وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، [سورة الإنسان: ٧].
وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، [سورة البقرة: ٢٧٠].
وفي الصحيح: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (^١).
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: من الشرك النذر لغير الله" المراد بالشرك هنا: الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله تعالى؛ وذلك إن النذر عبادة، ومن صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى، فقد وقع في الشرك. وقوله في الترجمة: "من الشرك" (من) تبعيضية، أي: من بعض أنواع الشرك وصوره. و(النذر): إلزام الإنسان نفسه شيئًا غير واجب عليه، سواء كان من الطاعات، أو من الأمور المباحات.
والنذر أنواع متعددة: فمنه (نذر طاعة، ونذر معصية، ونذر لجاج وغضب، ونذر مباح):
- نذر الطاعة: كأن يقول: لله عليّ نذر أن أحج بيت الله، أو أن أزور مسجد رسول الله ﷺ.
- نذر المعصية: كأن يقول: لله عليه نذر أن يقطع رحمه، أو يشرب خمرًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية برقم (٦٧٠٠).
[ ١ / ٢٠٤ ]
- نذر المباح: كأن يقول: لله عليه نذر أن يمشي مسافة كذا وكذا.
- نذر اللجاج والغضب: وهو الذي يصدر من الإنسان حال المنازعة والمشادة، فيقول: عليّ نذر كذا إن كان الأمر كذا، ولا يقصد بذلك حقيقة النذر، وإنما يريد تأكيد كلامه، أو نفي كلام غيره، أو إلزام غيره، أو نحو هذا.
- النذر المطلق: بأن يقول: عليّ نذر، ولا يُسمي شيئًا.
- فأما نذر الطاعة، فإنه يجب الوفاء به؛ لما سيأتينا من حديث عائشة ﵂: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (^١).
- وأما نذر المعصية فيحرم الوفاء به؛ لقوله: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (^٢)، بصرف النظر عن لزوم الكفارة، من عدمها.
- وأما نذر اللجاج والغضب، فيخير فيه بين فعل ما نذر، إن كان مباحًا، أو مشروعًا، أو يكفر كفارة يمين.
- وأما النذر المطلق الذي لم يُسم، فتجب فيه كفارة يمين. فهذه هي أنواع النذور، وأحكامها.
أما النذر من حيث أصله، فقد قدمنا: أن أقل أحواله الكراهة، وقال بعض العلماء بالتحريم، وإلى هذا يميل شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)؛ وذلك أن النذر تضييق واسع، والله تعالى تعبدنا وأمرنا بشرائع، فلا وجه أن نلزم أنفسنا بما لم يلزمنا الله تعالى به. فما أمرنا به على سبيل الإلزام، فهو واجب، أو على سبيل الاستحباب فهو مندوب، فلا يضيق الإنسان على نفسه واسعًا، ويلزم نفسه بما لم يلزمه الله به. والدليل على كراهة النذر قول النبي ﷺ: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" (^٤)، وصدق ﷺ فإنا رأينا الناس ينذرون، ثم يَشْقَوْن في نذورهم، فتجد أحدهم ينذر نذرًا لأمر عرض له، أو حل به، فإذا حقق الله له مراده، ضاق
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة برقم (٦٦٩٦).
(٢) أخرجه البخاري كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة برقم (٦٦٩٦).
(٣) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٣/ ٢١٠).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب إلقاء النذر العبد إلى القدر برقم (٦٦٠٨) ومسلم في كتاب النذر، باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئًا برقم (١٦٣٩).
[ ١ / ٢٠٥ ]
به ذرعًا، وطفق يبحث عن مخرج من تبعات هذا النذر، ويبحث عن من يفتيه بالتحلل منه، مع أنه كان في عافية. تجد أحدهم يقول: لله عليّ أن أذبح ناقة، ثم يبحث عن مفتٍ يفتيه بكفارة يمين، أو يفتيه بأكلها ومن يعول. وهكذا يستخرج به من البخيل.
كما أن في النذر نوع سوء ظن بالله، كأنّ هذا الذي نذر يظن أن الله تعالى لا يجيب دعوته إلا بمقابل، وأنه لا يستجيب الدعوات، ولا يقضي الحاجات إلا إذا بذل شيئًا، مع أن ربنا -سبحانه وبحمده- واسع العطاء، كما قال ﷺ "يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده" (^١)، فكيف يقايض العبد ربه ويقول: إن حصل لي كذا، فعلت كذا وكذا.
فإن قال قائل: أليس الله تعالى قد امتدح الموفين بالنذر، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] فيقال: بلى، قد امتدحهم، وهم أهل لمدحه، والجواب عن هذا الإيراد من وجهين:
الأول: أن النذر في الآية مطلق الطاعة؛ وليس النذر بالتعريف الفقهي عند الفقهاء: إلزام المكلف نفسه عبادة غير واجبة، فقد يراد بالنذر الأمر الواجب بأصل الشرع؛ كما قال ربنا ﷿: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] يعني: الحجاج إذا أفاضوا من المزدلفة، ورموا جمرة العقبة، تحللوا من إحرامهم، وأزالوا عنهم التفث، أي الأذى. فالمراد ب ﴿نُذُورَهُمْ﴾: ما لزمهم من المناسك.
الثاني: أن يقال: إن الله امتدحهم على وفائهم بالنذر، الذي التزموا به، لا على إنشائهم للنذر، وفرق بين الابتداء وبين الوفاء، فابتداء النذر مكروه، وربما كان محرمًا، كما قد قيل، لكن الوفاء به إذا انعقد واجب، ومن أتى واجبًا فإنه يحمد على فعله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ [هود: ٧] برقم (٤٦٨٤) ومسلم في الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف برقم (٩٩٣).
[ ١ / ٢٠٦ ]
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان النذر عبادة، كان صرفه لغير الله شرك. ومن الناس من ينذر للقبور، والمشاهد، والملائكة، والأنبياء، والصالحين، والجن، وغيرهم، فهذا تقرب لغير الله ﷿، فهو شرك أكبر؛ لأن النذر عبادة، فلا يكون إلا لله.
قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ دلت هذه الآية الكريمة على أن النذر عبادة؛ لأنها جاءت في سياق الثناء على الأبرار. ولما كان عبادة حرُم صرفه لغير الله. وليت المصنف ﵀ أضاف إليها قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] لأن اللام في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا﴾ لام الأمر، فدل ذلك على أن هذا مأمور به، فهو عبادة.
مناسبة الآية للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيها من الدلالة على أن النذر عبادة، فصرفه لغير الله شرك.
فوائد الآية:
١ - أن النذر عبادة، فصرفه لغيره شرك.
٢ - فضيلة الوفاء بالنذر بالمعنى العام، الذي هو مطلق الطاعات، أو بالمعنى الخاص.
قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ (ما): شرطية، وفعل الشرط: ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾، وجوابه وجزاؤه جملة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ويصح أن تكون (ما) موصولة، بمعنى: (الذي) يعني: والذي أنفقتم من نفقة فإن الله يعلمه؛ لكن كونها شرطية أليق.
قوله: ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾ يدل على الاستغراق، أي: أيًا كانت تلك النفقة، كثيرة أو قليلة، صالحة، أو غير صالحة، مقبولة أو غير مقبولة؛ لأن الإنسان قد ينفق نفقات على غير الوجه الصحيح، فأخبر الله تعالى أنه مطلع وعالم. و﴿نَفَقَةٍ﴾ نكرة في سياق الشرط، فتدل على العموم.
قوله: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ هذا موضع الشاهد. و﴿نَذْرٍ﴾ جاء نكرة في
[ ١ / ٢٠٧ ]
سياق الشرط، فيتناول كل نذر؛ كبير أو صغير، لطاعة أو معصية ..
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ هذا جواب الشرط، وهو ليس خبرًا مجردًا، بل يدل على أن الله يجازي عليه، ففيه معنى الوعد والوعيد، فلا شك أن الله تعالى يعلم كل شيء، لكنه يفيد تضمنًا: أن الله يعلمه ويجازي عليه إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
مناسبة الآية للباب:
مطابقة للترجمة، كسابقتها.
فوائد الآية:
١ - إثبات النذر، وأنه عبادة لله ﷿.
٢ - إثبات عِلْم الله تعالى المحيط بكل شيء ..
٣ - إثبات الجزاء، فما من عمل يعمله الإنسان من قول أو فعل، إلا وهو مسطور، مزبور، مكتوب، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ومثل هذه الآيات توجب للمؤمن تقوىً واحتياطًا لنفسه، وتنبهًا إلى ما خلّفه وراء ظهره، فيتحلل من حقوق العباد، ويتوب إلى رب العباد، حتى يوافى ربه ﷿ خفيف الظهر.
٤ - فضل الوفاء بالنذر؛ لقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
ثم قال المصنف ﵀:
"وفي الصحيح" أي: صحيح البخاري "عن عائشة ﵂" هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أفقه نساء الصحابة على الإطلاق، قال عنها النبي ﷺ: "فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام" (^١)، والثريد كما عرّفه الشاعر:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] إلى قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] برقم (٣٤١١) ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂ برقم (٢٤٣١).
[ ١ / ٢٠٨ ]
إِذَا مَا الخبزُ تَأدمُهُ بِلَحْمٍ … فَذاكَ أَمَانَة اللهِ الثَّريدُ (^١).
خبز معه لحم؛ وذلك أفضل الطعام؛ لأنه ضم البر واللحم. ولكن العلماء اختلفوا في المفاضلة بينها وبين خديجة ﵄، فمنهم: من قدمها، ومنهم من قدم خديجة، وهما أفضل أمهات المؤمنين -رضوان الله عليهن-، والله حسيب من نال منها من المنافقين القدامى والمحدثين. فإن عائشة ﵂ قد طالها من أذى المنافقين قديمًا: أن رموها بالإفك، فأنزل الله براءتها قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، ومن منافقي هذا الزمان من الروافض وأشكالهم، من يطعنون في عرضها إلى يومنا هذا، وقد توعدهم الله ﷿ بالعذاب الأليم. وقد روت عن النبي ﷺ أحاديث عدة، وعُمِّرت ﵂ حتى سنة (٥٧ هـ) وهذا من حفظ الله تعالى لدينه، حيث قيَّض تعالى لنبيه ﷺ هذه الفتاة الذكية النبيهة، التي حفظت عن رسول الله ﷺ خاصة أمره في بيته، فيما لا يطلع عليه إلا أهله، فضبطته ضبطًا تامًا، وحدثت به، وأمدَّ الله تعالى في عمرها، حتى تلّقى عنها العلم الصحابة والتابعون.
قوله: "من نذر أن يطيع الله" " جملة شرطية، (من) اسم شرط، و(نذر) فعل الشرط.
قوله: "فليطعه" جواب الشرط، فدلت هذه الجملة على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، فمن نذر نذر طاعة لزمه أن يفي به، ولا يخرج منه بكفارة، فلا يُضيِّق الإنسان على نفسه واسعًا، وليتطوع لله ﷿ طواعية، من تلقاء نفسه، ويمتثل ما أمره الله تعالى به أمر وجوب أو استحباب، دون أن يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به، كأن ينذر أن يصوم كل اثنين وخميس، حين يجد في نفسه نشاطًا وقوة، فإذا ما تقدم به العمر، وضعُف، ندم.
قوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" فلا يجوز الوفاء بنذر المعصية. أما النذر الذي وقع على وجه شركي، فهذا لا ينعقد أصلًا، فثمّ فرق بين نذر المعصية، والنذر الشركي:
_________________
(١) البيت في الفتح على أبي الفتح (ص: ٥٨) بلا نسبة لقائل.
[ ١ / ٢٠٩ ]
فنذر المعصية القول الراجح: أنه منعقد، كما ذهب إلى ذلك الإمام أحمد (^١)، وأبو حنيفة (^٢)؛ وتلزم فيه الكفارة. وذهب الشافعي إلى عدم انعقاده، وأنه لا كفارة فيه (^٣).
وأما نذر الشرك: لقبر، أو لجن، أو ميت، أو لملك، فهذا لم ينعقد أصلًا؛ لأنه ليس عبادة في أصله، بل هو شرك مناف للتوحيد. كما إن اليمين إذا كانت يمينًا صحيحة، كمن حلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته على أمر مستقبل، وعقد ذلك في قلبه، فهي منعقدة، ومن حلف بغير الله، لم تنعقد يمينه، فكذلك من نذر لغير الله، فإن نذره لا ينعقد.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لأن الحديث دل أن النذر عبادة، فإذا صُرفت العبادة لغير الله تعالى كان شركًا، فدخل تحت هذا الباب.
فوائد الحديث:
١ - أن النذر عبادة، فصرفه لغير الله تعالى شرك أكبر.
٢ - وجوب الوفاء بنذر الطاعة.
٣ - تحريم الوفاء بنذر المعصية.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر.
وهذا بيّن من قول الله ﷿: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، ومن قول النبي ﷺ: "من نذر أن يطيع الله فليطعه".
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٩/ ٥١٧).
(٢) النتف في الفتاوى للسغدي (١/ ١٩٥).
(٣) المجموع شرح المهذب (٨/ ٤٥٧).
[ ١ / ٢١٠ ]
الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غيره شرك.
قول المصنف ﵀: "إذا ثبت" ليس مراده التردد في ذلك، وإنما مراده: ما دام قد ثبت أنه عبادة، فإن صرفه لغير الله شرك، فلا شك في ثبوت كونه عبادة.
الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
لقوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، لأنه لا يتقرب لله بمعصيته.
[ ١ / ٢١١ ]