وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [سورة النجم: ١٩ - ٢٣].
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: من تبرك بشجرة، أو حجر، ونحوهما" أي: باب حكم من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما.
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: ختم المصنف، ﵀، "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله"، بقوله: (وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب)، وهذا من الأبواب التي تشرحها، وتبين ما يضادها من الأعمال والأقوال.
قوله: "من تبرَّك بشجرة": التبرك: طلب البركة، ورجاؤها، واعتقادها. والبركة: كثرة الخير، فالذي يتبرك بالشيء يطلب ما يترتب عليه من آثار حميدة. والتبرك نوعان مشروع، وممنوع:
فالتبرك المشروع: هو التبرك بكل ما جعله الله تعالى سببًا للبركة، من: الكلام، والمكان، والزمان، والطعام، والشراب، والأشخاص:
- الكلام: فالقرآن العظيم، مبارك، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩].
[ ١ / ١٥٨ ]
- المكان: فالمسجد الحرام مبارك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
- الزمان: فليلة القدر مباركة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣].
- الطعام: فالزيتون مبارك، كما قال تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥].
- الشراب: فالمطر مبارك، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩].
- الأشخاص: فعيسى ﵇، مبارك، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].
وقد تكون البركة في الأمور الشرعية، وقد تكون في الأمور الحسية، فنبينا محمد ﷺ مبارك بركة شرعية، بما جاء به من الهدى ودين الحق، ومبارك بركة حسية بآثاره الشخصية؛ كفضل وضوئه، وشعره، وثيابه، وغير ذلك فقد ثبتت فيه أحاديث متعددة، ووقائع متنوعة. وقد كان أصحاب النبي ﷺ يتنافسون على فضل وضوئه، حتى أنهم يوم صلح الحديبية كان لا يتفل إلا وقعت في يد أحد منهم، فيمسح بها وجهه وجسده (^١)، طلبًا للبركة؛ وليظهروا لقريش منزلته في قلوبهم، وأنهم لا يسلمونه. وكذلك فعل معه أصحابه في غزوة أحد حينما ازدرد أحدهم الدم الذي امتصه من النبي ﷺ (^٢)، ولما رمى الجمرة، ونحر نسكه، وحلق، ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: "احلق" فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: "اقسمه بين الناس" (^٣)، وكان لأم
_________________
(١) بنحوه في المغازي للواقدي (ص: ٥٩٨).
(٢) كما جاء عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده، أن أباه مالك بن سنان لما أصيب رسول الله ﷺ في وجهه يوم أحد، مص دم رسول الله ﷺ وازدرده، فقيل له: أتشرب الدم؟ قال: نعم، أشرب دم رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "خالط دمي بدمه، لا تمسه النار" في المعجم الأوسط برقم (٩٠٩٨).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق والابتداء في الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق برقم (١٣٠٥).
[ ١ / ١٥٩ ]
سلمة ﵂، جلجل من فضة، تضع فيه شعرات النبي ﷺ، حتى بعد وفاته، إذا أصيب أحد بداء، كانت تجعل هذه الشعرات المباركة في إناء، وتخضها فتسقى للمريض، أو تنثر عليه، فيشفى -بإذن الله- (^١).
وأما غيره من الصالحين: فقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز التبرك بآثارهم الحسية، ولكن هذا خلاف الحق، فإنه لا يُتبرك بأثر حسي من الآثار إلا بآثار النبي ﷺ، ولم يبق منها شيء اليوم.
والتبرك الممنوع: فهو اعتقاد البركة والتماسها فيما لم يثبته الشارع سببًا لها.
قوله: "بشجرٍ، أو حجرٍ ونحوهما" أما الشجر: كل ما نبت على وجه الأرض. والحجر: هو الجماد الصلب من الأرض، وكلاهما معروف، وأراد بقوله: "ونحوهما" ألا يقصر الحكم على هذين النوعين، فيدخل في ذلك: البقاع، والأبنية، والمشاهد، والقبور، والمزارات، وغير ذلك.
ومن التبركات الباطلة:
- التبرك بذوات الصالحين، أو من يظنونهم صالحين: بالتمسح بهم، ولحس أياديهم، وربما أعجب الحال ذلك المفتون، فقدم لهم يده، ومكَّنهم من فعلهم.
- التبرك ببعض الأحجار، والمسكوكات، والمشغولات: كمن يقف عند الحجرة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام-، ويمسح بيديه ووجهه على الحاجز المعدني المجعول عليها، وهو حادث مصنوع، لم يكن في عهد النبي ﷺ، ولم يباشره. أو يعمد إلى بعض أبواب المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، ويتمسح بها، ثم يمسح على بدنه، أو يتخذ منديلًا يمسح به حلق الأبواب، والعتب والدرج، في المسجدين، ويحملها معه إلى بلده، يتبركون بها.
- التبرك بالحجر الأسود: ولا شك أن الحجر الأسود يسن استلامه، وتقبيله، والإشارة إليه، لكنه لا يتبرك بالتمسح به، وإنما هو كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لما قَبّل الحجر: "أما إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر،
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي (١/ ٢٣٦) ومسند إسحاق بن راهويه (٤/ ١٧٢) (١٩٥٨).
[ ١ / ١٦٠ ]
ولولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" (^١)، فالسنة: أن نمسح الحجر، ونقبله، ونستلمه، وليس من السنة أن نمسح وجوهنا وأبداننا.
وقد ذكر أبو شامة ﵀ في كتابه "البدع والحوادث"، طرفًا مما وقع فيه الناس في زمانه، في بلاد الشام، وغيرها، فقال: "وبهذه الطرق وأمثالها، كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا القسم أيضًا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان، والعمد، وسرح مواضع مخصومة في كل بلد، يحكى لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم، بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر، وحائط وحجر" (^٢).
كل هذا مما أدخله الشيطان على المسلمين، فصار هناك مشاهد، ومقامات، تقصد، وتشد إليها الرحال، وقد نهى النبي ﷺ أن تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.
واستدل المصنف ﵀: بقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٢].
فقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ استفهام إنكاري، كما يدل عليه السياق. ومعناها: أخبروني، وعبّر بالرؤية، لأن العلم بالشيء لا يكون إلا بعد رؤية، سواء كانت رؤية علمية، أو رؤية بصرية، فالإخبار ثمرة هذه الرؤية. والخطاب لمشركي العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ.
قوله: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قرأ الجمهور (اللات) بالتخفيف، وأما ابن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود برقم (١٥٩٧) ومسلم في الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف برقم (١٢٧٠).
(٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص: ٢٥ - ٢٦).
[ ١ / ١٦١ ]
عباس ومجاهد وجمع، فقرؤها بالتشديد (اللّات) (^١)، ف (اللات) بالتخفيف صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت، كانت في الطائف، وكانت تعبدها ثقيف وتعظمها، وتفتخر بها على قبائل العرب، فلما فتح الله تعالى على نبيه ﷺ الطائف، بعث بالمغيرة بن شعبة الثقفي، فأحرقها، وهدمها، ومحا أثرها (^٢). وأما (اللّات) بالتشديد، فرجل صالح، كان يلتُّ السويق، أي: يخلط الدقيق بالسمن، ويبذله للحجاج، أو للناس، فلما مات ذلك الرجل، عكفوا على قبره وعبدوه. قال بعض أهل العلم: لا منافاة بين المعنيين، فلعله كان يلت ذلك السويق، وينشره على تلك الصخرة البيضاء الملساء، فيطعم الناس، فلما مات عبدوا تلك الصخرة، التي كان يلتُّ عليها.
وأما العزى: فإنها عبارة عن ثلاث سمرات، عليها أستار، وكانت في وادي نخلة بين مكة والطائف، وكانت لقريش، وكانت تعظمها، حتى أن أبا سفيان يوم أحد قال: "لنا العزى، ولا عزى لكم" يفتخر بذلك، فقال النبي ﷺ: "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم" (^٣)، فشتان بين الفريقين، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقد بعث إليها النبي ﷺ خالد بن الوليد، فأمره بإتلافها، فأقبل عليها خالد بن الوليد، وحرقها، ثم رجع أدراجه، فأخبر النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "إنك لم تصنع شيئًا" فرجع خالد، فلما رآه السدنة، فروا، وصاروا ينادون: يا عزى! يا عزى!، فإذا امرأة سوداء، ناشرة شعرها، تحثو التراب على رأسها، فحمل عليها بالسيف، فقتلها (^٤)؛ ولعلها كانت شيطانةً متلبسة بهذه المرأة الموصوفة.
ف (اللات) تنطبق على الحجر، و(العزى) تنطبق على الشجر، ويقاس عليهما كل شجر وحجر، عُظِّما كذلك التعظيم.
قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (مناة): كانت في مكان يقال له:
_________________
(١) النشر في القراءات العشر (٢/ ٣٧٩).
(٢) السيرة النبوية لابن كثير (٤/ ٦١).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة أحد برقم (٣٠٣٩).
(٤) السنن الكبرى للنسائي برقم (١١٥٤٧).
[ ١ / ١٦٢ ]
المشلل، قريبًا من القديد بين مكة والمدينة، وكانت عبارة عن صنم تعبده هذيل وخزاعة، وبعض الأوس والخزرج، وكانوا يهلون للحج منها؛ قيل: إنها سميت مناة؛ لكثرة ما يمنى عندها من الدماء، أي: يراق. ووصفها بالثالثة من باب التحقير، أي: المتأخرة، الوضيعة الرتبة.
والمتأمل يجد أن هذه الألفاظ الثلاثة تأنيث لبعض أسماء الله الحسنى، إذ كان من إلحاد المشركين أن يسموا آلهتهم بأسماء لله مؤنثة:
١ - ف (اللات): مشتقة من الإله.
٢ - و(العزى): مشتقة من العزيز.
٣ - و(مناة) مشتقة من المنان،
وهذه الأصنام الثلاثة أشهر أصنام العرب، التي كانوا يعظمونها، حتى أنهم يقسمون بها، وينذرون لها، وينحرون عندها. ولديهم أصنام أخرى غيرها، كهبل، كما قال أبو سفيان يوم أحد: "اعل هبل" فقال: النبي ﷺ: "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلا وأجل" (^١)، وكالأصنام التي ذكرها الله تعالى في سورة نوح في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] وهذه كانت لقوم نوح، فطمرتها السيول، فنبشها عمرو بن لحي الخزاعي، وبثها في قبائل العرب، وصار لكل قبيلة في موضعها صنم، فلا يكاد يخلو حي من أحياء العرب إلا وعنده صنم يعبد. بل لقد كان في البيت الحرام ثلاثمائة وستون صنمًا! ودخل النبي ﷺ عام الفتح، وصار يطعنها بالرمح، وهي تتهاوى، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] (^٢). بل فعل النبي ﷺ ذلك حتى قبل الهجرة، حين أمكنه، فقد جاء في السيرة أن النبي ﷺ خرج ليلة ومعه علي بن أبي طالب، يستتران بالظلام، حتى رقيا على سطح الكعبة، وكان فوقها صنم من الأصنام، فألقياه، حتى تردى، وخرجا يستتران بالظلام (^٣).
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي برقم (٣/ ٢٣٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] برقم (٤٧٢٠).
(٣) المستدرك على الصحيحين للحاكم برقم (٤٢٦٥).
[ ١ / ١٦٣ ]
قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ استفهام إنكاري، أي: كيف تجعلون لله ما تكرهون، وتختارون لأنفسكم ما تحبون؟! كانوا في جاهليتهم يكرهون البنات، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩] فيجعلون لله البنات، ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون من البنين.
قوله: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أي: جائرة، لا عدل فيها ولا إنصاف.
قوله: ﴿إِنْ هِي إِلَا﴾ إذا جاءت (إن) وبعدها (إلا) دلت على الحصر. أي لا تعدو ذلك. قوله: ﴿إِلَا أَسْمَاءٌ﴾ أي: مجرد مسميات لا تغني من الحق شيئًا، ولا حقائق تحتها.
قوله: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ منها ما تابعوا فيه آباءهم الضالين، ومنها ما أحدثوه بأنفسهم قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: لا دليل لهم ولا حجة ولا برهان، على اتخاذها. قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: ما يتبعون إلا الظن، وهو التخرص. والظن أكذب الحديث. قوله: ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ الهوى نقيض الهدى. وفي هذا إشارة إلى نوعي الضلال:
- فمن الضلال ما يكون ناشئًا عن شبهة. وهو الظن والرجم بالغيب، والتخمين والخرص.
- ومنه: ما يكون ناشئًا عن شهوة، وحظ نفس، وملاحظة مصلحة دنيوية.
فعلى العبد أن يستعيذ بالله من كلا الضلالتين، من الشبهة المضلة، ومن الشهوة المزلَّة، ليسلم.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي: أن الله تعالى أقام عليهم الحجة، وبيّن لهم المحجة، لكنهم تنكبوا الطريق. و(الهدى) هو ما بعث الله تعالى به نبيه ﷺ من الدلائل الباهرات، والآيات البينات.
[ ١ / ١٦٤ ]
مناسبة الآيات للباب:
لكونها تضمنت ذكر اللات والعزى ومناة، واللات عبارة عن حجر، والعزى عبارة عن شجر، فطابق ترجمة الباب: "من تبرك بشجر أو حجر" أي: فقد أشرك.
وقد كان في زمن المصنف ﵀ فحل نخل، يقال له: (فحل الفحول)، وكان الناس في نجد يقصدونه، فتأتي المرأة التي لم تتزوج، فتطوف به، وتدعوه قائلةً: يا فحل الفحول، أعطني زوجًا قبل الحول، ويتبركون بذلك الفحل.
فلما مكّن الله تعالى للتوحيد على يدي الإمامين: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود، قطع ذلك الفحل، وهدمت قبة زيد بن الخطاب، التي كانت قريبة من العيينة؛ في منطقة اليمامة، وقضي على مظاهر الشرك (^١).
وقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ شديد التنبه لهذه الأمور، فلما رأى بعض الناس يختلفون إلى شجرة الحديبية، ويصلون عندها، أمر بأن تقطع (^٢)؛ لأن تلك الشجرة ليس لها مزية شرعية، ووقوع بيعة الرضوان تحتها موافقة عادية، قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. لكن ما أسرع ما دبت البدعة إلى النفوس، فزين الشيطان لبعض من كان في زمن عمر التبرك بها، فما بالك بمن بعدهم؟!
فوائد الآيات:
١ - أن التبرك بالأشجار والأحجار من الشرك؛ والمقصود طلب البركة منها، أما التبرك بما يخرج منها كشجرة الزيتون، بالأكل منها، والإدهان بزيتها، فسائغ، قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وكذلك التمر، فقد قال عنه النبي ﷺ: "نعم سحور المؤمن التمر" (^٣)، وقال: "من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم
_________________
(١) انظر مقدمة تاريخ ابن غنام المسمى (روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام)
(٢) أخبار مكة للفاكهي (٥/ ٤٨) (٢٨٧٦).
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الصوم، باب من سمى السحور الغداء برقم (٢٣٤٥) وصححه الألباني.
[ ١ / ١٦٥ ]
سم ولا سحر" (^١)، فهذا تبرك مشروع؛ لأنه تبرك بسبب حسي.
٢ - مشروعية مجادلة المشركين؛ لقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ فهذا أسلوب حجاج ومجادلة، فمن العقول ما تحتاج إلى مجادلة وتمحيص. كما دل عليه قول الله ﷿: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. فقد دلت على وسائل الدعوة، وأساليب الإقناع، وهي:
الحكمة: وهي الحجة والبرهان، بأن يأتي الإنسان بكلام مستقيم مقنع.
الموعظة الحسنة: وهو أن يستخدم المؤثرات القلبية والوجدانية.
المجادلة بالتي هي أحسن: وذلك إذا لم ينتفع المخاطب بالأسلوبين السابقين، فحينئذٍ ينتقل إلى تدقيق وتحقيق، وتزييف لحجج الخصم؛ ولهذا قال: ﴿وَجَادِلْهُم﴾ والمجادلة: مأخوذة من الجدْل والفتْل، وهو يدل على نوع معاناة، ولكن ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ لأن كثيرًا من المتجادلين يحملهم الجدل على نوع من الإساءة والتجريح، وخدش شعور المخاطب، فينبغي ألا يخرج الإنسان في حال الجدال عن حد الأدب، وعفة اللسان، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
٣ - ذم الظن والهوى، قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقال النبي ﷺ: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (^٢)، فعلى المسلم أن يعتمد على القين، أو على غلبة ظن، أما الظن الذي بمعنى الشك فهذا لا يعول عليه؛ لا في فهم العلم، ولا في معاملة الخلق، فإن كثيرًا من الناس يقع في الظلم بسبب سوء الظن؛ يخيل إليه أن فلانًا أمر بكذا، وقصد كذا، فيعامله وفق هذا الذي ألقاه الشيطان في قلبه، ثم يتبيّن له بعد حين أن ذلك من نسج الخيال، وأن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، باب العجوة برقم (٥٤٤٥) ومسلم في الأشربة، باب فضل تمر المدينة برقم (٢٠٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع برقم (٥١٤٣) ومسلم في البر والصلة، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس برقم (٢٥٦٣).
[ ١ / ١٦٦ ]
صاحبه بريء. وكذلك الهوى، فالهوى: ميل النفس إلى الباطل، قال الله تعالى لداود: ﴿يَا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] فالهوى مضل، فليسأل المسلم ربه كلمة الحق في الغضب والرضا.
٤ - أن الله تعالى قد أقام الحجة، وكشف الشبهة، وأتاهم بالبينة، فلا عذر لأحد، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
ثم قال المصنف ﵀:
عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، [الأعراف: ١٣٨]، لتركبن سنن من كان قبلكم" (^١)، رواه الترمذي، وصححه.
الشرح:
قوله: "عن أبي واقد الليثي" هو الحارث بن عوف الليثي، صحابي مشهور، كانت وفاته سنة (٦٨ هـ) وقد بلغ من العمر خمسًا وثمانين سنة.
قوله: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين" حنين: موضع المعركة التي خلدها الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] وقد قعت هذه المعركة بعد فتح مكة، في السنة الثامنة من الهجرة، حيث اجتمعت هوازن وثقيف وحشدت حشدًا عظيمًا، لمحاربة رسول الله ﷺ، فخرج إليهم ﷺ
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم برقم (٢١٨٠) وصححه الألباني.
[ ١ / ١٦٧ ]
باثني عشر ألفًا: عشرة آلاف قدموا مع النبي ﷺ من المدينة، وما حولها، وألفان من الطلقاء من أهل مكة، حتى قال قائلهم: "لن نغلب اليوم من قلة" فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] فقد كمنت هوازن لرسول الله ﷺ وأصحابه في وادٍ يقع شرقي مكة، على بعد بضعة عشر ميلًا منها، دون أن يشعر المسلمون، فهجموا عليهم، فانكشف الناس، وثبت رسول الله ﷺ، وليس معه إلا نفر القليل من المهاجرين والأنصار، فجعل النبي ﷺ ينادي: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (^١)، وقال: "أي عباس، ناد أصحاب السمرة"، فقال عباس: وكان رجلًا صيتًا، فقلتُ بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فو الله، لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها (^٢)، حتى فاؤوا إلى رسول الله ﷺ، ثم كانت الكرة للمسلمين.
قوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر" أي: أسلمنا عن قرب، ولم نتفقه بعدُ في الدين، وهذه الجملة جملة اعتذارية، قالها أبو واقد معتذرًا عما طلبوه من النبي ﷺ.
قوله: "وللمشركين سدرة يعكفون عندها" السدرة: نوع من الشجر معروف، ومعنى يعكفون: أي يقيمون ويمكثون عندها تعظيمًا لها. وهذا هو محل الشاهد من هذا الحديث للباب؛ لأن فيه ذكر السدرة التي يعكفون عندها.
قوله: "وينوطون بها أسلحتهم" أي: يعلقون بها أسلحتهم، تبركًا بها.
قوله: "يقال لها: ذات أنواط" جمع نوط، وهو مصدر سمي به المنوط، وهو المعلَّق، من سيف وغيره من الأسلحة، فلكثرة ما يعلق عليها من السلاح قيل لها: ذات أنواط، وهي لا تعدو أن تكون سدرة نبتت على وجه الأرض، أمثالها كثير، لكن أوحى إليهم الشيطان أن في تعليق أسلحتهم عليها بركة، واستفتاح بالنصر.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب من صف أصحابه عند الهزيمة، ونزل عن دابته واستنصر برقم (٢٩٣٠) ومسلم في الجهاد والسير، باب في غزوة حنين برقم (١٧٧٦).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين برقم (١٧٧٥).
[ ١ / ١٦٨ ]
قوله: "فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط" أي: طلب هؤلاء الحدثاء عهد بكفر، من النبي ﷺ محاكاة المشركين في عباداتهم، وعاداتهم، واعتقاداتهم؛ لأنه لم يتمكن الدين من قلوبهم، أن يضاهوا المشركين بسدرة مماثلة لسدرتهم.
قوله: "فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر" " وفي رواية عند الترمذي: "سبحان الله" (^١)، كبر النبي ﷺ أو سبّح تعجبًا من تسلل الشرك إلى نفوس بعض أصحابه، لكونهم حدثاء عهد بكفر، قوله: "إنها السنن" السنن: جمع سنة، وهي الطريقة، والعادة المتبعة.
قوله: "قلتم والذي نفسي بيده" هذا قسم النبي ﷺ المؤكد؛ إذ نفسه بيد الله ﷿؛ لكونه هو الذي يحيها ويميتها ويدبرها
قوله: "كما قالت بنو إسرائيل لموسى" إسرائيل هو يعقوب ﵇، و(إيل) عند اليهود بمعنى: الله، كما يقال: عبد الله. فيعقوب ﵇ هو الجد الأعلى لأسباط بني إسرائيل، وكان له اثنا عشر ولدًا، ومنهم تناسل الأسباط. وموسى، ﵇، نبيهم الأكبر. قوله: "اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة" كما أخبر تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩].
فهذا الطلب من الصحابة يشبه قول بني إسرائيل لموسى، وإن كان هناك فرق بين ما جرى لأصحاب محمد ﷺ، وما جرى لأصحاب موسى، فما جرى من بعض أصحاب محمد ﷺ من باب الشرك الأصغر، وما طلبه بنو إسرائيل من باب الشرك الأكبر، فدل على جواز الاستدلال بالآيات الدالة على الشرك الأكبر على مسائل الشرك الأصغر، وقد تقدم هذا المعنى.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم برقم (٢١٨٠) وصححه الألباني.
[ ١ / ١٦٩ ]
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة لقوله: "فمررنا بسدرة" فأرادوا التبرك بها، فبيّن لهم النبي ﷺ أن ذلك عين الشرك.
فوائد الحديث:
١ - أن التبرك بالأشجار والأحجار ونحوهما، من الشرك، كما هو نص ترجمة الباب.
٢ - أن حديث العهد بالشرك لا يؤمن عليه أن تبقى عنده بقية من شرك؛ ولهذا ينبغي التنبيه على مسألة مهمة، وهي أن بعض المسلمين، أحيانًا، لفرحهم باعتناق بعض المشاهير، من مفكرين، وساسة، وقساوسة، وإعلاميين للإسلام، يُقدِّمونهم، ويُصدِّرونهم، من باب الاحتفاء بهم، حتى يظن العامة أن هؤلاء صاروا أئمة في الدين، فتُجرى معهم المقابلات، ويخوضون في أمور لا يحسنونها، ولمَّ يدخل الإيمان في قلوبهم، بسبب حداثة عهدهم بالكفر، قبل أن يتفقهوا في الدين، وينشأ عن ذلك خلط، ولغط، وخطأ. والواجب أولًا: تعليمه أمور الدين، حتى إذا امتلأ قلبه بالإيمان، وتفقه في الدين، حينئذٍ يمكن أن يتكلم، وأن يُصدَّر؛ ولهذا أمثلة يطول المقام بذكرها، لكن في الإشارة ما يغني عن العبارة.
٣ - أن تعظيم الأشجار والأحجار، والعكوف عندها، سبب لوقوع الشرك؛ فلا يجوز العكوف عند المشاهد؛ وقد قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، حتى عند القيام على القبور، لا ينبغي أن يطيل الإنسان إطالة ملفتة، وأما قول عمرو بن العاص ﵁: "ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ما ذا أراجع به رسل ربي" (^١)، فهذا اجتهاد منه، وليس حديثًا مرفوعًا، فلا يصح المكث الطويل عند القبر، لا بعد الدفن، ولا عند الزيارة، بل يكتفي الإنسان بالسلام
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج برقم (١٢١).
[ ١ / ١٧٠ ]
على عموم أهل المقابر، ولو شاء أن يقصد قبرًا بعينه، فلا حرج أن يقوم عليه، ويدعو له، ثم ينصرف، ولا يطيل المكث والعكوف؛ لأن هذا قد يفضي إلى أمر مذموم.
٤ - أن مبدأ البدع، والشرك، ربما كان ناتجًا عن حسن نية، فهؤلاء قالوا: "يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط" ولم يقصدوا الشرك، وإنما زُين لهم أن هذا عمل حسن.
٥ - أن الشرك يمكن أن يقع في أمة محمد ﷺ؛ لقول النبي ﷺ: "الله أكبر، إنها السنن، لتركبن سن من كان قبلكم". فقول بعض المبتدعة: أمة محمد بمعزل عن الشرك، قول باطل، فقد أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة سيقع فيها الشرك، كقوله: "ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان" (^١)، وشواهد هذا كثيرة.
٦ - عَلَم من أعلام النبوة؛ لوقوع الشرك، كما أخبر النبي ﷺ.
٧ - النهي عن التشبه باليهود والنصارى والمشركين؛ في عباداتهم، وعاداتهم، وأخلاقهم السيئة.
٨ - شدة نصح النبي ﷺ لأمته، وشفقته عليهم.
٩ - أنه ينبغي للإنسان إذا تعجب من شيء أن يكبر، أو يسبح؛ ولا يصفق.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم.
وهي قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] وقد تقدم بيانها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في باب ذكر الفتن ودلائلها، باب ذكر الفتن ودلائلها برقم (٤٢٥٢) وصححه الألباني.
[ ١ / ١٧١ ]
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
أراد بذلك ما جرى في قصة أبي واقد الليثي، بطلبهم من النبي ﷺ أن يجعل لهم سدرة؛ ليتبركوا بها، فقصدوا البركة، ولم يقصدوا العبادة، ومع هذا أنكر عليهم، وأخبر أنهم شابهوا بني إسرائيل.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
أي: أصحاب النبي ﷺ طلبوا ولم يفعلوا، ولم يقع ذلك منهم، فإن النبي ﷺ حال بينهم وبين الوقوع في هذا الشرك الأصغر.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك؛ لظنهم أنه يحبه.
أي: أن الذي حملهم على ذلك ليس إرادة الشرك، أو محادة الله ﷿، وإنما اعتقاد صواب هذا الأمر، ومحبة الله تعالى له، وهذا عين ما يقع من كثير من الجهال، حينما يُحدثون في دين الله، فيفعلون أفعالًا يظنون أنها تقربهم إلى الله، وهي لا تزيدهم من الله إلا بُعدًا.
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا؛ فغيرهم أولى بالجهل.
أي: إذا كان بعض أصحاب النبي ﷺ جهلوا حكم هذه المسألة، فجهل غيرهم ممن يأتي بعدهم من باب أولى.
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
هذا من المصنف ﵀ اعتذار للصحابة الكرام، الذين وقع منهم هذا الطلب، ولم يفعلوه، وهو أن لهم من الحسنات الماحية، والسوابق الفاضلة، ما يغمر هذا الخطأ؛ إذ أنهم جاهدوا مع النبي ﷺ، وبذلوا دماءهم وأموالهم، لكن أنَّى لمن وقع منهم ذلك؟! وأنى لهم بحسنات ماحية، تمحو ما يقع منهم من الشرك؟!
[ ١ / ١٧٢ ]
السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم الأمر؛ بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سَنَن من كان قبلكم" فغلّظ الأمر بهذه الثلاث.
مراد المصنف ﵀ بقوله: "إن النبي ﷺ لم يعذرهم" أي: لم يقرهم على ما فعلوا، وإنما أنكر عليهم، وأغلظ في النكير، فقال: "الله أكبر! " وفي رواية: "سبحان الله! إنها السنن؛ لتركبن سنن من كان قبلكم" فالنبي ﷺ أنكر عليهم بهذه الطرائق: كبر أو سبح، وأخبر بأن هذا من السنن، وأنهم ركبوا ما ركب غيرهم من أهل الكتاب، ففي هذا عدم إقرار منه على هذا القصد، فضلًا عن العمل.
الثامنة: الأمر الكبير -وهو المقصود-: أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل؛ لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨].
سماه الشيخ كبيرًا لمشابهته لطلب بني إسرائيل، الذين طلبوا من موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهًا، كما للمشركين آلهة، وهذا أمر عظيم مستفظع، حيث قال موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فالنبي ﷺ نظّر بين مقالة الصحابة، حدثاء العهد بالكفر، ومقالة أصحاب موسى، مع وجود الفارق؛ إذ أن أصحاب محمد ﷺ طلبوا ما فيه شرك أصغر، بينما طلب أصحاب موسى ما فيه شرك أكبر.
التاسعة: أن نفي هذا من معنى: "لا إله إلا الله"، مع دقته وخفائه على أولئك.
نفي هذا ومنعه هو مقتضى: لا إله إلا الله؛ إذ أن معنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، وتعلق هذا التبرك بالتوحيد أمر قد يخفى؛ لأنه دقيق، فلا يتاح لكل أحد أن يدرك أن التبرك بالشجر والحجر ينافي مقتضى: لا إله إلا الله، إذ لا يربط بعض الناس بين مسألة التبرك بالشجر والحجر، وكلمة التوحيد، لكن النبي ﷺ عد ذلك من مقتضاها وفروعها. ولهذا جعل المصنف هذا الباب وأمثاله شرحًا عمليًا لتفسير التوحيد والشهادة.
[ ١ / ١٧٣ ]
العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
وقد تقدمت هذه المسألة فيما مضى، في قوله: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم"، وهنا أيضًا، حلف ﷺ على الفتيا، حيث أتى بواو القسم، فقال: "قلتم والذي نفسي بيده" فيجوز الحلف على الفتيا من باب التأكيد. أما أن يحلف الإنسان على كل شيء فهذا خطأ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فينبغي للإنسان أن يحفظ يمينه، فلا يبذلها في كل شيء، وإنما لأمر عظيم، وألا يحنث فيها إلا لمصلحة.
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا.
هذه أيضًا فائدة جليلة، ومسألة مفيدة، وهو أن الشرك منه أصغر، وأكبر، وقد اختلف
العلماء في التفريق بين الأصغر والأكبر، فمنهم من جعل الشرك الأصغر ما يكون وسيلة إلى الأكبر، ومنهم من جعل الشرك الأصغر هو ما يتعلق بالألفاظ، وبعض الأفعال التي لا تبلغ حد الأكبر.
الثانية عشرة: قولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر" فيه: أن غيرهم لا يجهل ذلك.
أي: أن هذا الذي جرى من الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يعني أنه جرى منهم جميعًا، وإنما جرى من بعضهم، وهم الطلقاء، الذين أسلموا عام الفتح، وأما أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا معه من المهاجرين والأنصار، فحاشا وكلا أن يقع منهم ذلك.
الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافًا لمن كرهه.
أشار المصنف ﵀ إلى أن هناك من كره التكبير عند التعجب، إلا أن الحديث دليل على مشروعيته عند التعجب، فليكبر الإنسان إذا تعجب من شيء. والإنسان قد يتعجب من شيء استحسانًا له، وقد يتعجب من شيء إنكارًا له، وعلى كل الحالين ينبغي أن يكبر، أو أن يسبح.
[ ١ / ١٧٤ ]
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
"سد الذرائع: أصل معتبر في الاستدلال، دلت نصوص الشريعة على اعتباره، والذرائع: الوسائل والطرق المفضية إلى حصول شيء من الأشياء، وهي نوعان: حسنة، وفاسدة. فالذي يُسَد هو الذرائع الفاسدة، وأما الذرائع الحسنة فإنها تُستجلب، فكل ذريعة حسنة، توصل إلى أمر حسن، لا تخالف نصًا، فهي مستحبة، فهذا اللاقط الذي يلقط الصوت ويكبره، وهذه الأجهزة التي تبث الدروس إلى أماكن بعيدة من الذرائع الحسنة التي ينبغي أن تُتخذ، ويُفرح بها، ويُستفاد منها. وثم ذرائع فاسدة توصل إلى أمر فاسد، فمثلًا: اختلاط الرجال بالنساء، من الذرائع الفاسدة التي تفضي إلى المعاصي، والوقوع في الفاحشة، فكل ذريعة توصل إلى مفسدة، فإنه ينبغي سدها. وعلينا ألا نهون من هذا الباب (باب سد الذرائع) بل ينبغي لنا أن نتحقق من كونه ذريعة أم لا؛ فلا نضيق على الناس في أمر لهم فيه سعة، بدعوى سد الذرائع، والأصل في دين الإسلام: أنه الحنيفية السمحة. كما لا نلغي الذرائع، وندع الباب مفتوحًا على مصراعيه، بدعوى عدم ورود نص معين بخصوص المسألة الموصلة إلى المفسدة.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتبركون بهذه الأشجار، ويخلعون عليها ألقابًا، كقولهم: ذات أنواط، لشجرة معروفة، مقصودة، يذهبون إليها، فنحن منهيون التشبه بهم بمثل هذا الأمر.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
هذا الغضب يتناسب مع المقام، فمن المقامات ما يكون مقام تعليم ابتدائي، بمعنى أن المعلم يبتدئ الطلبة بالتعليم، فهذا لا يتطلب غضبًا، ومن التعليم ما يكون رد فعل لأمر طرأ، ثم هذا الأمر الذي طرأ منه ما يستوجب الغضب؛ وذلك لكون الأمر عظيمًا، أو سبق تقريره، فإذا وقع فيه من وقع استدعى ذلك غضب المعلم، ومن الأمور ما يكون دون ذلك، فلا يستدعي
[ ١ / ١٧٥ ]
الغضب. فينبغي أن يتناسب الغضب مع الحال. وظهور الغضب على المعلم في بعض الأحوال له أثر تربوي في تعظيم الشيء؛ لأنه إذا ظهر عليه التأثر والانفعال، فإنه يقع في قلوب المتعلمين أن هذا الأمر جلل، يستحق التعظيم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: "إنها السنن".
القاعدة الكلية هو ما أخبر به النبي ﷺ بقوله: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه" (^١)، والمقصود: أن سنة الله تعالى جارية، وعادته في خلقه مطردة، وهو أن هذه الأمة تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، ولكن وجود هذه السنن لا يسوغ إقرار المنكر، وعدم إنكاره. ومن الناس من يتذرع بالقدر والسنن الكونية للتنصل من الواجبات الشرعية، فإذا علم بوقوع شيء من الشرك، قال: هذا أمر طبيعي، قد أخبر به النبي ﷺ أنه سيقع! نعم، هو طبيعي من الناحية القدرية، لكنه ليس طبيعيًا من الناحية الشرعية، فيجب إنكار المنكر، وتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وألا يُحتج بالقدر على تسويغ المعاصي والمنكرات، بل الواجب العمل بالشرع، وأما القدر فنكله إلى مقدره سبحانه وبحمده.
الثامنة عشرة: أن هذا عَلَم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر.
أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، فلما وقع ذلك، وحصل هذا الموقف كان علمًا من أعلام النبوة أن وقع وفق ما قال، وما أكثر ما أخبر به النبي ﷺ ووقع كما أخبر.
التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
هذه المسألة تحتاج إلى توجيه وبيان؛ فقد يُفهم من هذه الجملة، بادي الرأي، أن كل الذم الذي وقع على اليهود والنصارى فهو ذم لنا، وليس هذا مراده ﵀، فإن هذه الأمة أكرم الأمم على الله ﷿؛ وهي خير أمة أخرجت
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٤٥٦) ومسلم في العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى برقم (٢٦٦٩).
[ ١ / ١٧٦ ]
للناس، وهي ثلثا أهل الجنة، كما في الحديث: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم" (^١)، والمقصود: أن جميع الأفعال التي ذمها الله في حق اليهود والنصارى، فهي مذمومة في حقنا، فيجب أن نتقيها وندعها، لا أن ذلك وصف لنا.
العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر؛ أما من ربك؟ فواضح، وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٣٨] … إلى آخره.
هذه فائدة دقيقة من استنباطات المصنف ﵀، وهي أنه متقرر عند الصحابة -رضوان الله عليهم- أن أمور الدين مبناها على الدليل؛ لأنهم قالوا للنبي ﷺ: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فهذا الطلب منهم يدل على أنهم قد تقرر عندهم أنه لا سبيل لاعتماد عبادة من العبادات إلا عن طريق النبي ﷺ، فهم لم يعمدوا إلى هذه الشجرة، ويعلقوا عليها أسلحتهم، حتى يحصلوا على إذن شرعي، وتأييد نبوي، فهذا يدل على أنه قد استقر في قلوبهم أن التعبد لله لا بد أن يكون عن طريق رسوله ﷺ؛ فصار ذلك دليلًا على مسائل القبر الثلاثة. فأما قوله: "من ربك؟ " فواضح؛ لأن كل عمل لا بد فيه من الإخلاص لله تعالى، وأما "من نبيك؟ " فلما فيه من دلائل النبوة، حيث دل هذا الحديث على إخباره ﷺ بأمور مغيبة، فوقعت وفق ما أخبر به، وأما "ما دينك؟ " فلكونهم سألوا عما يتعبدون الله تعالى به، وطلبوا أن يقروا على ذلك؛ ولهذا جاء في أسئلة القبر، في بعض الروايات، كما في حديث البراء بن عازب: أنه إذا سأله عن هذه المسائل، قال: "وما علمك بذلك؟ " يعني: ما دليلك على هذا الأمر؟ فيقول: "قرأتُ كتاب الله، فآمنتُ به، وصدقتُ" (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ برقم (٤٢٨٩) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر برقم (٤٧٥٣) وصححه الألباني.
[ ١ / ١٧٧ ]
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة، كسنة المشركين.
المقصود بسنتهم: طريقتهم التي خرجوا بها عن ملة إبراهيم، مما أحدثوه في دينهم من البدع والمخالفات، فهي مذمومة، كما أن سنة المشركين مذمومة، فلما طلب أصحاب النبي ﷺ الذين هم حدثاء عهد بالكفر، أمرًا كان أهل الجاهلية من مشركي العرب يفعلونه، استدل عليه النبي ﷺ بصنيع اليهود من بني إسرائيل، لا بصنيع المشركين، فدل على أن ذم أهل الكتاب كذم المشركين، فيما خالفوا فيه الحق.
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه، لا يُؤْمَن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر".
المنتقل من الباطل إلى الهدى، قد يبقى فيه بقية؛ ولهذا قلنا: لا ينبغي أن يصدر، ولا يقدم، ولا تفسح له الأماكن، لتوجيه الناس، حتى يصفو قلبه، ويفقه في دين الله. وقريب -من ذلك ما يفعله بعض الدعاة، حينما يهتدي على أيديهم شخص من الأشخاص، الذين كانوا من أهل الغواية، فيقدمونهم للكلام والبيان، ويدعونهم إلى إلقاء الكلمات، فهذا ليس صوابًا، فلا ينبغي أن يتقدم، حتى يتمكن من دين الله، ويحصل له من الفقه والعلم ما يؤهله لذلك، أما أن يدفع به ليقول ما هب ودب، من غير تمييز، فهذا مسلكًا شرعيًا.
[ ١ / ١٧٨ ]