وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة يونس: ١٠٦ - ١٠٧].
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ١٧].
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف: ٥ - ٦].
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره" هذه الترجمة مركبة من قضيتين كلاهما من صور الشرك: أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره.
والاستغاثة: طلب الغوث، كما أن الاستعاذة: طلب العوذ، والاستعانة: طلب العون. والدعاء: هو مطلق الطلب، فالدعاء أعم من الاستغاثة، فيشمل الاستغاثة، والاستعانة، وسائر أنواع المطالب. والفرق بينه وبين خصوص الاستغاثة أن الاستغاثة لا تكون إلا مع كرب، فإنما يستغيث المكروب، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣، ٦٤] فتلك استغاثة.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فعطف الدعاء على الاستغاثة في الترجمة، من باب عطف العام على الخاص. وهناك عطف الخاص على العام، كقولك: جاء الطلبة ومحمد، وإذا قلت: جاء محمد والطلبة، فهذا من عطف العام على الخاص؛ لأن محمدًا أحدهم.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن الاستغاثة بغير الله، ودعاء غير الله من الشرك المنافي للتوحيد، فبيان ذلك من تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، كما وعد المصنف.
وهذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب؛ لتعلقه بمسألة عظيمة، هي لب التوحيد: ألا وهي الدعاء، فإن الدعاء كما جاء في الحديث الصحيح: "الدعاء هو العبادة" (^١)؛ فالدعاء عنوان العبودية، وهو حقيقة التوحيد؛ ولهذا قال ربنا -سبحانه وبحمده-: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] ولم يقل: إن الذين يستكبرون عن دعائي، فدل ذلك على أن الدعاء هو العبادة، بل هو لب العبادة، وفي الحديث أيضًا: "الدعاء مخ العبادة" (^٢)، لكن هذا الحديث فيه مقال، والأحاديث والآيات في هذا كثيرة.
ودعاء الله تعالى نوعان:
الأول: دعاء العبادة: وهو مناجاة الله ﷾ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، والثناء بها عليه، كأن يقول القائل: "اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض، ومن فيهن، ولك الحمد أنت فاطر السماوات والأرض ومن فيهن، اللهم لك الحمد أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد" فيتملق ربه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، ويثني عليه بما هو أهله، وإن لم يطلب شيئًا، وإنما تعبد الله بذكره، وبما يليق به من صفات الكمال، ونعوت الجلال، مما علمنا إياه، وعلمنا نبيه ﷺ.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء برقم (٣٨٢٨)، وأبو داود في باب تفريع أبواب الوتر، باب الدعاء برقم (١٤٧٩)، والترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة برقم (٢٩٦٩) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الدعوات برقم (٣٣٧١) وضعفه الألباني.
[ ١ / ٢٢١ ]
الثاني: دعاء المسألة: وهو الغالب عند الناس، وهو أن يسأل العبد حاجة من ربه من جلب مصلحة، أو دفع مضرة، فيقول: اللهم ارزقني، وعافني، واشفني، وانصرني، وأجبرني، ونحو ذلك، واللائق بهذا النوع من الدعاء: أن ينتخب الداعي الاسم المناسب لمسألته فيدعو به، فيقول: يا رزاق ارزقني، ويا جبار أجبرني، وهكذا، فيأتي بالاسم المناسب، للطلب.
والعلاقة بين النوعين (دعاء العبادة، ودعاء المسألة): أن دعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة، ودعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، فمن أقر لله بالعبادة، فلازم ذلك أن يفرده بالمسألة؛ قال إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩] لأنه لما وحّد الله بالعبادة وحّده بالدعاء: أن يهب له، فوهب له إسحاق ويعقوب، ودعاء المسألة متضمنٌ لدعاء العبادة؛ لأنه لو لم يكن معتقدًا بأن الله هو القادر على إجابة الدعوات، وكشف الكربات، لما دعاه.
والدعاء عبادة عظيمة، كما جاء في الحديث: "ليس شيئًا أكرم على الله من الدعاء" (^١)، وفي الحديث أيضًا: "إنه من لم يسأل الله يغضب عليه" (^٢)، وقد قال الناظم في ذلك:
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَبُنَيُّ آدَمَ حِيْنَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ (^٣).
فالآدمي إذا طلبت منه شيئًا مرة ومرتين، تبرم، وتضايق، وقال: أزعجتنا، وأقلقتنا، وأما الرب -سبحانه وبحمده- فإنه إذا لم يدعه العبد غضب عليه، كما في الحديث السابق.
وليعلم: أن أي دعوة لا ترد، فقد جاء في الحديث: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم،
_________________
(١) أخرجه مسند أحمد ط الرسالة برقم (٨٧٤٨) وقال محققو المسند: "إسناده قابل للتحسين من أجل عمران -وهو ابن داور القطان-، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح".
(٢) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الدعوات برقم (٣٣٧٣) وحسنه الألباني.
(٣) البيت مما نشده الأصمعي في الدر الفريد وبيت القصيد (٢/ ٤٣).
[ ١ / ٢٢٢ ]
أو قطيعة رحم" فقال رجل من القوم: إذا نكثر، قال: "الله أكثر" (^١)، فلا يدع الدعاء استبطاءً للإجابة. وقد جاء في الحديث: "يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" (^٢)، وما أكثر ما تسمع من يقول: لي سبع سنين وأنا أدعو الله ﷿، ولم تحصل الإجابة، فينبغي أن يعلم أن الله ﷾ سميع الدعاء، لكنه قد يُؤخر الإجابة لحكمة، ولمصلحة الداعي، فليحسن الظن بربه.
والصلاة، وأوراد الصباح والمساء والنوم، متضمنة لأدعية حسنة جميلة،، لكن ينبغي للعبد المؤمن أن يخصص في يومه أوقاتًا يقبل على الله ﷾ بكليته، ويدعوه، ويعود نفسه على أن يكون الدعاء وظيفةً يومية له؛ فإن الخير عادة. وكم من دعوة كتب الله بها للعبد سعادة الدارين. وعلى العبد أيضًا أن يتحرى مواطن الإجابة، فإن لإجابة الدعاء أسبابًا، بعضها زمانية، وبعضها مكانية، وبعضها تتعلق بالهيئات:
فمن مواطن إجابة الدعاء الزمانية: ثلث الليل الآخر، فقد جاء في الحديث: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني، فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (^٣)، فأين نحن من هذه العروض المغرية؟ لو وُضع للناس تخفيضات على بعض السلع والبضائع، لرأيتهم يذهبون زرافات ووحدانًا؛ لينالوا لعاعة من الدنيا، ولو آخر الليل! وربنا كل ليلة يقول: "من يدعوني، فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له".
ومن ذلك أيضًا: ساعة الجمعة، كما جاء في الحديث: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئًا، إلا أعطاه إياه" (^٤)، وقد
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الدعوات، باب في انتظار الفرج وغير ذلك برقم (٣٥٧٣) وقال الألباني: "حسن صحيح".
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل برقم (٦٣٤٠) ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل … برقم (٢٧٣٥).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التهجد، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل برقم (١١٤٥) ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل برقم (٧٥٨).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة برقم (٩٣٥) ومسلم في الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة برقم (٨٥٢).
[ ١ / ٢٢٣ ]
قيل: إنها من دخول الخطيب يوم الجمعة إلى انقضاء الصلاة، وهذا أرجح القولين. وقيل: إنها آخر ساعة بعد العصر، ومن جمع بينهما فقد أصاب خيرًا -إن شاء الله-. ومن المواطن التي يستحب فيها الدعاء: أن يكون الإنسان في بيت الله الحرام، قريبًا من الكعبة المشرفة.
ومن الأحوال الشريفة التي ترجى فيها الإجابة: حال السجود، فإنه أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد؛ ولذا قال نبينا ﷺ: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" (^١)، ومعنى: قمن: حري.
وينبغي للداعي أن يتأدب بما أمره الله تعالى به، قال ربنا ﷿: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦] فمن أتقن فن الدعاء، واطّرح بين يدي مولاه، وخضع له، وشعر بعبوديته له سبحانه، فإن الله ﷾ قريب منه، يجيب دعاءه، كما قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] ولذا قال عمر ﵁: "إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء، علمت أن الإجابة معه" (^٢).
وقد ساق المصنف ﵀ في هذا الباب من الأدلة البينات ما يقطع ويمحق دابر المشركين، الذين يدعون غير الله تعالى. فأجلى صور الشرك وأبينها: دعاء غير الله، وهو الذي وقع فيه عامة بني آدم، فإذا طلبوا شيئًا نادوا ملكًا، أو جنيًا، أو ميتًا، أو غائبًا، أو غير ذلك، وانصرفوا عن الله ﷿، وهم بذلك يصرفون أشرف أنواع العبادة لغير الله.
قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الخطاب موجه للنبي ﷺ وهو نهي له وللأمة من بعده.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود برقم (٤٧٩).
(٢) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٣/ ١٠٣).
[ ١ / ٢٢٤ ]
قوله: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ في هذا إشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يدعو غير الله في جلب منفعة، أو دفع مضرة؛ لأن الإنسان إنما يدعو إما لتحصيل مطلوب، أو لدفع مرهوب، فلأجل هذا نص الله ﷾ على هاتين القضيتين. وقد تضمن ذلك نفي التعلق بغير الله تعالى؛ لأن المدعو إذا كان لا يملك النفع والضر، فلا قيمة لدعائه، ولا فائدة فيه، ولا معول عليه، فما لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن تركته، فوجوده وعدمه سواء، فليس من الشرع ولا من العقل دعاء غير الله ﷿.
قوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ من باب ضرب الاحتمالات، وإلا فحاشا نبينا ﷺ أن يقع منه ذلك. قوله: ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: الظلم الأكبر. فهذه الآية العظيمة تنبيه للنبي ﷺ، ولمن بعده من أمته، وللناس جميعًا إلى وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء، وأن من دعا غير الله ﷿ في جلب منفعة، أو دفع مضرة، فقد وقع في الشرك الأعظم الذي لا يغفره الله.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لتضمنها النهي عن دعاء غير الله؛ أو الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ وذلك من الشرك الأكبر.
فوائد الآية:
١ - أن دعاء غير الله شرك أكبر.
٢ - سلب القدرة على النفع والضر، عن كل مدعوٍّ سوى الله ﷿.
قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (إن): شرطية، فينبغي أن تكون النكرة في سياقها دالة على العموم، فقوله ﴿بِضُرٍّ﴾ يعني: أي ضر ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، وما أعظم وقع هذه الآية على نفوس المبتلين! فمن ابتلي بضراء، ثم قرعت سمعه وحَّد الوجهة، فتوجه إلى الله وحده، وعلم أن كل أحد سوى الله، لا يملك أن يكشف عنه الضر.
قوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ إذا قضى لك الخير، أيَّا كان،
[ ١ / ٢٢٥ ]
فلا يمكن لأحد كائنًا من كان أن يحول بينك وبينه، ولو اجتمع من بأقطارها، كما قال نبينا ﷺ لابن عباس ﵄: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام، وجفت الصحف" (^١). فهاتان الجملتان وردتا في سورتين: في سورة الأنعام، بلفظ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] وفي سورة يونس، باللفظ المتقدم، وتمامها: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] فدلت الآية على وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء؛ لأن الحامل على الدعاء: إما وقوع ضر يدعو الإنسان برفعه، أو طلب خير يسعى بجلبه، فهذا لا يطلب إلا من الله ﷿ وحده.
مناسبة الآية للباب:
لما كان لا يكشف الضر إلا الله، ولا يجلب الخير إلا الله، لزم أن يكون هو المدعو وحده، لا شريك له، فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك الضر والنفع، فصرف الدعاء لغيره شرك أكبر.
فوائد الآية:
١ - وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء.
٢ - بطلان دعاء غير الله، وأنه أعجز من أن يحقق المطلوب.
٣ - إثبات المشيئة والإرادة لله ﷾؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ﴾ وإرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وهي المشيئة، وإرادة شرعية، وهي المحبة، فالإرادة أعم من المشيئة. فالإرادة الكونية: لابد من وقوعها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] والإرادة الشرعية: قد تقع وقد لا تقع، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومع ذلك فإن من الناس من يقع في العسر ويدع اليسر، مع أن الله أراد بهم اليسر.
_________________
(١) أخرجه أحمد برقم (٢٦٦٨)، والترمذي برقم (٢٥١٦).
[ ١ / ٢٢٦ ]
٤ - إثبات اسمين من أسماء الله تعالى: الغفور، والرحيم، متضمنين لصفتين كريمتين: المغفرة، وهي الستر والتجاوز، والرحمة. وهما صفتان حقيقيتان لائقتان به تعالى.
قوله: ﴿فَابْتَغُوا﴾ أي: اطلبوا عند الله الرزق، وقدم الظرف ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لكي يدل على اختصاص الله تعالى به؛ وذلك أن الله ﷾ هو الرزاق وحده، لا رازق سواه، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] والرزق حاجة بشرية، يسعى إليها الناس جميعًا، فاحتاج الأمر إلى تنبيههم إلى مصدره، وهو الله تعالى، وليس فلان الذي يسوق الرزق، أو يقطع الرزق، كما يعبر بعض الناس، فيقول: فلان قطع رزقي! إنما الرزق بيد الله، فيبتغى عنده.
قوله: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ هذا من عطف العام على الخاص؛ لأن ابتغاء الرزق يعني: طلبه من الله، ودعائه بحصوله. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال، الظاهرة والباطنة (^١)، فمعنى: فاعبدوه أي: أخلصوا له في العبادة.
قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: كونوا معترفين بنعمته، مثنين بها عليه؛ فإن كثيرًا من الناس يغفل عن الشكر؛ لهذا قال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقال مثنيًا على نبي من أنبيائه، وهو نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] وما أكثر من يحقق عبادة الصبر؛ فيبتلى، فيصبر، ويحتسب، لكن ما أقل من يحقق عبادة الشكر، فإذا كانت الأمور طبيعية، والرزق واسع، والصحة بادية، غفل كثير من الناس عن شكر المنعم، وإذا تغير الحال، أقبلوا على الله بكليتهم، ودعوا الله مخلصين، فلهذا كان الشكر عبادة جليلة.
وقد ألف ابن القيم ﵀ كتابًا، اسماه: (عِدَة الصابرين وذخيرة الشاكرين) تضمن المفاضلة بين الفقير الصابر، والغني الشاكر، وخلص ﵀ إلى أن المفاضلة بينهما ليست مطلقة، بأن يقال: الصابر أفضل من الشاكر، أو الشاكر أفضل من الصابر، وإنما يختلف ذلك باختلاف الأحوال. ولكن في الأعم
_________________
(١) العبودية (ص: ٤٤).
[ ١ / ٢٢٧ ]
الأغلب: عبادة الشكر قليلة في الناس، كما تقدم. والشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، كما قال الناظم:
أَفَادَتْكُمْ النَّعْمَاء مِني ثَلَاثَة … يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِير المحَجَبا (^١).
فيشكر العبد ربه بقلبه: بالاعتراف والإقرار لله بالنعمة، والاغتباط بها، فهذه وظيفة القلب. ثم وظيفة اللسان: بالثناء بها على الله، فيتكلم في مجالسه بذلك، ويلهج لسانه بالثناء بالنعمة على مسديها. وبجوارحه: فيسخِّر هذه الجوارح في مراضيه. وبهذا تتحقق عبادة الشكر. وحينما نقول: تتحقق، لا نعني: أنها تُستوفى، فإنه لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمة الله ﷿، وقد قال القائل:
إذَا كانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعمَةً … عَلىَّ لَهُ فِي مِثْلِها يَجِبُ الشُكْرُ
فكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إلاَّ بِعَوْنِهِ … وَإنْ طالَتِ الأَّيامُ واتَّصَلَ الدَّهْرُ؟! (^٢).
أي: لو أن إنسانًا اشتغل بشكر نعم الله تعالى، لكان توفيقه لشكر النعمة نعمة جديدة، تحتاج إلى شكر، ثم إذا شكر هذه النعمة الجديدة، كان هذا نعمة أيضًا تحتاج إلى شكر، فأنى له أن يبلغ شكر المنعم، ولو طالت الأيام، واتصل العمر.
قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: إليه مآلكم يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، كما قال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
مناسبة الآية للباب:
لما فيها من التنبيه على إفراد الله بالدعاء بحصول الرزق، دون من سواه.
فوائد الآية:
١ - وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في نهاية الأرب في فنون الأدب ت قمحية (٣/ ٢٣٣) والمستطرف في كل فن مستطرف (ص: ٢٤٤) ونفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب (٦/ ٢٧٤).
(٢) البيتان في شرح ديوان المتنبي للعكبري (٣/ ٢٤٦) والصناعتين: الكتابة والشعر (ص: ٢٣٢) لمحمود الوراق.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٢ - وجوب إفراد الله بطلب الرزق، فلا يقال: يا فلان ارزقني، ولا يعارض ذلك أن يعمل، أو يكون أجيرًا عند فلان، لكن يكون طلبه القلبي للرزق من الله تعالى.
٣ - وجوب إفراد الله بجميع أنواع العبادة؛ لقوله: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾.
٤ - وجوب شكر الله؛ لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾.
٥ - إثبات البعث من قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
ونلحظ أن الله تعالى يكثر من التذكير باليوم الآخر عقب الأوامر والنواهي؛ لأن هذا من أعظم البواعث للاستجابة والامتثال، فإن العبد إذا ذكر أن من ورائه يومًا آخر، يجازى على إحسانه، ويعاقب على إساءته، حفزه ذلك إلى الطاعة، وزجره عن المعصية.
ثم قال المصنف ﵀:
"وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] "
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي: لا أحد أضل، فهذا استفهام جوابه (لا) فيكون استفهامًا للنفي، ومعنى الضلال: وهو التيه والضياع.
قوله: ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: سوى الله من الأصنام، والشجر، والحجر.
قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ كأن ينصب وجهه إلى حجر، أو شجر، أو قبر، ويدعوه! فلو ظل يدعوه إلى يوم القيامة، لم يستجب له، ولم يحقق طلبه. فهؤلاء في ضلال مبين؛ لأنهم يدعون من لا يستجيب لهم إلى يوم القيامة.
قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ مرجع الضمير في قوله: ﴿وَهُمْ﴾ إلى المدعوين. أي: فضلًا عن عدم الاستجابة، فهم غافلون عنهم، لا يسمعون دعاءهم. سواء كان المدعو من الشجر والحجر، أو كان من الأموات المقبورين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. وهذا التصوير
[ ١ / ٢٢٩ ]
فيه تنفير بالغ من هذه الحال؛ إذ كيف يليق بآدمي عاقل، وإنسان كامل، أن يخاطب من لا يستجيب له؟! فلو أن أحدًا قام إلى أحد هذه الأعمدة، وأخذ يخاطبه، ويتحدث معه؛ لكان مضحكة، إذ كيف يخاطب جمادًا؟! فكذلك هؤلاء الذين يسألون الأصنام والأموات تحقيق دعواتهم، لا يختلفون عن هذا بشيء، فهم أهل للمسبة والسخرية.
قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ أي: يوم القيامة، والحشر لغة: الجمع.
قوله: ﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ أي: كان أولئك المدعوُّون، وتلك الآلهة المزعومة، أعداء لهؤلاء الداعين، لا يحفظون لهم هذا الصنيع في الدنيا، وإنما يتبرؤون منهم، ويلعن بعضهم بعضًا.
قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ أي: رافضين لعبادتهم، ومتنصلين من عُبَّادهم، كما قال الله ﷿: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]، وهذا قيل لمن كان يعبد الملائكة، فغيرهم من باب أولى.
مناسبة الآيتين للباب:
ظاهرة، لما فيهما من تسفيه من يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، وشدة ضلاله.
فوائد الآيتين:
١ - أن الدعاء عبادة؛ لأنه قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٥] فلا يجوز صرفه لغير الله ﷾، فمن صرفه لغير الله تعالى فقد وقع في الشرك الأكبر.
٢ - بيان شدة ضلال المشركين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي: لا أحد أضل.
٣ - أن الشرك بالله أعظم الضلال.
٤ - إثبات البعث؛ من قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾.
٥ - أن هذه الأوثان والأصنام لا تسمع، ولا تستجيب، ففيه الرد على المشركين بمختلف أصنافهم، وعلى القبوريين الذين يأتون إلى أصحاب القبور،
[ ١ / ٢٣٠ ]
يزعمون فيهم الصلاح، ويدعونهم من دون الله تعالى، قائلين: يا سيد فلان، أنا بحسبك، اكشف ضري، أو اشف مريضي، أو أعطني، إلى غير ذلك، فيدعوه من دون الله، فهذا الشرك الذي بُعث الأنبياء برده، ومع ذلك زين الشيطان لكثير من هؤلاء المغرورين صنيعهم.
ثم قال المصنف ﵀:
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل: ٦٢].
وروى الطبراني بإسناده: أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: "إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله" (^١).
قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ استفهام تقريري، والجواب: الله -سبحانه وبحمده-، هو الذي يجيب المضطر. والمضطر: من أصابته الضرورة، إما بمرض، أو هلكة، أو تيه.
قوله: ﴿إِذَا دَعَاهُ﴾ أي: حال الدعاء؛ لأن دعوة المضطر دعوة حرَّى، فيجيبها الله ﷾، وإجابته لدعوة المضطر دليل على وجوده، وربوبيته سبحانه.
قوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أي: يرفع ما يسوء المرء في نفسه، وأهله، وماله.
قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: يخلف بعضكم بعضًا في الأرض،
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩) ولم نجده في المعجم. وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧) وابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٧) بغير هذا اللفظ من حديث عبادة بن الصامت. قال الحافظ ابن تيمية في كتاب الاستغاثة (١٥٢): وهو صالح للاعتضاد ودل على معناه الكتاب والسنة.
[ ١ / ٢٣١ ]
كلما فني جيل خلفه جيل، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ هذا استفهام إنكاري، فلما كان المشركون مقرين بأن الله تعالى هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، حتى إنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فحري بهم أن يوحدوا الله بالعبادة، وألا يدعوا معه إلهًا غيره.
قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: مع علمكم بهذا لا يقع منكم تذكر كافٍ، وإنما قد تذكرون ذلك في حال الاضطرار فقط.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لانفراد الله تعالى بإجابة دعاء المضطر، وكشف كربته.
فوائد الآية:
١ - بطلان الاستغاثة بغير الله؛ لأن دعوة المضطر هي الاستغاثة، وهي الاستغاثة بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما الاستغاثة بغير الله فيما أقدر عليه غيره فجائزة. فلو أن إنسانًا مثلًا كان يتخبط في لجة الموج، ورأى من يمشي على سيف البحر، فقال: أغثني! أغثني!، فلا يُعد ذلك شركًا؛ لأنه طلب الغوث ممن يملكه، ويقدر عليه. ولو أحاطت به النار، ورأى من يمر بجواره، ويمكنه أن يطفأ النار، فقال: الغوث! الغوث!، أو أغثني! فهذا ليس شركًا، ودليل ذلك ما ذكره الله تعالى في كتابه في قصة موسى ﵇، حيث قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أي: أن الإسرائيلي استغاث بموسى على القبطي الذي كان يضربه، فأغاثه، فهذه ليست استغاثة شركية.
فنعرف الاستغاثة الشركية بالنظر في الحال والقرائن، فإذا كان المستغيث يستغيث بغائب، أو ميت، أو بمن لا يقدر أن يغيثه، ولو كان حيًا، فهذه استغاثة شركية، فلو قال مثلًا للطبيب: اشف مريضي، أو وقف على قبر، وقال: يا فلان أنا في حسبك، أو دعا غائبًا، وقال: المدد يا سيد! فكل ذلك استغاثة شركية، مخرجة عن الملة.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وهناك مسألة حادثة، وأصلها قديم، وهي أن يأتي بعض الناس عند صاحب قبر من الصالحين، فيقول لصاحب القبر: يا فلان اشفع لي عند ربك!، ادع الله أن يغفر لي!، فاختلف بعض المعاصرين في هذه المسألة: فقال بعضهم: إنها بدعة مغلظة، لكنها لا تبلغ الشرك الأكبر؛ لأنه لم يدعه، وإنما طلب منه أن يشفع له عند الله. ولكن الصحيح: أن هذا شرك أكبر؛ لأنه دعا ميتًا، وتعلّق قلبه بمن لا يسمع ولا يقدر، وأعرض عن دعاء الله وحده، فيجب أن يسد الباب، ولا يفسح لأي لون من ألوان التدنس الشركي أن يفسد قلوب الموحدين.
٢ - إقرار المشركين بتوحيد الربوبية؛ لأن الله استدل عليهم بذلك.
٣ - أن الإقرار بتوحيد الربوبية لا ينجي صاحبه من النار، فلا بد من توحيد الألوهية، ولو كان توحيد الربوبية كافيًا لما احتيج إلى دعوتهم؛ لأنهم كانوا مقرين بأن الله هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء.
٤ - الاحتجاج بالمتفق عليه على المختلف فيه، فالمشركون يوافقوننا بأن الله تعالى هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ولكنهم يخالفوننا في توحيد العبادة، فنقول لهم: كما أنكم أقررتم بتوحيد الربوبية، فإنه يلزمكم أن تقروا بتوحيد الألوهية.
قال المصنف ﵀:
قوله: "وروى الطبراني": هو الإمام سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، المتوفى سنة ٣٦٠ هـ، صاحب المعاجم الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير، وكتبه هذه الثلاثة تُسمى معاجم؛ لأن المصنفين في الحديث: منهم من يصنف في السنن، ومنهم من يصنف في المسانيد، ومنهم من يصنف في المعاجم، ومنهم من يصنف في المستدركات والمستخرجات. فالسنن: ما رتبه مصنفه على أبواب الفقه، والمسانيد: هو ما رتبه مصنفه على مسانيد الصحابة، بصرف النظر عن موضوع الأحاديث، فيأتي بأحاديث أبي بكر مجتمعة، ولو اختلفت موضوعها، والمعاجم: هو ما رتبه مصنفه على أسماء شيوخه، فيسرد الأحاديث التي رواها عن شيخه الأدنى في مقام واحد، ثم ينتقل إلى ما رواه عن شيخ آخر، بصرف النظر عن موضوعها.
[ ١ / ٢٣٣ ]
قوله: "بإسناده" هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن لهيعة ﵀، وهو من أئمة المسلمين، وقضاتهم، وأهل للمدح والعدالة، إلا أنه احترقت كتبه في آخر عمره، فاختلط، فصار يحدث من حفظه ويغلط، فلذلك ضعّف العلماء حديثه، ومنهم من يقبله ويحسنه، لكن الأصل أن حديث ابن لهيعة ضعيف، وهذا من حديثه ﵀.
قوله: "أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق" والمنافق: هو الذي يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، مأخوذ من نافقاء اليربوع، واليربوع - ويقال: جربوع - قال ابن الأثير: (قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ «النِّفَاقِ» وَمَا تصرَّف مِنْهُ اسْما وفعْلا، وَهُوَ اسمٌ إِسْلَامِيٌّ، لَمْ تَعْرفْه الْعَرَبُ بالمعْنى المخْصُوص بِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتُر كُفْرَه ويُظْهر إِيمَانَهُ، وَإِنْ كَانَ أصلُه فِي اللُّغة مَعْروفا. يُقَالُ: نَافَقَ يُنَافِقُ مُنَافَقَةً ونِفَاقًا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّافِقَاءِ: أحَد جِحَرة اليَرْبوع، إِذَا طُلِب مِنْ واحِدٍ هرَب إِلَى الآخَر، وخرَج مِنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النَّفَقِ: وَهُوَ السَّرَب الَّذِي يُسْتَتَر فيهِ، لِسَتْرِه كُفْرَه) (^١) فاليربوع يرقق جزءًا من سقف بيته، فإذا أتي من قبل القاصعاء، ضرب برأسه هذا الجزء المرقق، وخرج من النافقاء، فيقال: نافق اليربوع؛ لأنه احتال وخرج من هذا المأزق بحيلة، فكذلك المنافق يخرج من المآزق بالأيمان المغلظة، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] وقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٥] فشُبِّه المنافق باليربوع الذي يفر من المآزق بالطرق الملتوية، ثم صار المنافق يسمى فيما بعد "زنديق"، وهي كلمة أعجمية، لكن تُؤدي نفس المعنى.
قوله: "يؤذي المؤمنين" وبعضهم يروي لهذا الحديث قصة، وهي: أن عبد الله بن أبي بن سلول، رأس النفاق، أتى المسجد ومعه نمرقة، وهيئة حسنة، وإذا بأبي بكر جالس، فقال: هذا موسى أتى بالعصا، وهذا عيسى يبرأ الأكمه والأبرص، وهذا صالح أتى بالناقة، فعلام محمد لم يأتِ بشيء؟ (^٢). فتأثر أبو بكر ﵁، وبكى، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر: (٥/ ٩٨)
(٢) بنحوه في تفسير ابن كثير ت سلامة (٥/ ٣٣٣).
[ ١ / ٢٣٤ ]
المنافق، فقاموا، فقال النبي ﷺ: "إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله". وقد تقرر أن الاستغاثة نوعان:
ممنوعة: أن يُستغاث بميت مقبور، أو بغائب، أو حاضر في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، كأن يقول: اشفني، وارزقني، ونحو ذلك. وهذ شرك أكبر.
جائزة: وهي أن يستغاث بمخلوق فيما يقدر عليه، كقول الغريق لمن يمر بسيف البحر: أغثني، وقول الحريق: أغثني، وهكذا، فإن هذا لا بأس به.
فإنكار النبي ﷺ بقوله: "إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله" على فرض صحة هذا الحديث يُحمل على أحد وجهين:
الأول: أنه أنكر عليهم اللفظ، وهو قولهم: "قوموا نستغيث برسول الله ﷺ " حيث رأى أن هذا التعبير مناف للأدب مع الله، مع إمكان أن يستغاث بالنبي ﷺ فيما يقدر عليه.
الثاني: أنه ﷺ رأى أن ذلك استغاثة ممنوعة؛ لأنه لم يكن قادرًا على إغاثتهم من ذلك المنافق؛ وإن كان الذين طلبوا ذلك قد لا يعلمون، فلم يقع منهم ذلك على سبيل الشرك. وقد ذكر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه-، وهو كون النبي ﷺ لم يكن قادرًا على ذلك الرجل، في ذلك الحين (^١)، ففي أول الهجرة كان لأهل النفاق سطوة وقوة، حتى قال عبد الله بن أبي بن سلول: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فقال عمر ﵁: مرني فلأضرب عنقه، فقال النبي ﷺ: "دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (^٢)، ثم لما قوي أمر الإسلام، وخضدت شوكة المنافقين، ذكَّر الرسول ﷺ عمر بمقالته، قال: "أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله، لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته" (^٣). وهذا يدل على أهمية
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١/ ٢٨٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ [ص: ١٥٤] أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] برقم (٤٩٠٥) ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا برقم (٢٥٨٤).
(٣) الكامل في التاريخ (٢/ ٧٨).
[ ١ / ٢٣٥ ]
السياسة الشرعية، وأنه ينبغي للحاكم الشرعي أن يلاحظ تغير الأحوال، وقوة الإسلام وضعفه، فلا يحمل الناس على أمر لا طاقة لهم به، بل ينظر في عواقب الأمور، ويتبصر، ويميز بين باب السياسة الشرعية، بين باب الثوابت العقدية، وباب السياسة الشرعية، فالثوابت العقدية لا تتغير، وأما السياسة الشرعية فإن فيها من المراوحة ومراعاة المصالح والمفاسد، ما لا يخل بالثوابت العقدية. والله الموفق للحكمة وفصل الخطاب.
قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
فالدعاء أعم من الاستغاثة، فيشمل دعاء المكروب وغيره، بينما الاستغاثة هي دعاء المكروب،
الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾.
الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ، وقرن الحكم بالتعليل، فغير الله لا يملك الضر والنفع، فليس حقيقًا بالدعاء.
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر.
وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين.
بدلالة هذه الآية، فإذا كان هذا يقال للنبي ﷺ، وهو إمام الموحدين، إنك إن دعوت غير الله فإنك إذًا من الظالمين، فما بالك بغيره؟! فهو من باب أولى.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.
وهي قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، وتفسيرها: إذا كان لا يكشف الضر إلا الله وجب أن تكون العبادة له وحده، والاستغاثة به وحده.
السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرًا.
فيكون المشرك قد جمع على نفسه مصيبتين: عدم تحقق مراده، وكون هذا الفعل كفرًا.
السابعة: تفسير الآية الثالثة.
وهي: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وقد تقدم.
الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه.
وهذا معنى يغيب عن كثير من طالبي الرزق، وكل بني آدم يطلب الرزق، فكثير من الناس لا يستشعر أن الرزق من عند الله ﷿، بل يبتغيه من المخلوقين.
التاسعة: تفسير الآية الرابعة.
وهي قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، ففيها تسفيه لهم، وتضليل لطريقتهم.
العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله.
بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي: لا أحد أضل، فهو اسم تفضيل على بابه، أي: أضل الضالين.
[ ١ / ٢٣٧ ]
الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي، لا يدري عنه.
لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، أي: أن هؤلاء المدعوين غافلون عن دعاء من يدعونهم من دون الله ﷿، فإن كانوا جمادًا كالأشجار والأحجار، فهم بطبعهم لا يسمعون، وإن كانوا أمواتًا فكذلك، وإن كانوا ملائكة كرامًا، فإنهم مشغولون بعبادة ربهم عن دعاء هؤلاء، متبرئون منهم.
الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي، وعداوته له.
لأنه قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فكل مودة أُقيمت على الكفر بالله، فإنها تنقلب عداوة يوم القيامة.
الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
لأنه قال: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فسمى الله تعالى دعاءهم عبادة.
الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة.
لقوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فالمدعو يتبرأ ويتنصل من هذه العبادة.
الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس.
أي: أن تلك الأمور الأربعة: وهي كونه لا يخرج بطائل من دعائه؛ وكون المدعو غافلًا عن دعائه، وانقلاب مودتهم عداوة يوم القيامة، وكفر المدعو بدعاء الداعي، جعلته أضل الناس.
[ ١ / ٢٣٨ ]
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.
وهي قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، وقد تقدم.
السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان: أنه لا يجيب المضطر إلا الله؛ ولأجل هذا يدعونه في الشدائد، مخلصين له الدين.
وهذا أمر عجب فعلًا، ولذلك إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، ومع ذلك يدعون غيره في الرخاء! لأن العجب ينتج عن اجتماع أمرين، لا يجتمعان عادةً، أو عقلًا، فلما اجتمعا، أوجبا عجبًا.
الثامنة عشرة: حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد، والتأدب مع الله ﷿.
نفهم من عبارة المصنف ﵀: أنه رأى أن إنكار النبي ﷺ على من قال: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ أنه لحظ باب مراعاة الأدب في الألفاظ، وإلا فإنه لا يبلغ مبلغ الشرك، باعتبار أنه يمكن أن يغيثهم في هذا الأمر، وهذا أحد التوجهين. والتوجيه الآخر: أن النبي ﷺ لم يكن في ذلك الحين قادرًا على إغاثتهم، فكأنهم طلبوا منه ما لا يقدر عليه (^١).
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١/ ٢٨٧).
[ ١ / ٢٣٩ ]