وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: ١٥ - ١٦].
في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة: إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يُؤذن له، وإن شفع لم يشفع (^١).
الشرح:
قول المصنف ﵀: "باب: من الشرك" (من) هنا للتبعيض، أي: بعض صور الشرك.
قوله: "إرادة الإنسان بعمله الدنيا" أي: بالعمل الصالح المشروع، أغراضًا دنيوية؛ من مال، أو منصب، أو جاه، وليس التعبد لله.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لكون العمل لأجل الدنيا شرك في القصد، ينافي التوحيد الواجب، وربما ينافي أصله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله برقم (٢٨٨٧).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
والفرق بين هذا الباب والباب الذي قبله، وهو ما يتعلق بالرياء: أن الرياء يختص بالثناء، لأن المرائي يعمل لأجل المدح. وأما هنا فيعمل ليصيب دنيا، أي: ليحصِّل من وراء ذلك متاعًا، أو مالًا، ونحو ذلك، فكأن الباب السابق يتعلق بالأمور الاعتبارية، وهذا الباب يتعلق بالأمور الدنيوية المادية.
قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: من كان يريد بعمله ثواب الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، وكما أخبر النبي ﷺ في حديث: "إنما الأعمال بالنيات" قال: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (^١)
قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي: نوفر لهم ما طلبوه وقصدوه من متاعها، كاملًا. قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أي: لا ينقصون. إلا إن هذه الآية قد قُيدت بآية أخرى، وهي قول الله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] فدلت على أنه يُكتب لهم ما قدره الله لهم؛ لقوله: ﴿مَا نَشَاءُ﴾ فقيد ذلك بالمشيئة.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ لأنهم استوفوا مرادهم في الدنيا، ولم يعملوا للآخرة، ولم يبق لهم سوى جزاء الشرك، وهو النار.
قوله: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ أي: أنه بطل عملهم في الدنيا، واضمحل في الآخرة؛ لقول الله ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنه لم يرد به وجه الله ﷿. وقد ذكرت عائشة ﵂ للنبي ﷺ رجلًا شريفًا من أهل مكة، قلت: يا رسول الله، ابن
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ برقم (١) ومسلم في كتاب الإمارة بقوله، قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنية" برقم (١٩٠٧) لكن بلفظ: "القطيفة" بدل الخميلة.
[ ٢ / ٥١٠ ]
جُدعان، كان في الجاهلية، يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (^١).
مسألة: حكم الوظائف الشرعية، والولايات الدينية:
هل عمل الإنسان في الأذان، أو الإمامة، أو الخطابة، أو القضاء، أو التدريس، التي يتقاضى عليها جعلًا، أو مرتبًا، مناف للإخلاص، ومعرض صاحبه للوعيد الشديد المذكور في الآية؟
الجواب: أن ذلك بحسب ما قام في قلبه، فإذا كانت نيته الأصلية هي الإخلاص لله تعالى، ونفع عباده المؤمنين، فهذه نية صالحة، ولا يضره ما حصل له من نفع دنيوي، وأما إذا كانت نيته الأولى إرادة الدنيا فهو داخل في حكم هذه الآية.
والله ﷾ قد أمر عباده المؤمنين بعبادة عظيمة، وشعيرة شريفة، وهي الجهاد في سبيل الله، ثم قال لهم: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]، فهذه المغانم من الدنيا، ومن المتاع، فلم يكن إغراؤهم بهذا منافيًا لأصل النية، فأصل نيتهم صحيح، وهو إعلاء كلمة الله ﷿، وانضاف إليها مقاصد أخرى، يرتفقون بها، ويستعينون بها على دنياهم. ومن أدلة ذلك: قول النبي ﷺ: "من قتل قتيلًا له عليه بينة، فله سلبه" (^٢)، فهذا إغراء من النبي ﷺ، وحث للمقاتلين في سبيل الله: أن يثخنوا في العدو، حتى يحصلوا على السلب، وهو ما يكون على المقاتل من الثياب والسلاح، وغير ذلك، فدل ذلك على أن هذا لا ينافي النية الأصلية. وعلى هذا نقيس سائر الأمور، فمَن تقدم للإمامة يريد بذلك سد حاجة المسلمين، فيصلي لهم، وحمل نفسه على الالتزام بالصلاة، وضبط حفظه
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل برقم (٢١٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب … برقم (٣١٤٢) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل برقم (١٧٥١).
[ ٢ / ٥١١ ]
للقرآن، مع ما يحصل له من الارتفاق في دنياه من مال يعينه على مقاصده، أو سكن، أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به، ولا يقدح في نيته. وكذلك من يستنيبه العاجز ليحج له، ويأخذ على ذلك عوضًا، فهذا إذا قصد نفع أخيه، وشهود المنافع التي وعد الله تعالى بها في الحج، فهذه نية صالحة، ولا حرج عليه فيما أخذ، أو فيما أعطي. وهكذا بقية الوظائف الدينية؛ كالقضاء، والتعليم، والخطابة، والإفتاء، والأذان، والإمامة، وغير ذلك. وإنما المحظور: أن يسعى ليكون إمامًا، لأجل أن يجد بيتًا يسكن فيه، ولولاه ما أمَّ المسلمين. فهذا اتخذ الإمامة وسيلة للسكنى. أو كمن يدخل الكليات الشرعية بغرض التعيين على وظيفة تدر عليها دخلًا شهريًا، ولم يلحظ إلا الدنيا فقط، فهذه نية فاسدة تدخله في هذا الوعيد. بخلاف لو نوى بدراسته الشرعية التزود بالعلم، بطرق منظمة، ومنهجية، والحصول على شهادة تمكنه من نفع العباد، والبلاد، وكفاية نفسه ومن يعول، فهذه نية صالحة، ولا غبار عليها. وما زال المسلمون من عهد النبوة، والخلافة الراشدة على ذلك. ولا تستقيم المصالح الشرعية إلا بها.
لكن ينبغي للإنسان أن يتعاهد قلبه، وأن يصحح نيته، فقد يشوب النية في البدايات شائبة سوء، لكن يصلحها الله ﷿، حتى قال بعض أهل العلم: "طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يردنا إلا إلى الله" (^١)، أي: أنهم في مستهل طلبهم، وقلة علمهم، وضعف فقههم، وورعهم، ربما كان في نفوسهم شائبة من إرادة الدنيا، فلما أشرفوا على العلم، ونظروا فيه، أصلح الله به قلوبهم، فزالت عنهم هذه الشوائب.
وقد يبتدئ الإنسان بنية صالحة، ثم يطرأ عليه انحراف في النية، فيزين له الشيطان حب التصدر، والتزين أمام الناس، والمنافسة على حطام الدنيا، فيهلك. فعلى المؤمن أن يداوي نفسه بذكر هذه الآيات، والتمعن فيها، والعلم بأن الله تعالى "أغنى الشركاء عن الشرك" كما سبق، وأنه لا يبقى له إلا ما أريد به وجه الله؛ ولهذا لما قيل للإمام مالك بن أنس ﵀: "إن فلانًا قد ألّف موطئًا
_________________
(١) من قول (يزيد بن هارون) كما في الآداب الشرعية والمنح المرعية (٢/ ٣٧).
[ ٢ / ٥١٢ ]
مثلك" فقال ﵀: "ما كان لله بقي" (^١)، وفعلًا أبقى الله موطأ مالك، وربما نُسي موطأ غيره، وذلك لصلاح نيته.
فالركن الركين، والأساس المتين، أن يحرص الإنسان على إصلاح قلبه، وتنقيته من الشوائب، ويحذر من أحابيل الشيطان، فإن الشيطان يتدسس بصور شتى، حتى قال سفيان الثوري، ﵀: "ما عالجتُ شيئًا أشد عليّ من نيتي؛ لأنها تنقلب عليّ" (^٢)، فعلى الإنسان أن يتعاهد قلبه، وأن يحصن ضميره، وهذا يحصل بدوام الذكر، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
مناسبة الآيتين للباب:
مطابقة، لما تضمنتاه من وعيد من أراد بعمله الدنيا من الحبوط، والبطلان، والنار.
فوائد الآيتين:
١ - أن الله حكم عدل مقسط، يجازي من عمل عملًا حسنًا، وإن لم يرد به الله والدار الآخرة، في الدنيا، كيف شاء، فهذا من كمال عدله سبحانه.
مثال ذلك: ما يقوم به بعض الكفار في البلاد الغربية، من الأعمال الإنسانية الإغاثية؛ فيقيمون الملاجئ، وينفقون على الفقراء، والأيتام، والمشردين، حتى أنه لا يكاد يُوجد في بلادهم جائع، أو عارٍ، أو مريض لا يجد دواء، ويعتنون بهذه الأمور الاجتماعية غاية العناية، بل ويمدون ذلك إلى البلدان المنكوبة بالكوارث والحروب، فتنطلق من بلادهم جمعيات المساعدات الإنسانية، والإغاثية، وربما كان بعضها لأهداف سياسية، أو تنصيرية، لكن جزءًا كبيرًا منها -كما يقولون-: لدوافع أخلاقية إنسانية. فلأجل ذا يكافئون في الحياة الدنيا -كما هو مشاهد- بالتيسير المادي، والتفوق المدني والصناعي، وحصول الرفاهية والتمكين التي لا تحصل لغيرهم. فهذا من كمال عدل الله ﷿ أن يجدوا نتيجة أعمالهم الحسنة في الدنيا، لكنها لا تنفعهم في الآخرة.
_________________
(١) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المصنفة للكتاني (ص: ٧).
(٢) جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (١/ ٧٠).
[ ٢ / ٥١٣ ]
٢ - أن الشرك محبط للأعمال.
٣ - أن من الشرك: إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
٤ - الوعيد الشديد لمن أراد بعمله الدنيا.
٥ - أهمية الإخلاص، وأنه منجاة.
ثم قال ﵀:
قوله: "في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ " المراد صحيح البخاري.
"قال: قال رسول الله ﷺ: "تعس" " (تعس) جملة دعائية، المراد بها: سقط وهوى.
قوله: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة" ذكر أربع معبودات؛ فالدينار والدرهم معروفان، الدينار: قطعة من الذهب، والدرهم: من الفضة، و(الخميصة): ثوب، أو كساء، يكون من خز أو من صوف، ويكون معلمًا، أي: مخططًا، وكان الناس يلبسونها إلى عهد ليس بالبعيد. و(الخميلة): القطيفة، وهو دثار مخمل، والدثار ما يلبس فوق الشعار، والشعار: ما باشر الجسد من الثياب.
وهذا دعاء من النبي ﷺ على هؤلاء العُبَّاد الأربعة، وليس المقصود بذلك الحصر، وإنما التمثيل؛ وذلك أن من الناس من يتعلق بالذهب، ومنهم يتعلق بالفضة، ومنهم من يتعلق بالملابس الفاخرة؛ من خميصة أو خميلة. ومنهم من يتعلق بغير ذلك.
قوله: "إن أعطي رضي، وإن لم يُعط سخط" كما وصف الله تعالى المنافقين، سواء بسواء، في قوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨].
قوله: "تعس" كرر الدعاء عليه بالتعاسة، تشديدًا عليه.
قوله: "وانتكس" أي: عاوده الداء والمرض، فالانتكاس يكون بعد الضر. وقيل: معنى انتكس من النكوس، أو النكوص، وهو الانقلاب على الوجه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١].
[ ٢ / ٥١٤ ]
قوله: "وإذا شيك" أي: إذا أصابته شوكة.
قوله: "فلا انتقش" أي: فلا يتمكن من إخراج الشوكة، بمعنى: أنه يعجز عن أبسط الأشياء وأهونها، ولا يمكنه الخلاص منها، حتى إنه لو أصابته شوكة لم يتمكن من إخراجها بالمنقاش. وكل هذه دعوات له بالخيبة، وسوء الحال والمآل.
وبعد أن صور النبي ﷺ صورة المتاجر بدينه، المريد الدنيا بعمله، الطالب للعطايا والهبات على حساب دينه، الساخط عند المنع، ودعا عليه بما يستحق من فساد أمره، فوات طلبه، عقّب على ذلك بصورة مقابلة:
قوله: "طوبى لعبد" طوبى قيل: اسم للجنة، وقيل: اسم شجرة في الجنة، مأخوذ من التطويب، أو من الدعاء له بالطيب، فإن مادتها واحدة. والمراد بالعبد الجنس.
قوله: "آخذ بعنان فرسه" العنان: سير اللجام للدابة.
قوله: "في سبيل الله" أي: مجاهدًا في سبيل الله؛ لأن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. وهذا دليل الإخلاص.
قوله: "أشعث رأسه" أي: غير مرجل ومدهن، بل فيه الشعث والغبرة؛ لانهماكه في الجهاد، فهو ليس من أهل التنعم والترفه بحيث يمشط شعره، ويدهنه، لأنه مشغول بما هو أعلى وأولى. قوله: "مغبرة قدماه" لتنقله على قدميه في المغازي، والثغور، ومضامير الجهاد في سبيل الله. قوله: "إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة" أي: أنه لا يأبه بموقعه في المعركة، فإذا وجهه قائد الجيش، أو أمير السرية إلى موضع، قال: سمعًا وطاعةً؛ لأنه لا يبحث عن الصدارة، أو السلامة، وإنما يسعى لإعزاز الدين، فطورًا يكون في الحراسة؛ فيمكث في الليل شاخصًا يحمى بيضة المسلمين، وتارة يكون في الساقة، في أخريات القوم، يعين ساقطهم، ويلتقط ساقطتهم.
قوله: "إن استأذن لم يُؤذن له، وإن شفع لم يشفع" أي أنه ليس من أهل الوجاهة والظهور، حتى إنه يرد في الأبواب، ولا يعتد بشفاعته، كما قال
[ ٢ / ٥١٥ ]
النبي ﷺ: "كم من أشعث أغبر ذي طمرين، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره" وفي رواية: "مدفوع بالأبواب" (^١)، أي: إذا همّ أن يدخل قيل له: ارجع وراءك، لكنه لو أقسم على الله لأبره! أي: لما بينه وبين ربه من ولاية. قال النبي ﷺ: "منهم البراء بن مالك" (^٢)، فيا لها من شهادة عظيمة للبراء؛ ولهذا كان المسلمون إذا قاتلوا عدوهم، وحمى الوطيس، نادوا: يا براء، أقسم على ربك أن يمنحنا أكتافهم، فما هو إلا أن يقسم حتى يُهزم القوم، ويولون الدبر.
فهؤلاء أهل الله وخاصته، كما وصفهم النبي ﷺ، لا يريدون الدنيا. ومما يُروى أن محمد بن واسع ﵀ شهد موقعة، وأظفر الله المسلمين بغنائم، فكان من نصيبه تاج مرصع بجواهر، فوضعه في كمه ومضى، فتبعه رجل من أصحاب الأمير لينظر ما يصنع به؟! فمر بسائل يسأل صدقة، فأخرج التاج من كمه ودفعه إليه، ومضى لا يبالى، يقول الرجل: فأرضيت هذا السائل بشيء، وأخذته (^٣)، فشتان بين الناس.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من ذم العمل لأجل الدنيا؛ ووصفه بالعبودية لها، ومدح العمل لأجل الآخرة.
فوائد الحديث:
١ - ذم العمل لأجل الدنيا وإرادتها.
٢ - مدح العمل لأجل الآخرة، والإخلاص لله ﷿.
٣ - أن إرادة الإنسان بعمله الدنيا وزينتها نوع من العبودية لغير الله.
٤ - فضل التواضع والإخبات.
٥ - فضل الجهاد في سبيل الله ﷿.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء برقم (٢٨٥٤).
(٢) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب المناقب، باب مناقب البراء بن مالك ﵁ برقم (٣٨٥٤) وصححه الألباني.
(٣) البداية والنهاية (٩/ ١٩٩) وتاريخ الطبري (٦/ ٥٣٩).
[ ٢ / ٥١٦ ]
٥ - ذم الترفه والتنعم ومنافاته لخصال الرجولة والمروءة.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة.
بأن يعمل الإنسان أعمالًا صالحة يريد بها الدنيا، فهذا من الشرك؛ لأنه جعل عمل الآخرة وسيلة لثواب الدنيا، وسلمًا لنيل لعاعتها. وقد تكون إرادته الدنيا بعمله الصالح: منافية لأصل الإيمان والتوحيد، أو لكماله الواجب، أو لكماله المستحب بحسب الأحوال.
الثانية: تفسير آية هود.
بل آيتي هود، وقد تقدم. وهما من أخوف ما في القرآن في هذا الباب.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة.
أي: أن النبي ﷺ لم يرد بهذا أنه كافر، وإنما أراد ذمه لإرادته بعمله الدنيا، فسماه (عبد) والعبودية لا شك أنها درجات، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فمتبع الهوى كمتخذ الإله من دون الله، لكن قد يكون مخرجًا من الملة، وقد يكون دون ذلك.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه: "إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط".
بأن يكون رضاه وسخطه تابعًا لحصول مبتغاه من الدنيا، وكان الواجب عليه أن يرضى بما قسم له، ولا يتبع نفسه هواها.
الخامسة: قوله: "تعس وانتكس".
الدعاء عليه بالتعاسة، وبمعاودة الداء مرة أخرى، وهذا أشد ما يكون في المعاناة أن يتماثل للبرء ثم ينتكس، ويعاوده المرض.
[ ٢ / ٥١٧ ]
السادسة: قوله: "وإذا شيك فلا انتفش".
الدعاء عليه بالفشل والخذلان، فلا يتمكن من دفع أهون الأمور وأسهلها.
السابعة والأخيرة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
وهي: أشعث رأسه، مغبرة قدماه، آخذ عنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع، فهذا يدل على كمال إخلاصه في عمله، وعدم إرادة الدنيا، بخلاف عباد الدرهم، والدينار، والخميصة، والخميلة ونحوها.
[ ٢ / ٥١٨ ]