب:
مطابق للترجمة، لما تضمنه من إنكار النبي ﷺ طاعة العلماء في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله.
فوائد الحديث:
١ - أنّ طاعة العلماء والأمراء في التحليل والتحريم، بخلاف ما شرع الله، بمنزلة عبادتهم.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
٣ - أن من أنواع الشرك: شرك الطاعة.
٤ - الرفق في تعليم الجاهل؛ فإن عدي ﵁ لما استدرك، وقال: "إنا لسنا نعبدهم" لم يعنف عليه النبي ﷺ، بل علم أن عنده شبهة فكشفها، وراعى حداثة عهده بالإسلام، وأجابه جوابًا حكيمًا، مقنعًا، رفيقًا، لينًا.
٥ - أن العبادة معناها واسع، وأنها لا تختص بالشعائر: من صلاة وصيام وزكاة وحج، وإنها تشمل الطاعة عمومًا؛ لقوله ﷺ: "فتلك عبادتهم".
٦ - ذم التقليد الأعمى، والتعصب.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور.
وقد تقدم معناها، والشاهد منها: الوعيد على من ترك قوله ﷺ وخالف أمره.
الثانية: تفسير آية براءة.
والشاهد منها: أن طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم فيما يخالف الشرع، عبادة لهم.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
وهي عبادة الطاعة، فلم يكن يعلم أنّ الطاعة في التحليل والتحريم عبادة، فأخبره النبي ﷺ أنها تدخل في ذلك.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
فتمثيل ابن عباس ينطبق على الأمراء، وتمثيل أحمد بسفيان ينطبق على العلماء.
[ ٢ / ٥٣١ ]
الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتُسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
هذا من عميق فقه المصنف ﵀، وإدراكه للواقع في زمانه: وأن هذا الأمر تمادى بالناس حتى صار كثير من عامة المسلمين يعظم الخرافيين من أرباب الطرق الصوفية ويسيدونهم، ويسمونها (ولاية)، وصار طائفة من المسلمين يقعون في التعصب المذهبي، فيقدمون أقوال الرجال، على قول الله، وقول رسوله ﷺ، ويسمونه (تمذهب). فمثل هذه الشائبة قد وقعت في هذه الأمة، وهو مصداق قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" برقم (٧٣٢٠) ومسلم في كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى برقم (٢٦٦٩).
[ ٢ / ٥٣٢ ]