وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١].
قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم" (^١).
وفى صحيح مسلم: عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (^٢).
ولهما: عن ابن مسعود مرفوعًا: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (^٣).
وعن أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة" (^٤).
وقال النبي ﷺ: "إنّ عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (^٥). حسنة الترمذي.
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٢٣/ ٤٢١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة على الميت برقم (٦٧).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ليس منا من شق الجيوب برقم (١٢٩٤) ومسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب … برقم (١٠٣).
(٤) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء برقم (٢٣٩٦) وقال الألباني: "حسن صحيح".
(٥) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء برقم (٢٣٩٦) وابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء برقم (٤٠٣١) وقال الألباني: "حسن".
[ ٢ / ٤٨٨ ]
الشرح:
قوله: "من الإيمان": أي من خصال الإيمان.
و"الصبر" لغة: الحبس، والكف، والمنع. واصطلاحًا: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية.
و"أقدار الله" ما قضله الله في الزل من الأمور المؤلمة المكروهة.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لكون الصبر شعبة من شعب الإيمان الواجب.
منزلة الصبر وفضله:
كثر ذكر الصبر في كتاب الله ﷿، وثناء الله تعالى على الصابرين، في نحو من خمس وخمسين موضعًا، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فمقام الصبر واجب، وفضله عظيم.
وفي سنة رسول الله ﷺ: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة؛ في نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" (^١). ويروى عن علي- ﵁ أنه قال: (ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس باد الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له) (^٢). والأحاديث والآثار في الصبر كثيرة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء برقم (٢٣٩٩) وقال الألباني: "حسن صحيح".
(٢) (انظر: الصبر والثواب عليه، لابن أبي الدنيا: ص: ٢٤
[ ٢ / ٤٨٩ ]
وكم من الناس من يبلغ المراتب العلى، لا بصلاته، ولا بصيامه، ولا بقيامه، ولا بصدقته، لكن يقيض الله تعالى عليه مصيبة دنيوية في بدنه، أو نفسه، أو أهله، أو ماله، فيرفعه الله به أعلى الدرجات. والذي ينبغي للإنسان أن يسأل الله العافية، لكن إذا ابتلي فليصبر؛ ولهذا وجه النبي ﷺ أصحابه لما حالت الشمس بينهم وبين أن يقاتلوا عدوهم، فقالوا: يا رسول الله وددنا أنا لو لقينا عدونا، فقال رسول الله ﷺ: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا" (^١). فالإنسان لا يدري ما حاله إذا وقعت عليه المصيبة، فربما آل حاله إلى الجزع والسخط، فإن الإنسان محل القصور والتقصير، فعليه أن يسأل الله العافية، فإذا أجرى الله عليه شيئًا من قدره، فليستمسك بما قاله النبي ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له" (^٢).
وما يقع على العبد من مصائب دنيوية، تارة تكون تكفيرًا للسيئات، وتارة تكون رفعةً للدرجات، وتارة تكون ابتلاء؛ يستخرج الله تعالى بها أنواع العبوديات من خبيئة قلبه، فلا يظننّ ظان بالله إلا خيرًا. قال الله ﷿: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] يظن بعض الناس إذا رأى أنّ الله ﷾ أنعم عليه بالصحة، والمال، والغنى، أنه كريم على الله! ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ويظن بعض من الناس أن تضييق الرزق، واعتلال الصحة ونحو ذلك علامة شؤم، وهوان على الله! فعقّب الله في الحالتين بقوله: ﴿كَلَّا﴾ أي: ليس الأمر كما تظنون، فليس عطاؤنا دليل كرامة، وليس منعنا دليل هوان، وإنما دليل الكرامة والمهانة ما يكون من العبد؛ فإن هو قابل الضراء بالصبر، وقابل السراء بالشكر، فهو الكريم على الله، وإن هو قابل الضراء بالجزع، وقابل السراء بالأشر والبطر، فهو الهين على الله. هذا هو المعيار الحقيقي؛ ولهذا تنبّه له نبي الله سليمان لما رأى عرش
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس برقم (٢٩٦٦) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء برقم (١٧٤٢).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير برقم (٢٩٩٩).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
ملكة سبأ مستقرًا عنده، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]، خلافًا لقارون الذي أوتي من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوءُ بالعصبة أولي القوة، فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].
قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ الإيمان لغة، عند كثير من المتأخرين: التصديق، كما قال الله ﷿ عن أخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، إلا إنّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى أنه تصديق خاص (^١)، تصديق مصحوب بالأمن، ففيه معنى الائتمان؛ ولذلك يتضمن معنى الإقرار، والقبول، والرضا، والانقياد.
وأما تعريف الإيمان اصطلاحًا: فهو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.
وهذه جملة شرطية، ومعنى ﴿يؤمن بالله﴾ أي: يعتقد بأن هذه المصيبة التي نزلت به، إنما هي بقدر الله، فيصبر. وجواب الشرط: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي: يهدي قلب هذا الصابر على هذه المصيبة، وهذه آية عظيمة، وجملة منيرة لكل مؤمن، بأن الصبر النابع من الإيمان، سبب لهداية القلب. فالإيمان هنا هو الإيمان بالقدر، المستلزم للصبر على أقدار الله المؤلمة، فمن علم أن هذا الذي جرى عليه إنما وقع بعلم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه، فرضي بالله ربًا ومدبرًا؛ أورثه ذلك هداية يجدها في قلبه؛ ولهذا قال الله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١].
"قال علقمة" هو علقمة بن قيس بن عبد الله، من أفاضل أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، ولد في حياة النبي ﷺ، لكنه لم يلقه، ويعد من كبار التابعين، وعلمائهم وفقهائهم، كانت وفاته بعد الستين، ﵀.
قوله: "هو الرجل" ليس المقصود أنه رجل دون امرأة، وإنما خرج مخرج التغليب.
قوله: "تصيبه المصيبة" أي: يقع عليه من قدر الله تعالى ما يؤلمه؛ من موت قريب، أو فوات مال، أو حصول آفة ومرض، أو غير ذلك، مما يجريه الله تعالى على عباده.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٤٩١ ]
قوله: "فيعلم أنها من عند الله" أي: يستيقن أنها جرت بتقدير الله السابق، وحكمته البالغة. قوله: "فيرضى ويسلم" ولا يعترض وينقم، فيورثه ذلك هداية في قلبه.
مناسبة الآية للباب:
مطابقة للترجمة، لما تضمنته من الرضا بالله ربًا، ومدبرًا، والصبر على أقداره.
فوائد الآية:
١ - فضيلة الصبر.
٢ - أنّ الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ لأن الصبر عمل قلبي؛ لما يحصل في القلب من المجاهدات، والإرادات الإيمانية، فهو ليس تصديقًا فقط، ولكنه عمل.
٣ - بيان ثمرة الصبر، وهي هداية القلب، فالصبر النابع من الإيمان لا يورث مرارة، ولكنه يورث هداية، ولهذا قال النبي ﷺ: "وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (^١)، فالصبر يُورث في القلب إيمانًا، ورضًا، وتسليمًا، وقوة. وقد قيل:
والصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته … ** لكن عواقبه أحلى من العسل
قوله: "وفى صحيح مسلم: عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر" أي: أن هاتين الخصلتين كفر قائم بالناس، وليس الكفر الأكبر المخرج عن الملة، وإنما أراد الكفر الأصغر، لأن هاتين الخصلتين من خصال الجاهلية:
الأولى: "الطعن في النسب" أي: عيبه وتنقصه، وهذا يقع كثيرًا في الناس، فيلمز بعضهم بعضًا، وينبز بعضهم بعضًا بأنسابهم وأصولهم، مع أن الأحساب والأنساب لا تغني عنهم عند الله شيئًا، كما قال تعالى: ﴿﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة برقم (١٤٦٩) ومسلم في الزكاة، باب فضل التعفف والصبر برقم (١٠٥٣).
[ ٢ / ٤٩٢ ]
إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال النبي ﷺ: "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (^١).
الثانية: "النياحة على الميت" المراد بالنياحة: رفع الصوت بالندب على الميت، وذكر محاسنه، وما يصاحب ذلك، مما يدل على التسخط على القدر، وأما مجرد البكاء، ودمع العين، فهذا انفعال طبيعي، ليس مذمومًا، يقع من بني آدم؛ ولهذا حصل للنبي ﷺ مثله، حينما مات ابنه إبراهيم.
ولا تزال النياحة في الناس، بسبب المصائب التي يجريها الله على عباده، وهي من كبائر الإثم، وقد تقدم في الحديث: "النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ" (^٢). والناس تُجاه المصائب، على مراتب:
١ - السخط: وهذه أدنى المراتب، فيسخط قلبه، وتجزع نفسه، ويسيء الظن بربه، ويدعو بالويل والثبور،، ويشق جيبه، ويلطم خده، وهذا لا شك محرم، وربما بلغ مبلغ الكفر، كما لو أنه أساء الظن بالله ﷿، واتهمه في قضائه.
٢ - مرتبة الصبر: وذلك بحبس النفس عن الجزع، وسوء الظن بالله، وحبس اللسان عن التشكي والسخط، كأن يقول: يا ويلاه! يا ثبوراه! ونحو ذلك، وحبس الجوارح عن الضرب، واللطم، والشق، ونحو ذلك من أفعال الجاهلية، فإذا سلم من هذه الأشياء، وكظم ما يجد، فقد أدى الواجب، ونال ثواب الصابرين.
٣ - مرتبة الرضا: وذلك أن يبلغ العبد المبتلى درجة يستوي عنده الأمران؛ لقوة يقينه بالله، وتسليمه بقضائه، فهذه مرتبة قد قال بعض أهل العلم: إنها واجبة، وممن قال بذلك أبو الوفاء ابن عقيل ﵀ (^٣)، ولكن القول الصحيح
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر برقم (٢٦٩٩).
(٢) (أخرجه مسلم في باب التشديد في النياحة، يرقم (٩٣٤)
(٣) الآداب الشرعية والمنح المرعية (١/ ٣).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الذي رجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وتلميذه ابن القيم (^٢): أن الرضا مستحب، وليس بواجب، وإنما الواجب هو الصبر.
٤ - مرتبة الشكر: وهذا مقام رفيع يقع لبعض المؤمنين، فتسمو نفوسهم أحيانًا مع المصائب، وتشعر بالغبطة لما وقع عليها! كأنهم رأوا أنّ الله ﷾ أراد بهم خيرًا من تكفير السيئات، ورفعة الدرجات، فنظروا إلى المصيبة بعين القدر، فأحدث لهم ذلك سرورًا وبهجة، وهذا عجيب فعلًا، ولا يصل إليه إلا الكُمَّل من الصالحين.
وهذه المراتب -باستثناء مرتبة السخط- ربما تنتاب المؤمن في المصيبة الواحدة، فأحيانًا يعصف بقلبه ما يفزع فيه إلى الصبر والتجلد، وقد يستروح فيجد حالًا من الرضا، واستواء الأمرين، ثم يتسامى فتهب عليه نسائم الشكر والاغتباط بما أجرى الله تعالى عليه. فربما أطاف بالقلب جميع هذه الأحوال الثلاثة، وهو لأيها غلب. والمهم ألا ينزل عن درجة الصبر.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من تحريم النياحة، المنافية للصبر، ووصفها بأنها من خصال الكفر.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الطعن في النسب، فالناس مؤتمنون على أنسابهم.
٢ - تحريم النياحة على الميت.
٣ - وجوب الصبر على أقدار الله المؤلمة.
٤ - أن الكفر كفران: كفر أكبر، ناقل عن الملة، وكفر أصغر، لا ينقل عن الملة.
قوله: "ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا: للشيخين؛ البخاري ومسلم. وعبر بالرفع لعلو منزلته ﷺ
_________________
(١) الزهد والورع والعبادة (ص: ١١٥).
(٢) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ١٦٩).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
قوله: "ليس منا" " هذا التبرؤ من أساليب الوعيد، ويدل على أن الفعل كبيرة.
قوله: "من ضرب الخدود، وشق الجيوب" جمع جيب: هو مدخل الرأس من القميص.
قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية" وهي الندب، والنياحة، كقولهم: واثبوراه، واعمراه، واجبلاه، يا ويلاه، ونحوها، أو ما يقابلها من ألفاظ عند الناس في مختلف المجتمعات، على اختلاف اللغات. على سبيل السخط والجزع، وهذه أفعال أهل الجاهلية، ولا شك أن هذا سفه؛ لأن هذا لا يرفع عنه مصيبة، بل يزيده ألمًا، فلهذا برأ النبي ﷺ أهل الإسلام منها.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من البراءة من السخط على أقدار الله المؤلمة، بالقول والفعل، لمنافاتها للصبر.
فوائد الحديث:
١ - تحريم السخط بالقول أو الفعل، وأنه من الكبائر؛ لقوله: "ليس منا".
٢ - وجوب الصبر.
٣ - تحريم مشابهة أهل الجاهلية. وهذا ملحظ مهم، فإن الشارع الحكيم لم يزل يميز بين أهل الإسلام، وأهل الشرك، فيجب على أهل الإسلام أن يشعروا أن الله ﷾ ميزهم بميزة لا يدانيهم فيها أمة ولا ملة. فمن السفه أن نجد بعض المسلمين يجري خلف العادات الغربية، والشرقية، ويحاكي اليهود والنصارى والذين لا يعلمون؛ في عقائدهم، وأخلاقهم وعاداتهم، وأعيادهم، ومناسباتهم، وملابسهم، وأشكالهم! هذا نقص في الدين، ونقص في العقل وضعف في الشخصية،. أما نقصه في الدين فظاهر، حيث أنّ الله ﷿ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فوصفنا بالخيرية، ووضعنا في موضع الريادة، والسيادة، والقيادة، فكيف ننزل عن هذه الرتبة، ونخالف أمر الله، وأمر نبيه ﷺ. وأما نقصه في العقل: فلأنه لا يليق بالإنسان الكامل، أن يكون
[ ٢ / ٤٩٥ ]
ذيلًا وتبعًا للناقص. فصار التشبه مخالفًا للنص، كما في قول النبي ﷺ: "من تشبه بقوم فهو منهم" (^١)، ومخالفًا للعقل، لما في ذلك من انحطاط عن الرتبة العليا إلى رتبة دنيا. فلنتنبه لهذه الممارسات التي فشت في مجتمعاتنا من أنواع الملابس، والكلمات، والعادات التي يصعب حصرها، لكنها تسللت إلينا من الشرق والغرب، فلا يليق بنا أن نكون رجع الصدى، ولا أن يكون أحدنا إمعة إذا قال الناس شيئًا قاله، وإنما عليه أن يفرز، ويفحص، ويميز بين الواردات.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة" " هذا الحديث: رواه الترمذي (^٢)، وابن عدي (^٣)، والبيهقي (^٤)، وهو صحيح لغيره، والحديث الصحيح لغيره عند أهل المصطلح هو الحديث الحسن إذا تعددت طرقه.
قوله: "إذا أراد الله بعبده الخير" قد يريد الله بعبده الخير، وقد يريد به الشر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] ويقول النبي ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (^٥).
قوله: "عجّل له العقوبة في الدنيا" هذه إحدى علامات إرادة الخير بالعبد، ومعنى ذلك: أنه ينزل به من المصائب بسبب ما صدر منه من ذنوب، لتطهره، وتكفر عنه، فإن المصيبة تكفر الذنب، وتحته حتًا.
_________________
(١) أخرجه أبي داود في كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة برقم (٤٠٣١) وقال الألباني: "حسن صحيح".
(٢) سبق تخريجه.
(٣) الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين وعلل الحديث لابن عدي (٤/ ٣٩٣).
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٨١٧).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين برقم (٧١) ومسلم في الزكاة، باب النهي عن المسألة برقم (١٠٣٧).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
قوله: "وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه" أي: أخّر عنه العقوبة، لا رحمة له، أو لطفًا به، ولكن استدراجًا، وإمهالًا، كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]
قوله: "حتى يوافي به يوم القيامة" أي: يحمل وزره يوم القيامة،، فيعذبه الله تعالى به في الآخرة. ولا شك أنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، كما قال النبي ﷺ للملاعنة حيث وعظها: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (^١).
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من الحث على الصبر على المصائب.
فوائد الحديث:
١ - بيان علامة من علامات إرادة الله بعبده الخير، أو الشر.
٢ - الخوف من الاستدراج بالصحة والغنى.
٣ - إحسان الظن بالله ﷿، فإذا وقع على العبد مصيبة فليقل في نفسه: أراد الله بي خيرًا، أراد أن يطهرني في الدنيا قبل الآخرة، حتى لا أوافى بذنبي يوم القيامة.
٤ - وجوب الصبر على المصائب.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن أنس ﵁ أيضًا إنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ عِظَم الجزاء من عظم البلاء" " هذا حديث صحيح، رواه الترمذي، وحسنه، وابن ماجهكما تقدم.
قوله: "عِظَم" بكسر العين، وفتح الظاء، مصدر. والمراد: أنّ من كان بلاؤه أعظم، فجزاؤه أعظم، فإن الجزاء من جنس العمل وبقدره، وقد سُئل نبينا ﷺ: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل برقم (١٤٩٣).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقةً ابتلي على حسب دينه" (^١). فليس البلاء دليل هوان، بل كونه دليل كرامة أقرب، لكن بشرط أن يقابله الإنسان بالصبر والاحتساب، فإن صبر فليبشر بما أعد الله له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
قوله: "وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم" هذه علامة على حب الله لبعض عباده.
قوله: "فمن رضي فله الرضا" أي: من رضي بقضاء الله تعالى وقدره بهذا البلاء، ولم يتسخط، فله الرضا من الله ﷿، جزاء له على رضاه على مقدوره.
قوله: "ومن سخط" أي: امتعض، وتبرم، ونفر، وأنكر هذا البلاء الذي قدره الله تعالى عليه. قوله: "فله السخط" أي: من الله ﷿، فيسخط الله عليه مقابل سخطه على قدره. والسخط صفة من صفات الله ﷿، قال تعالى: ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]، كما أن الرضا صفة من صفاته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]. فيجب على العبد أن يعتصم بربه ﷿، وأن يهيئ نفسه، ويعدها لتلقي أقدار الله، بالصبر، واليقين، والرضا، مع سؤاله العافية في جميع الأمور. وألا يغفل عن الله ﷿، فإنه من عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة، كما في الحديث: "تعرف إليه في الرخاء، يعرفك في الشدة" (^٢)، وقال ﷺ: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" (^٣).
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن فيه من وجوب الرضا بقدر الله، المتضمن للصبر على البلاء.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء برقم (٤٠٢٣) والترمذي ت شاكر في أبواب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء برقم (٢٣٩٨) وقال الألباني: "حسن صحيح".
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٨٠٣) وقال محققو المسند: "حديث صحيح".
(٣) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع برقم (٢٥١٦) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
فوائد الحديث:
١ - بيان علامة محبة الله لعباده، وهي الابتلاء.
٢ - إثبات جملة من الصفات لله تعالى: المحبة لقوله: "أن الله إذا أحب"، والرضا؛ لقوله: "فله الرضا" والسخط لقوله: "فله السخط". وكلها صفات فعلية، تثبت لله ﷿ على ما يليق بجلاله، وليس في إثباتها أدنى مماثلة لصفات المخلوقين، فإن الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
٣ - بيان حكمة الله تعالى، فالله تعالى حكيم فيما يقدر، فلا يقدر الأمور لمحض المشيئة، كما يقول الأشاعرة، بل لمشيئته وحكمته معًا، سبحانه.
٤ - أن الجزاء من جنس العمل.
٥ - فيه معنى قول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
٦ - وجوب الصبر على قضاء الله وقدره.
٧ - وجوب إحسان الظن بالله تعالى.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن.
وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وتفسيرها: أن من أصابته مصيبة فعلم أنها من عند الله، فرضي وسلم، هدى الله قلبه.
الثانية: أن هذا من الإيمان بالله.
لقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ فسمى الصبر إيمانًا.
الثالثة: الطعن في النسب.
مراد المصنف ﵀ التحذير من الطعن في النسب، لوصفه بالكفر.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية.
لقوله: "ليس منا" فهذا التعبير يدل على البراءة من فاعله، وأنها من جملة الكبائر.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير.
وهي تعجيل العقوبة له في الدنيا.
السادسة: إرادة الله به الشر.
وهي الإمساك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة.
السابعة: علامة حب الله للعبد.
وهي الابتلاء؛ لقوله: "إذا أحب الله قومًا ابتلاهم".
الثامنة: تحريم السخط.
لقوله: "ومن سخط فله السخط".
التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء.
لقوله: "إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء" ولقوله: "فمن رضي فله الرضا".
[ ٢ / ٥٠٠ ]