وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [سورة الرعد: ٣٠].
وفي صحيح البخاري قال علي: "حدِّثُوا الناسَ بما يَعْرِفُون، أَتُرِيدُون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟! " (^١).
وروى عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس: أنه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي ﷺ في الصفات، استنكارًا لذلك، فقال: "ما فرق هؤلاء؟! يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه" انتهى (^٢).
ولما سمعتْ قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ (^٣).
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: من جحد شيئًا من الأسماء والصفات" الجحد: الإنكار والنفي، والجحد: تارة يكون بالرد الصريح، وتارة يكون بالتحريف. فمراد المصنف ﵀ في هذا أن يُبيّن حكم من جحد شيئًا من الأسماء والصفات.
ولله أسماء حسنى: وقد ذكر ذلك في أربعة مواضع من كتابه فقال: ﴿وَلِلَّهِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا برقم (١٢٧).
(٢) مصنف عبد الرزاق برقم (٢٠٨٩٥) والسنة لابن أبي عاصم برقم (٤٨٥).
(٣) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (٢٠٣٩٨).
[ ٢ / ٥٥٢ ]
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] وكذا قال في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤].
فالله ﷾ سمى نفسه بأسماء بلغت في الحسن غايته، وذلك معنى قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] فهو السميع، وله من السمع أعلاه، وهو البصير، وله من البصر أعلاه، وهو القوي، وله من القوة أعلاها، وهكذا بقية الأسماء. وهذه الأسماء منها ما نعلمه، ومنها ما لا نعلمه؛ لقوله ﷺ في دعاء الكرب: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (^١)، فدل ذلك على أن لله تعالى أسماءً لا نعلمها، قد استأثر بها سبحانه، أو اختص بها بعض خلقه، ولكن الله تعالى أعلمنا منها ما شاء؛ ولهذا قال النبي ﷺ: "إنّ لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة" (^٢)، وهذه الأسماء الحسنى مبثوثة في الكتاب والسنة، وقد انتدب العلماء قديمًا، وحديثًا، إلى استنباطها من نصوص الوحيين.
ولله تعالى صفات عليا: فإن كل اسم يتضمن صفة، ولا يكون للاسم فائدة ما لم يتضمن صفة، فالسميع يدل على السمع، والبصير يدل على البصر، والقوي يدل على القوة، والعزيز يدل على العزة، والدليل على هذا أن الله تعالى أضاف الصفة إلى نفسه، فقال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وقال: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] فما من اسم من أسماء الله إلا وهو متضمن لصفة كمال.
لكن الصفات لا يلزم أن تتضمن أسماء: لأن باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فكل اسم يدل على صفة، وليس كل صفة تدل على اسم، فمن صفاته تعالى الإرادة، وليس من أسمائه المريد، ومن صفاته المجيء، وليس من
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٣٧١٢) وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف".
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار … برقم (٢٧٣٦) ومسلم في الذكر كتاب والدعاء والتوبة، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها برقم (٢٦٧٧).
[ ٢ / ٥٥٣ ]
أسمائه الجائي، ومن صفاته المشيئة، وليس من أسمائه الشائي، وهكذا. والواجب على المؤمنين أن يثبتوا ما أثبت الله تعالى لنفسه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وأن لا يتعرضوا لها بأي نوع من أنواع التحريف، والتعطيل، والتكييف، والتمثيل، بل يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له نبيه ﷺ وينفون ما نفاه الله عن نفسه، ونفاه عنه نبيه ﷺ، إثباتًا بلا تمثيل، وينزهون تنزيهًا بلا تعطيل.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ظاهرة، وذلك إن التوحيد، كما قدمنا أول الكتاب، ثلاثة أنواع:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - وتوحيد الألوهية.
٣ - وتوحيد الأسماء والصفات.
فهذا الباب متعلق بالنوع الثالث، على أن حصته في هذا الكتاب قليلة؛ إذ عامة ما فيه يتعلق بتوحيد العبادة (توحيد الألوهية).
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ﴾ أي: كفار قريش، وما شاكلهم من مشركي العرب.
قوله: ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: يجحدون هذا الاسم، لا أنهم ينكرون وجود الله؛ لأنهم يقرون بوجود الله، ويثبتون له أيضًا بعض الأسماء، كالعزيز، والعليم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، لكنهم أنكروا بعضها ومما أنكروه هذا الاسم (الرحمن) كما سيأتي في الأثر. وهو اسم من أسماء الله الحسنى، دال على اتصافه بصفة الرحمة، والفرق بينه وبين (الرحيم):
- أن (الرحمن) يدل على اتصاف الله بصفة الرحمة اتصافًا ذاتيًا. والرحيم يدل على اتصافه بصفة الرحمة اتصافًا فعليًا، فهو يدل على الرحمة الواصلة،
- أن (الرحمن) يدل على الرحمة العامة، كما قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فهو يدل على الرحمة الواسعة والرحيم يدل على الرحمة الخاصة، كما قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فهو
[ ٢ / ٥٥٤ ]
يدل على الرحمة الواصلة. ويقرن الله تعالى بينهما كثيرًا، كما في البسملة التي تفتتح بها السور. وتتمة هذه الآية:
قوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي: الرحمن الذي أنكرتموه.
قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق إلا هو.
قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ قدم الجار والمجرور ليدل على الاختصاص، أي: لا على غيره. والتوكل: اعتماد القلب على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، مع فعل الأسباب الموصلة إلى ذلك قوله: ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: إلى الرحمن مرجعي وتوبتي.
مسألة الاسم والمسمى:
مسألة أحدثها المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وهي هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ فكان لا بد من البيان. فلا يقال: الاسم هو المسمى، ولا غير المسمى، بل نستفصل:
قال شارح الطحاوية: (وَطَالَمَا غَلِطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَجَهِلُوا الصَّوَابَ فِيهِ؛ فَالِاسْمُ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى تارة، ويراد بِهِ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ أُخْرَى، فَإِذَا قُلْتَ: قَالَ اللَّهُ كَذَا، أَوْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا الْمُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى نَفْسُهُ، وَإِذَا قُلْتَ: اللَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ، وَالرَّحْمَنُ اسم عربي، والرحيم مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَالِاسْمُ ها هنا هو المراد، لا المسمى، وَلَا يُقَالُ غَيْرُهُ، لِمَا فِي لَفْظِ الْغَيْرِ مِنَ الْإِجْمَالِ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمُغَايَرَةِ أَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ الْمَعْنَى فَحَقٌّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ وَلَا اسْمَ لَهُ، حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً، أَوْ حَتَّى سَمَّاهُ خَلْقُهُ بِأَسْمَاءٍ مِنْ صُنْعِهِمْ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الضَّلَالِ وَالْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى) (^١)
فالمعتزلة تقول: الاسم غير المسمى، لاعتقادهم أن الصفات المضافة إلى الله مخلوقة، بناءً على أصلهم الفاسد بعدم قيام صفة ثبوتية في الله، وأن
_________________
(١) (شرح الطحاوية - ط دار السلام (ص: ١٢٧)
[ ٢ / ٥٥٥ ]
أسماء الله تعالى أعلام محضة لا تدل على وصف ثبوتي لله. والأشاعرة تقول: الاسم هو المسمى لاقتصارهم على إثبات الصفات الذاتية المعنوية لله، وإنكارهم الصفات الفعلية. فلا نُسلِّم لهؤلاء، ولا هؤلاء بذلك، بل نقول: الاسم للمسمى، ولا نقول: الاسم هو المسمى، ولا الاسم غير المسمى. فإذا قصدنا الذات فالاسم الدال عليه هو المسمى، وإذا قصدنا اللفظ نفسه، فالاسم غير المسمى، كما لو قلت: الرحمن: اسم من أسماء الله، تريد بذلك اللفظ، فهو غير ذات الله ﷿. والحاصل: أنه لا بد من التفصيل في هذه المسائل المحدثة؛ ولهذا قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: "ثم حدث في دهرنا هذا حماقات، خاض فيها أهل الجهل والغباء، ونوكى الأمة والرعاع، يتعب إحصاؤها، ويمل تعدادها، فيها القول في اسم الشيء أهو هو أم هو غيره؟ " (^١).
مناسبة الآية للباب:
مطابقة للترجمة، لما فيها من الإنكار على من جحد اسم الرحمن، وكذلك بقية الأسماء والصفات.
فوائد الآية:
١ - أن من جحد شيئًا من الأسماء والصفات، بعد البينة، وإقامة الدليل، فإنه يكفر.
٢ - وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته.
٣ - وجوب توحيده سبحانه.
٤ - وجوب التوكل عليه.
٥ - وجوب التوبة إليه سبحانه.
٦ - أن أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف: أعلام باعتبار دلالتها على ذاته سبحانه، وأوصاف باعتبار أن كل اسم يدل على صفة مستقلة، تميزه عن غيره، فالسميع، غير البصير، والبصير غير العليم، والعليم غير القدير، من حيث تميز كل اسم منها بمعنى مستقل. فإذا قيل: هل أسماء الله الحسنى مترادفة أو متغايرة؟
_________________
(١) صريح السنة للطبري (ص: ١٧).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
فيقال: هي مترادفة باعتبار دلالتها على الذات، ومغايرة باعتبار استقلال كل اسم منها بمعنى يخصه. فجميع الأسماء الحسنى دالة على ذات الله، فالله هو السميع، وهو البصير، وهو العليم، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السورة، فكل هذه الأسماء الحسنى ترجع إلى اسم "الله"، فبهذا الاعتبار دلالتها على الذات مترادفة. أما باعتبار اختصاص كل اسم بمعنى يميزه عن غيره فهي متغايرة ومتباينة، فالسميع يدل على السمع، والبصير يدل على البصر، والعليم يدل على العلم، والقدير يدل على القدرة، وهكذا، خلافًا للمعتزلة القائلين: أسماء الله أعلام محضة، تدل على ذات الله، ولا تدل على صفات. ومذهبهم ظاهر البطلان.
٧ - اختصاص الله ﷿ بهذا الاسم الشريف (الرحمن)، فلا يجوز إطلاقه على غيره، لما يدل عليه من طلاقة الرحمة وغايتها. ومن أسماء الله الحسنى -بل أكثرها- ما يجوز إطلاقه على المخلوق، باعتبار أن ما لله يليق به، وما للمخلوق يليق به، فمثلًا قول الله ﷿: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١] فسمى خلقًا من خلقه العزيز، مع أنّ العزيز من أسماء الله الحسنى، وقال سبحانه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] فوصف خلقًا من خلقه بالعظم، مع أنه سبحانه هو العظيم، وسمى بعض عباده بالملك، فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ [يوسف: ٤٣] مع أن الله تعالى هو الملك، فدل ذلك على جواز تسمية المخلوق باسمٍ يُسمى به الله، لكن على اعتبار أن ما لله يليق به، هو المثل الأعلى، وما للمخلوق يليق به، وهو المثل الأدنى.
ومن الأسماء الحسنى ما لا يجوز إطلاقه على غير الله، مثل اسم (الله)؛ ولهذا أبطل الله ألوهية كل آلهة مدعاة، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَة﴾ [الأنبياء: ٢٤]. ومما يختص الله تعالى به أيضًا اسمه (الرحمن) لأنه يدل على طلاقة الرحمة وسعتها وشمولها، فلا يجوز أن يتسمى إنسان بالرحمن، ويجوز أن يتسمى إنسان بالرحيم، كما قال الله عن نبيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ [التوبة: ١٢٨]. ولا يجوز أن يُسمى غيره بالمتكبر؛ لأن المتكبر هو الله، ولا يصدق على سواه.
٨ - كفر الجهمية الذين أنكروا أسماء الله وصفاته؛ فإذا كان المشركون قد كفروا بإنكار اسم واحد هو (الرحمن) فكيف بالجهمية الذين أنكروا جميع
[ ٢ / ٥٥٧ ]
أسماء الله الحسنى، وزعموا أن الأسماء الحسنى اصطنعها الناس، وأطلقوها على الله ﷿ تعالى الله عما يقولون. وقد أجمع السلف على تكفير الجهمية - وإن كانوا قد اختلفوا في تكفير المعتزلة- لشناعة مقالتهم، وأنه ليس لهم تأويل سائغ، كما قال ابن القيم ﵀:
فَهُمُ بِذَا جَهْمِيةٌ أَهْلُ اعتِزَالٍ … ثَوْبُهمْ أَضْحَى لَهُ عَلَمَانِ
وَلَقَدْ تَقَلَّدَ كُفْرُهُم خَمْسُونَ فِي … عَشْرٍ مِنْ الْعلمَاء فِي الْبلدَانِ (^١).
ثم قال المصنف ﵀:
"وفي صحيح البخاري: قال علي" هو علي بن أبي طالب ﵁. هذا الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب العلم، في باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا (^٢). و(كتاب العلم) في صحيح البخاري كتاب حافل، ينبغي لكل طالب علم أن يقرأه، ويستشرحه، لتضمنه مسائل متعلقة بالعلم، وآدابه، وطرقه.
قوله: "حدثوا الناس بما يعرفون" أي: بما يفهمون، فعلي ﵁ كأنما خاطب بهذا قومًا من القصاص أو الوعاظ الذين يحدثون الناس بأمور مشتبهة، فنهاهم عن مبادأة الناس بأمور مشكلة، ولكن يحدثونهم بما أنزل الله في كتابه، وما قاله رسوله، فكل ما أنزله الله، وقاله رسوله فهو بيّن واضح؛ لأن الله وصف كتابه بأنه ﴿مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] و﴿تِبْيَانًا﴾ [النحل: ٨٩] و﴿بَيَانٌ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، فهو -بحمد الله- واضح، فلا يُترك الواضح، ويُؤتى المشتبه؛ من الإسرائيليات، والمسائل المشكلة، وإنما يوعظون، ويقص عليهم بناطق الكتاب، والآثار الصحيحة، وعلل ذلك بتعليل مقنع؛ وهو أن تحديثهم بما ينكرون، مدعاة إلى تكذيب الله ورسوله. وهذه مفسدة عظيمة.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لأن التحديث أو الإخبار بالغرائب والمتشابهات، سبب للتكذيب بأسماء الله وصفاته.
_________________
(١) متن القصيدة النونية (٢/ ٣٩).
(٢) صحيح البخاري (١/ ٣٧).
[ ٢ / ٥٥٨ ]
فوائد الأثر:
١ - تجنب ذكر بعض أبواب العلم إذا خشي حصول مفسدة، وله أسباب متعددة، منها قصور الفهم، كما في هذا الأثر. ومنها توقع ضرر من جرائها؛ ولهذا كره بعض السلف أن يُحدَث الحجاجُ بحديث العرنيين؛ لأن فيه تعزيرًا بليغًا، لما استاقوا الإبل ونهبوها، وقتلوا الراعي، فسمل النبي ﷺ أعينهم، وألقاهم في الرمضاء؛ يستقون فلا يسقون (^١)، فأغلظ عليهم في العقوبة، فلا يُحدث الظالم الغشوم بمثل هذا الحديث؛ لأنه يحمله على مزيد من الظلم، لظنه أن هذا يؤيد طريقته، فلا بد للواعظ الحكيم أن يراعي الأحوال.
٢ - أن ظهور القُصّاص والوعاظ قديم في الأمة؛ وهؤلاء يحصل بوعظهم ترقيق القلوب، ولكن ينبغي أن يُرشَدوا ويُوجهوا إلى العظة بموعظة الكتاب والسنة، وتجنب ذكر الأحاديث الضعيفة، والقصص المشكلة، فإذا وقع أحدهم في شيء من هذا بُيِّن له الحق، ولم يمنع من الموعظة الحسنة.
٣ - التحذير من البدع وما تفضي إليه.
قال المصنف ﵀:
"وروى عبد الرزاق" عبد الرزاق بن همام الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، مات سنة إحدى عشرة ومائتين ﵀.
قوله: "عن معمر" هو معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري، ثقة، ثبت، فاضل. سكن اليمن، ومات سنة أربع وخمسين ومائة ﵀=.
قوله: "عن ابن طاوس" هو عبد الله بن طاوس اليماني، أبو محمد، ثقة، فاضل، عابد. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة ﵀.
"عن أبيه" طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري، مولاهم، ثقة، فقيه، فاضل. مات سنة ست ومائة ﵀
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب لم يحسم النبي ﷺ المحاربين من أهل الردة حتى هلكوا برقم (٦٨٠٣) ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين برقم (١٦٧١).
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قوله: "عن ابن عباس ﵄ أنه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديث عن النبي ﷺ في الصفات استنكارًا لذلك" أي: حدّث ابن عباس ﵄ بحديث من أحاديث الصفات الخبرية؛ كذكر الوجه، أو اليدين، أو العينين، أو القدم، أو الساق، فانتفض هذا الرجل لما سمع هذا الحديث استنكارًا لذلك؛ لأنه تبادر إلى ذهنه التمثيل. فالعلة ليست في النص، وإنما في عقله، حيث ظن أن النص يدل على التشبيه، فانتفض استنكارًا لذلك. قوله: "ما فرق هؤلاء؟! " الفرق هو الخوف، أي: ما سبب هذه الرعدة والانتفاضة؟ وهذا استفهام استنكاري لحال هذا الرجل.
قوله: "يجدون رقة عند محكمه" أي: لينًا، وقبولًا، عند الأمور المحكمة الواضحة.
قوله: "ويهلكون عند متشابهه" أي ما يشتبه عليهم منه، كمن وصفهم الله في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. فهذا الرجل الذي انتفض، اتبع المتشابه، حيث ظن أن ذكر الصفات يقتضي التمثيل والتشبيه، والأمر ليس كذلك. وكان الواجب عليه إذا اشتبه عليه شيء، أن يرد المتشابه إلى المحكم، ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فهذا نص محكم، فكل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، أو أخبر به نبيه ﷺ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكون على وجه التمثيل. فالواجب أن نثبت إثباتًا بلا تمثيل، وننزه الله تنزيهًا بلا تعطيل، ولا نبالغ في الإثبات فنقع في التمثيل. كما ننزه الله تعالى عن النقائص، والعيوب، ومماثلة المخلوقين، ولا نبالغ في التنزيه فنقع في التعطيل، بل نتوسط، ونقبل هذه النصوص الثابتة الصحيحة، ونؤمن بما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله، وننفي التمثيل والتعطيل؛ لأن الممثل يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا، والمؤمن الحنيف يعبد الله الحي الذي لا يموت، الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لإنكار ابن عباس-﵄ على من أنكر ما يجب لله من الأسماء
[ ٢ / ٥٦٠ ]
والصفات. وبيّن بأنه يجب على الإنسان أنه يؤمن بالمحكم والمتشابه، كما قال الله تعالى عن الراسخين في العلم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] فما دام كل من عند ربنا، فلا يمكن أن يتعارض ولا أن يتناقض ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وبناء عليه: فمن مر به نص من نصوص الصفات، ولم يحط به علمًا، وأشكل عليه فهمه، فليعتصم بالمحكم، وليقل: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فالنص المشتبه لا يمكن أن يكون معارضًا للمحكم، وليذكر قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وإذا اشتبه عليه نص من نصوص القدر، وتبادر إلى ذهنه معنى سوء من إلقاء الشيطان، بأنه يقتضي ظلمًا، فليعتصم بالمحكم، كقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وهكذا في نصوص المعاد، ونصوص الوعيد. فهذه طريقة الراسخين في العلم، ثم بعد ذلك يطلب رفع الاشتباه بسؤال أهل الذكر، فإن ما جهله قد علمه غيره. ولذلك لا يوجد متشابه مطلق في الشريعة، فالتشابه نسبى؛ يشتبه على بعض الناس دون بعض، ويشتبه على إنسان في وقت دون وقت، فقد يشتبه عليه بعض المسائل في مقتبل طلبه للعلم، فكلما ازداد علمًا زالت عنه الإشكالات، وتبيّن له الحق. فلا يوجد في دين الله شيء مشتبه اشتباهًا مطلقًا لا سبيل للعلم به؛ لأن الله وصف كتابه كله بالإحكام، فقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] فالقرآن كله محكم بهذا الاعتبار، فلا يتبع المتشابه، بل يعتصم بالمحكم إلى أن يفتح الله عليه.
وقد وصف الله تعالى كتابه بالإحكام العام، وبالإحكام الخاص، وبالتشابه العام، والتشابه الخاص، وبيان ذلك كما يلي:
- الإحكام العام: وهو الإتقان في أخباره وأحكامه، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
- التشابه العام: وهو تماثله وتناسبه، وتصديق بعضه بعضًا، فلا يتناقض ولا يتعارض، فما ذُكر في موضع يُوافق ما ذُكر في موضع آخر، ولا يمكن أن
[ ٢ / ٥٦١ ]
يعارضه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].
- التشابه الخاص: وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه، ومخالفته له من وجه آخر. وهذا تشابه نسبي إضافي، لكونه يشتبه على بعض الناس دون بعض، ويشتبه على الشخص في وقت دون وقت، ويشتبه في نص دون نص.
- الإحكام الخاص: وهو الفصل بين الشيئين المشتبهين من وجه المختلفين من وجه آخر.
وقد نبَّه الله على هذين النوعين في قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أي: آيات واضحات الدلالة، لا تحتمل إلا معنى واحدًا، فعامة المنزل من هذا القسم، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل أكثر من معنى. وقد جعل الله ذلك من باب الابتلاء والامتحان، وهذه الآيات معدودة قليلة. ثم بيَّن الله طريقة الزائغين، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا يعلم حقيقة ما أخبر الله تعالى به وكيفيته إلا الله ﷿، وبيَّن طريقة الراسخين، فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
فوائد الأثر:
١ - مشروعية ذكر آيات الصفات وأحاديثها بحضرة العوام، ولا دليل لمن قال: لا يحدث بأحاديث الصفات عند العوام! فالنبي ﷺ حدث بها الذكي، والبليد، والأعرابي، والحضري، والمتعلم، والجاهل، فنحن نحدّث بما حدّث به النبي ﷺ، وإذا اشتبه شيء جرى بيانه، ولا يُوجد شيء من العلم مما أخبر به النبي ﷺ يختص به أحد دون أحد.
٢ - أن من رد شيئًا من خبر الله وخبر رسوله فهو من الهالكين؛ لقول ابن عباس ﵁: "يهلكون عند متشابهه" ولقول الإمام أحمد فيما سبق: "لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك" (^١).
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
٣ - الإنكار على من أنكر شيئًا من أسماء الله وصفاته؛ كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم.
٤ - أن التشابه في النصوص أمر نسبي إضافي.
٥ - أن اتباع المتشابه يفضي إلى الهلاك.
٦ - وجوب رد المتشابه إلى المحكم.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات.
مراد المصنف ﵀ أن الإيمان بأسماء الله وصفاته شرط في الإيمان.
الثانية: تفسير آية الرعد.
فقد دلت على أن المشركين يكفرون بهذا الاسم (الرحمن) ورد عليهم بقوله: ﴿هُوَ رَبِّي﴾ أي: الرحمن الذي أنكرتم اسمه هو ربي.
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع.
يُؤخذ من أثر علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون" وهذا أمر يرجع إلى حكمة المتحدث، فلا يبادئ الناس بشيء يشق عليهم فهمه، بل يحدثهم بقدر عقولهم، ولا يدخلهم في عويص المسائل التي لا يدركونها، كما يفعل المتكلمون بل يربيهم بصغار العلم قبل كباره.
الرابعة: ذكر العلة: أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، ولو لم يتعمد المنكر.
لقول علي ﵁: "أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ " ولا شك أن لا أحد من الوعاظ، والمتحدثين، يريد ذلك، لكن قد يقع منه من غير قصد، فعليه أن يتبصر بما يقول.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئًا من ذلك، وأنه أهلكه.
أي: أنّ عباس ﵄ بيّن السبب الذي أهلك هذا الرجل الذي سمع شيئًا من أحاديث الصفات فانتفض استنكارًا، وهو اتباع المتشابه. وكان الواجب على مثل هؤلاء أن يردوا المتشابه إلى المحكم.
[ ٢ / ٥٦٤ ]