وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل: ١٢٠] وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٥٩].
عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنتُ عند سعيد بن جبير، فقال: من منكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلتُ: أنا، ثم قلتُ: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغتُ، قال: فما صنعتَ؟ قلتُ: ارتقيتُ، قال: فما حملك على ذلك؟ قلتُ: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلتُ: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة" قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "عرضت علي الأمم، فرأيتُ النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد؛ إذ رُفع لي سواد عظيم، فظننتُ أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرتُ فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب" ثم نهض النبي ﷺ فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم" ثم قام رجل آخر، فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عكاشة" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب برقم (٦٥٤١) ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب برقم (٢٢٠) واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٥٩ ]
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
هذا من حسن ترتيب المصنف ﵀ فإنه لما عقد أولًا: كتاب التوحيد؛ ليبين حقيقة التوحيد وماهيته، ثنى بعقد باب في: فضل التوحيد، وما يكفر من الذنوب، ثم ثلّث بهذا الباب؛ ليبين أن ذلك الفضل المشار إليه فيما تقدم، إنما يناله من حقق التوحيد.
قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ جاءت هذه الآية في معرض الثناء على إبراهيم ﵇، ولا تحفى منزلة هذا النبي الحنيف، الموحد، الذي أخلص قلبه لله ﷿، حتى بلغ الدرجات العلى. فهو إبراهيم ﵇، إمام الموحدين في الأولين، وكان من توحيده لرب العالمين: أن فرّغ قلبه لله، فكان خليلًا له، والدليل على ذلك: أنه لما ألقاه قومه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فأنجاه الله تعالى منها؛ لما علم صدق توحيده وإيمانه.
ومن عجيب أمره، أن الله تعالى ابتلاه في أحب الناس إليه، وهو ابنه الذي جاءه وقت الكبر، فأراه الله في المنام أنه يذبحه، ابتلاءً واختبارًا له، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ولم يرد بذلك استشارته، وإنما أراد التلطف في الإخبار، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: كما يصنع من يريد أن يذكي الشاة. ولم يكن مراد الله ﷿ تعذيب هذا العبد الصالح، ولا إزهاق روح ولده، ولا إسالة دمه، ولكن أراد الله تعالى أن يخرج ما في قلبه من العبودية، فنجحا في الاختبار، ورأى الله تعالى منه ما يستحق للرفعة، فكان خليل الرحمن، فقال الله عنه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠].
[ ١ / ٦٠ ]
و(أمة) ترد في اللغة على معانٍ متنوعة، منها:
١ - الزمن، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] يعني: تذكر بعد مرور زمن.
٢ - قوم وجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: جماعة وقوم.
٣ - الدين والملة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. أي: على دين.
٤ - الإمام، كما في هذا الموضع: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠].
فقد وصف الله إبراهيم ﵇، بأربعة أوصاف:
الأول: الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ولا شك أنه قد بلغ منها المراتب العلى. والإمامة في الدين تنال بالصبر واليقين، كما قيل: "بالصبر واليقين، تنال الإمامة في الدين" (^١)، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فمن أراد الإمامة في الدين، ولو كانت إمامة نسبية، فعليه بالصبر واليقين، فإنه ما من إمام إلا ويبتلى، فمن اعتصم بالصبر واليقين بالله ﷿ نال الإمامة في الدين.
الثاني: القنوت، قال تعالى: ﴿قَانِتًَا﴾ والقنوت: طول العبادة، ودوام الطاعة؛ وذلك أن العبادة لا تكون عبادة حقة صادقة إلا بالديمومة، وأما صاحب الهبَّات فليس له ثبات، وقد قال النبي ﷺ: "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ" (^٢)، وكان عمله ﷺ ديمة (^٣)، يعني: مستديم، فمن شأن الأئمة الهداة أن يكونوا مستديمي الطاعة لله ﷿، وقد كان إبراهيم ﵇ كذلك، وهذا دليل الإخلاص.
_________________
(١) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. ينظر: المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ١٤٥).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى برقم (٢٨١٨).
(٣) خرجه البخاري في كتاب الصوم، باب هل يخص شيئا من الأيام برقم (١٩٨٧) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره برقم (٧٨٣).
[ ١ / ٦١ ]
الثالث: أنه كان (حنيفًا) أي: مائلًا عن طريق الشرك إلى طريق التوحيد، وهذا يحصل به من الثواب والرفعة أعظم مما يحصل بالأعمال البدنية، والعبادات العملية.
الرابع: البراءة من المشركين قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] فكان إبراهيم ﵇ أكثر الناس مجانبة للمشركين، يقول ربنا ﷿: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] ولما بقي على إبراهيم بقية في هذا الأمر، وهي وعده بالاستغفار لأبيه، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] نهاه الله ﷿ عن ذلك، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] فضرب إبراهيم ﵇ أروع الأمثلة في الإخلاص لله ﷿، والبراءة من أعداء الله، فلهذا نال الإمامة في الدين.
مناسبة الآية للباب:
مناسبة جلية، لأن فيها بيان صفات خليل الرحمن، التي نال بها الدرجات العلى، وهي تحقيق التوحيد، والله تعالى قد أمرنا أن نتأسى به، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤].
فوائد الآية:
١ - فضل إبراهيم ﵇، وإمامته في الدين.
٢ - الاتصاف بهذه الصفات العظيمة التي اتصف بها إبراهيم ﵇.
٣ - البراءة من المشركين، وأن من شأن المؤمن الحنيف أن يجانب أهل الإشراك، كما قال نبينا ﷺ عن المؤمن والكافر: "لا تراءى ناراهما" (^١)، كناية
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود برقم (٢٦٤٥) والترمذي ت شاكر في أبواب السير، باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين برقم (١٦٠٤) وصححه الألباني.
[ ١ / ٦٢ ]
عن البعد، وقال ﷺ فيما روى عنه بسند جيد: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" (^١)، فلا بد أن يكون في قلب المؤمن نفرة طبيعية ممن يشرك بالله العظيم، لا تطيب نفسه، ولا يرضى أن يخالط هؤلاء الذين يعتقدون أن الله ثالث ثلاثة، أو يعبدون الأصنام والأوثان، إلا بقصد دعوتهم.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] أثنى الله ﷾ فيها على طائفة من عباده المؤمنين، الذين من جملة أوصافهم هذا الوصف البديع: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ فدل ذلك على أن البراءة من الشرك من أعظم أسباب تحقيق التوحيد.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة جلية، لما فيها من الثناء على هؤلاء المؤمنين وبيان فضائلهم، ومنها البراءة من الشرك.
فوائد الآية:
١ - فضل من حقق التوحيد.
٢ - الدعوة إلى تحقيق التوحيد.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن حصين بن عبد الرحمن" وهو حصين بن عبد الرحمن السلمي، من تابعي التابعين، كانت وفاته سنة (١٣١ هـ) وعمِّر حتى جاوز التسعين.
قوله: " كنتُ عند سعيد بن جبير"، سعيد بن جبير: إمام فقيه، ثبت، ثقة، أحد أكابر تلاميذ ابن عباس ﵄، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي، سنة (٩٥ هـ) لما خرج مع الفقهاء في فتنة ابن الأشعث، فقبض عليه، وقتله صبرًا، وتوفي ﵀ ولم يبلغ الخمسين. وكان من أوعية العلم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في أبواب السير، باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين برقم (١٦٠٤) وأبو داود في كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود برقم (٢٦٤٥) وصححه الألباني.
[ ١ / ٦٣ ]
قوله: "فقال: أيكم رأى الكوكب؟ " الكوكب: المراد به الشهاب الثاقب الذي يلمع في السماء، وإن كان الكوكب، في اصطلاح أهل الفلك، يطلق على الأجرام السماوية الكبيرة، كالأرض، والقمر، والمشتري، وزحل، ويسمون الأجرام الملتهبة نجومًا، كالشمس.
قوله: "انقض البارحة؟ " أي: هوى وسقط، والبارحة: اسم يطلق على الليلة التي مضت، ولكنه لا يعبر بهذا التعبير عند العرب إلا بعد الزوال، وأما إذا كان قبل الزوال، فإنهم يقولون: الليلة.
قوله: "فقلتُ: أنا" القائل حصين، ثم استدرك فقال: "ثم قلتُ: أما أني لم أكن في صلاة" وذلك لشدة إخلاصه، ومداراته للرياء، خشي أن يتوهم القوم أنه كان قائمًا يتهجد، وهذا يدل على عمق إخلاص السلف ﵏، عكس من يوهم غيره بأنه على عمل صالح، وهو ليس كذلك، كما قال الله ﷿: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] فشتان بين الحالين.
قوله: "ولكني لدغتُ" أي: لسعتني العقرب بشوكتها، فأصابه السم منها، ومعلوم أن اللديغ لا يتمكن من النوم؛ لأن السم يجري في عروقه، ويجد له ألمًا.
قوله: "فما صنعتَ؟ ": سأله عن تصرفه عندما لدغته العقرب؛ لأن هذا مجلس علم ومذاكرة. قوله: "ارتقيتُ" أي: طلبتُ الرقية، وسوف يأتي -إن شاء الله- باب مستقل في الرقى؛ والجائز منها والممنوع.
قوله: "فما حملك على ذلك؟ " أي: ما الذي سوَّغ لك هذا الصنيع؟ وهذا يدل على أن السلف ﵏ كانوا لا يأتون ولا يذرون إلا ببينة.
قوله: "حديث حدثناه الشعبي" الشعبي: إمام مشهور، وهو عامر بن شراحيل الهمداني، ولد في خلافة عمر، وكانت وفاته بعد القرن بثلاث سنين، سنة (١٠٣ هـ) وهو من حملة الحديث، ورواته الثقات.
قوله: "قال: وما حدثكم؟ قلتُ: حدثنا عن بريدة بن الحصيب" بريدة بن الحصيب: من أجلة أصحاب رسول الله ﷺ، كانت وفاته سنة (٦٣ هـ).
[ ١ / ٦٤ ]
قوله: " "لا رقية إلا من عين أو حمة" " هذا حديث مرفوع إلى النبي ﷺ، والمنفي في قوله: "لا رقية" الصحة والجواز؛ لأن مراتب النفي ثلاث:
١ - إما نفي الوجود.
٢ - وإما نفي الصحة.
٣ - وإما نفي الكمال.
فأول ما ينبغي أن يتوجه النفي إلى نفي الوجود، فإذا قيل مثلًا: لا أحد في الدار، دل ذلك على نفي الوجود، فإن تعذر ذلك يُنتقل إلى نفي الصحة، كقول النبي ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (^١)، فهذا النفي لا يتوجه إلى نفي الوجود؛ لأنه هيئة الصلاة قد تكون موجودة، فقد يقوم شخص يصلي الصلاة المعروفة، لكنه قد لا يقرأ بفاتحة الكتاب، فيكون المنفي حينئذٍ الصحة، فإن لم يمكن حمله على الوجود والصحة، انتقلنا إلى الكمال، كقول النبي ﷺ: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" (^٢)، فصلاة الذي يرقب الطعام، أو يدافع الأخبثين صحيحة، لكنها لم تصل إلى درجة الكمال؛ لأن ذلك يسبب له تشويشًا.
قوله: "إلا من عين أو حمة" العين: هو ما يصيب العائن بعينه، بسبب تكيف نفسه تكيفًا شيطانيًا يقوم في قلب الحاسد -والعياذ بالله-، فيمتزج به تأثير الشيطان، فيؤثر ذلك أذىً في هذا المعيون، فيقتله، أو يمرضه. والعين حق، وتأثيرها ثابت شرعًا، وواقع قدرًا؛ ولا سبيل إلى إنكارها، ومن أنكرها فقد كذّب بالنصوص، وأنكر الواقع، ومن الناس من لا يعترف بمثل هذه الأمور، ويقول: هذه خرافات! والسبب أنه لا يؤمن إلا بالماديات والمحسوسات، وقد قال النبي ﷺ: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين" (^٣)، وقال النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه صحيح البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت برقم (٧٥٦) ومسلم في الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة … برقم (٣٩٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين برقم (٥٦٠).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى برقم (٢١٨٨).
[ ١ / ٦٥ ]
أيضًا: "إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه، فليدع له بالبركة" (^١). فالواجب الاعتدال في هذا الأمر؛ لأن من الناس من يخاف من العين خوفًا مبالغًا فيه، يصل إلى درجة "الرُّهاب"، ويسبب له إعاقة عن مصالحه، فلا يكاد يعمل عملًا، أو ينشئُ سفرًا؛ خوفًا من العين، وهذا خوف منافٍ للتوكل. والواجب على العبد أن يؤمن بقدر الله، وأن يستدفع العين بالعِوذ الشرعية، والتوكل على الله ﷿، وأن يتجنب ما يدعو إلى استفزاز النفوس الشيطانية له، فيتحدث بنعم الله عليه، ولا يباهي بذلك، لئلا يثير النفوس المحرومة، فيقع فيها نوع من هذا التكيف الشيطاني، فيلحقه منها أذى، ولا يحجزه ذلك عن مصالحه، وإلا وقع في الذم من الجانب المقابل.
أما الحُمة: فهي السم، كسم العقرب، أو الثعبان، أو النحل، والسبب في تسميتها بهذا أنها تؤدي إلى احتماء الجسم، فيلحقه نوع من الحمى والحرارة.
قوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" هذا يدل على أدب السلف ﵏، وحسن تحاورهم عند المناظرة، فلا يثرِّب بعضهم بعلى بعض، ولا يسفِّه بعضهم بعضًا، وإنما يتبيّن أحدهم من صاحبه ويستفهم عن السبب الذي حمله على فعله، فإذا ذكر خيرًا حمده عليه، كما قال سعيد بن جبير: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" أي: قد أصاب من عمل بما بلغه من علم، كما صنع حصين بن عبد الرحمن بعمله بهذا الحديث، لكن سعيد بن جبير أراد أن ينقله إلى درجة أعلى وأكمل، فحدّثه بحديث عن ابن عباس، ورفعه إلى النبي ﷺ.
قوله: "عُرضت عليّ الأمم" " هذا ليس عرضًا حسيًا؛ لأن الأمم قد فنيت، ولكن هذا أمر قد جرى له ﷺ ليلة الإسراء، حيث عرض الله تعالى عليه أشباح الأمم، وأمثالها، وهيئاتها.
قوله: "فرأيتُ النبي" المراد جنس النبي، لا نبيًا معينًا.
قوله: "ومعه الرهط" الرهط: الجماعة دون العشرة، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]
قوله: "والنبي ومعه الرجل والرجلان" أي: لم يتبعه إلا رجل أو رجلان.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطب، باب العين برقم (٣٥٠٩) وصححه الألباني.
[ ١ / ٦٦ ]
قوله: "والنبي وليس معه أحد" أي: لم يتبعه أحد.
قوله: "إذ رفع لي سواد عظيم" أي: بينما هو كذلك إذ أُبرز له سواد عظيم، والسواد أو الأسودة: الجماعة أو الأشخاص الذين يبدون من بُعد.
قوله: "فظننت أنهم أمتي" ظن ذلك لما أخبره الله تعالى من كثرة أتباعه.
قوله: "فقيل لي: هذا موسى وقومه" لأن موسى ﵇ أعظم أنبياء بني لإسرائيل، وأكثرهم تابعًا.
قوله: "فنظرتُ فإذا سواد عظيم" أي: سواد آخر، أعظم من السواد الأول.، وذلك أن أمة محمد ﷺ يمثلون شطر أهل الجنة (^١)، وفي حديث أنهم يمثلون ثلثي أهل الجنة، كما قال ﷺ: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم" (^٢). وفي حديث آخر قال: "أنتم ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم النصف الباقي" (^٣).
قوله: "فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب" هذا من مناقب أمة محمد ﷺ، فيهم هذه الطائفة المصطفاة، والثلة المميزة، الذين لا يحاسبون، ولا يعذبون.
قوله: "ثم نهض، فدخل منزله" نهوضه ﷺ، قد يكون لحاجة، أو أنه قصد أن يفكر الصحابة هذا الأمر، ويشحذوا أذهانهم، وهذا من حسن تعليمه ﵊.
قوله: "فخاض الناس في أولئك" أي: في هؤلاء السبعين ألفًا، من هم؟
قوله: "فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ " أي: السابقون للإسلام، الذين لهم صحبة قديمة، مع النبي، أو أكثر ملازمة له ﷺ، وإلا فهؤلاء الناس صحابة أيضًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة برقم (٢٢١).
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ برقم (٤٢٨٩) والترمذي ت شاكر في أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صف أهل الجنة برقم (٢٥٤٦) وصححه الألباني.
(٣) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٩٠٨٠) وقال محققو المسند: "حسن لغيره".
[ ١ / ٦٧ ]
قوله: "وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام" أي: لم يتلطخوا بشرك أبدًا، كعبد الله ابن الزبير، ومن كان على شاكلته، ممن ولدوا في الإسلام، ولم يدركوا شيئًا من أمر الجاهلية، فعدُّوا ذلك منقبة لهم.
قوله: "وذكروا أشياء" أي: احتمالات أخرى، أضرب الراوي عن ذكرها.
قوله: "فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه" أي: بما جرى بينهم من المحاورة.
قوله: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" هؤلاء السعداء هم من جمع هذه الأوصاف الأربعة، وهي:
الوصف الأول: عدم طلب الرقية؛ لقوله: "لا يسترقون" أي: لا يطلبون من أحد أن يرقيهم إذا أُصيبوا بشيء، وإنما يتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء، أو يرقون أنفسهم بأنفسهم؛ وذلك لكمال توكلهم على الله ﷿. ولا شك أنّ هذا دليل كمال التوكل، وكمال التوحيد، وتحقيقه. وهذا هو سبب إيراد سعيد بن جبير هذا الحديث على حصين بن عبد الرحمن؛ لأن حصينًا ارتقى لما لدغته العقرب، فأراد أن يرفعه إلى رتبة أعلى. ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن هذا من الترقي في الكمال، فكان الأليق به والأكمل له ألا يطلب من أحد أن يرقيه، وإنما يرقي نفسه بنفسه؛ لأن النبي ﷺ وصف السبعين ألفًا بأنهم لا يسترقون؛ وذلك لكمال توكلهم، ورضاهم بقدر الله ﷿ فلم يلجئوا إلى مخلوق، وهذا من تحقيق التوحيد.
الوصف الثاني: عدم الاكتواء؛ لقوله: "ولا يكتوون" أي: لا يطلبون من أحد أن يكويهم. والكي: معروف، وهو علاج ثابت، أثبته النبي ﷺ، فقال: "إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شربة عسل، أو شرطة محجم، أو لذعة من نار، وما أحب أن أكتوي" (^١)، فأثبت النبي ﷺ الشفاء في هذه الأشياء، لكنه قال ﷺ: "وأنهى أمتي عن الكي" (^٢)، وهذا النهي حمله العلماء على الكراهة، أو خلاف الأولى، بدليل أن النبي ﷺ كوى بعض أصحابه من ذات الشوكة،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الحجامة من الشقيقة والصداع برقم (٥٧٠٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث برقم (٥٦٨٠).
[ ١ / ٦٨ ]
كأسعد بن زرارة (^١)، وهو من الأنصار السابقين إلى الإسلام، وكوى النبي ﷺ أبي بن كعب (^٢)، فالكي نافع وجائز. وتزول الكراهة -كما قال بعض العلماء-: إذا تعين الكي شفاء لداءٍ معين، مثل ذات الجنب، وهو مرض معروف عند الأطباء، تلتصق فيها الرئة بالأضلاع فلا يتمكن الإنسان من التنفس إلا بمشقة بالغة، فهذا المرض إذا عُولج بالكي انفك هذا الالتصاق مباشرة. وقد رأيتُ بعيني بعض من أصيب بذات الجنب، بمجرد أن كوي انطلق نفَسُه، وعاد سويًا كما كان -بإذن الله-. فتكون الكراهة في ما لم يتعين فيه الكي علاجًا. والوارد عن النبي ﷺ في مسألة الكي أنواع، قال ابن القيم: "فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه.
ولا تعارض بينها -بحمد الله تعالى- فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء، والله أعلم" (^٣). ولا شك أن من ترك الكي فقد استكمل أحد أوصاف السبعين ألفًا.
الوصف الثالث: عدم التطير؛ لقوله: "ولا يتطيرون" أي: لا يتشاءمون بالطير، خلافًا لأهل الجاهلية؛ الذين كانوا يتشاءمون من السوانح والجوانح -كما سيأتينا إن شاء الله- في باب الطيرة، فكان أحدهم إذا رأى مثلًا، بومة أو غرابًا، وهو يريد سفرًا صرفه ذلك عن سفره، تشاؤمًا، وظنًا بأن هذه السفرة غير محمودة العواقب، بسبب ما رآه، فهذا من أمر الجاهلية؛ لأنهم أثبتوا سببًا لم يجعله الله سببًا لا حسًا، ولا شرعًا، فلا شأن للطيور بالأقدار.
وليس المقصود بقوله: "لا يتطيرون" أنه لا يقع في قلوبهم شيء من الطيرة،
_________________
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر أبواب الطب، باب ما جاء في الرخصة في ذلك برقم (٢٠٥٠) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٤٢٥٢) وقال محققو المسند: "إسناده قوي على شرط مسلم".
(٣) : الطب النبوي لابن القيم - الفكر (ص: ٥٠).
[ ١ / ٦٩ ]
وإنما المقصود أنه إن وقع في نفوسهم شيء لم يصرفهم عن مصالحهم، كما قال ابن مسعود ﵁: "الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" (^١)، أي: ربما وقع في نفس الإنسان شيء من التطير، إلا أن المؤمن يتوكل على الله، ويمضي.
الوصف الرابع: التوكل على الله؛ لقوله: "وعلى ربهم يتوكلون". التوكل: اعتماد القلب على الله في جلب المصالح، ودفع المفاسد، مع فعل الأسباب. وبناءً على هذا: فليس المقصود من هذه الأوصاف أن يدع الإنسان الأخذ بالأسباب، فهؤلاء السبعون ألفًا لم يتركوا الأسباب مطلقًا، وإنما تركوا الاسترقاء، والاكتواء، والتطير، وأخذوا بأعظم الأسباب، وهو التوكل على الله، ومن التوكل على الله أن يلح العبد على ربه بالدعاء، ويتوجه إليه بكليته، موقنًا بأنه لا يكشف الضر إلا هو، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]. فهذا من أعظم الأسباب، وبهذا يتبيّن أنّ هذا الحديث لا يخالف مقتضيات الشريعة، ومقاصدها الدالة على الأخذ بالأسباب، فمحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، والالتفات إلى الأسباب شرك، والتوحيد والمطلوب أن يأخذ العبد بالأسباب، مع تعلق قلبه بمسبب الأسباب. والحق موجب التوحيد والعقل والشرع.
فمن أحب أن يندرج في زمرة السبعين ألفًا، فليحقق هذه الأوصاف التي بينها النبي ﷺ، ولا يلزم من ذلك ألا يتداوى؛ لأن مفهوم التداوي أوسع من الرقية والكى.
وقد اختلف العلماء في حكم التداوي، فذهب الحنابلة إلى أن التداوي مباح، وتركه أفضل، نصَّ على ذلك الإمام أحمد (^٢)، وربما قال ذلك بناء على هذا الحديث. فالذي يظهر -والله أعلم- أن التداوي مطلوب، لا سيما إذا كان
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة برقم (٣٥٣٨) وأبو داود في كتاب الطب، باب في الطيرة برقم (٣٩١٠) والترمذي ت شاكر في أبواب السير، باب ما جاء في الطيرة برقم (١٦١٤) وصححه الألباني.
(٢) المبدع في شرح المقنع (٢/ ٢١٧).
[ ١ / ٧٠ ]
المرض يحجزه عن مصالحه، ويفوت عليه مقاصد دينية، ودنيوية، كما هو الغالب، ففي هذه الحالة ينبغي للإنسان أن يستدفع الضرر، وليس في هذا مناقضة للقدر، بل كما قال عمر ﵁ لما وقع طاعون عُمواس في الشام، فلم يدخل دمشق، فكتب إليه أبو عبيدة، عامر بن الجراح، يعتب عليه، ويقول: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ (^١)، فكون الإنسان يفعل الأسباب، ويستدفع القدر بالقدر، لا يعد ذلك منافيًا للتوكل.
قوله: "فقام عكاشة بن محصن" هو عكاشة بن محصن الأسدي ﵁، وكان من السابقين إلى الإسلام، وهو ممن هاجر، وشهد بدرًا، واستشهد في قتال أهل الردة، في السنة الثانية عشرة من الهجرة.
قوله: "فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم" هذه مبادرة من الصحابي، والمبادرة تأتي على صاحبها بالخير، أما التواني فإنه يفوت الإنسان الخير العظيم.
قوله: "قال: "أنت منهم" " هذه بشارة عظيمة لهذا الصحابي.
قوله: "ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عكاشة" " هذا الرجل مبهم، غير مُسمى، وقد قال بعض الشراح: إنه كان منافقًا، ولا يصح، ولا دلالة على ذلك من قول النبي ﷺ: "سبقك بها عكاشة" لأنه لو كان منافقًا ما حرص على هذا الخير، ولكن النبي ﷺ خشي أن ينفتح الباب، ثم يقوم من لا يستحق هذه الرتبة فيسألها، فأجاب بهذا الجواب البديع المؤدب، الذي فيه ما يشعر أن هذا الرجل قد يدخل في هذه الفضيلة؛ لأنه قال: "سبقك بها عكاشة" أي: هو سابق وأنت لاحق، فيكون تطييبًا لنفسه.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأنه يدل على أن من ترك الاسترقاء والاكتواء، والتطير، وتوكل
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون برقم (٥٧٢٩)، ومسلم في كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها برقم (٢٢١٩).
[ ١ / ٧١ ]
على الله، حقق التوحيد، وأن من حققه دخل الجنة، كما في ترجمة الباب.
فوائد الحديث:
١ - جواز الرقية من العين، والحمة، لقوله: "لا رقية إلا من عين أو حمة".
٢ - نفع الرقية الشرعية من هذين الأمرين (العين والحمة)
٣ - ليس من لازم قول النبي ﷺ: "لا يسترقون" أن يرد الإنسان من يرقيه من غير طلب منه، فمن رُقي دون طلب منه، لا يعد بذلك خارجًا من هذه الفضيلة.
تنبيه: زاد مسلم وحده "ولا يَرْقُون" (^١)، وقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الزيادة وهمًا من الراوي (^٢)، واللفظ المحفوظ: "لا يسترقون".
_________________
(١) جاء الجمع بين اللفظين في صحيح مسلم: "هم الذين لا يرقون ولا يسترقون" في كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب برقم (٢٢٠). وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٤٠٨): "ووقع في رواية سعيد بن منصور عند مسلم: "ولا يرقون" بدل "ولا يكتوون" وقد أنكر الشيخ تقي الدين بن تيمية هذه الرواية، وزعم أنها غلط من راويها، واعتل بأن الراقي يحسن إلى الذي يرقيه، فكيف يكون ذلك مطلوب الترك؟ وأيضًا فقد رقى جبريل النبي ﷺ، ورقى النبي أصحابه، وأذن لهم في الرقى، وقال: "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" والنفع مطلوب، قال وأما المسترقي، فإنه يسأل غيره، ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك، قال: وإنما المراد وصف السبعين بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم، ولا يكويهم، ولا يتطيرون من شيء. وأجاب غيره: بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري ومسلم، واعتمد مسلم على روايته هذه، وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه، والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المسترقي؛ لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكل، فكذا يقال له، والذي يفعل غيره به ذلك ينبغي أن لا يمكنه منه لأجل تمام التوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدعى، ولا في فعل النبي ﷺ له أيضًا دلالة؛ لأنه في مقام التشريع، وتبيين الأحكام، ويمكن أن يقال: إنما ترك المذكورون الرقى والاسترقاء حسمًا للمادة؛ لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه، وإلا فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة، وإنما منع منها ما كان شركًا، أو احتمله".
(٢) المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ٢٧).
[ ١ / ٧٢ ]
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد.
فالناس في التوحيد مراتب، فإبراهيم ﵇، ونبينا محمد ﷺ أكملهم توحيدًا، حيث حازا أعلى الرتب، ثم يتفاوت المؤمنون في سلم التوحيد والإيمان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
الثانية: ما معنى تحقيقه.
تحقيق التوحيد يكون بقيام القلب بالعبودية الخالصة لله ﷿، وعدم التعلق بسواه.
الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم؛ لأنه لم يكن من المشركين.
وفي هذا دليل على أنّ أخص أوصاف المؤمنين: البراءة من المشركين.
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك.
وذلك في الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩].
الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
لحديث الباب، حديث حصين، وفيه: "لا يسترقون، ولا يكتوون".
السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل.
لأنه ختم أوصافهم بقوله: "وعلى ربهم يتوكلون" فبه يحصل تحقيق التوحيد.
[ ١ / ٧٣ ]
السابعة: عمق علم الصحابة؛ لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.
والدليل على ذلك: أنه لما ذكر لهم النبي ﷺ هؤلاء السبعين ألفًا، خاضوا في تحري هؤلاء، فقال بعضهم: هم الذين ولدوا في الإسلام، ولم يقع منهم شرك، وقال بعضهم: إنهم الذين صحبوا النبي ﷺ، فعلّقوا الأمر على أمور عملية لمعرفتهم أن ذلك لا ينال إلا بعمل، بخلاف أهل الإرجاء الذين يقللون من شأن العمل.
الثامنة: حرصهم على الخير.
لأنهم سألوا ذلك بقصد التأسي؛ ويظهر ذلك أيضًا من حرص عكاشة بن محصن على الخير.
التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية.
أما من ناحية الكم: فلأن أمة النبي ﷺ أكثر بكثير من أمة موسى ﵇. وأما من ناحية الكيف: فلأن فيهم هؤلاء السبعين ألفًا، بل قد ورد في بعض الروايات: إن مع كل واحد من السبعين ألفًا، سبعين ألفًا أيضًا (^١).
العاشرة: فضيلة أصحاب موسى.
وذلك لكثرتهم، وتميزهم عن بقية الأمم التي لم تتبع أنبيائها.
الحادي عشر: عرض الأمم عليه ﵊.
وهذه كرامة لنبينا ﷺ، وآية من آيات نبوته، وقد قدمنا: أن ذلك كان ليلة المعراج.
الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها.
وذلك لقول النبي ﷺ: "فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٢٣٠٣) وقال محققو المسند: "صحيح".
[ ١ / ٧٤ ]
والرجلان، والنبي وليس معه أحد"، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨]
الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء.
والدليل على ذلك قوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] وقال هنا: "فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد).
الرابعة عشر: أنّ من لم يجبه أحدٌ يأتي وحده.
لقوله: "والنبي ليس معه أحد" وهذا ليس فيه منقصة لهذا النبي الذي يأتي وحده، ولم يستجب له أحد؛ لأن النبي ليس عليه إلا البلاغ.
الخامسة عشر: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة.
فالعبرة بالحق، كما قال ابن مسعود لميمون بن مهران: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت وحدك" (^١)، فلا يغتر أحد بالكثرة، وإنما العبرة بموافقة السنة، واتباع الحق.
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة.
لحديث بريدة بن الحصيب: "لا رقية إلا من عين أو حمة".
السابعة عشرة: عمق علم السلف؛ لقوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا" فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
فالسلف ﵏ لعمق علمهم، ودقة فهمهم، كان يعذر بعضهم بعضًا، ويعلمون أن ما صدر عن الشارع لا يعارض بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ص: ١٠٩).
[ ١ / ٧٥ ]
بعضًا، فلهذا لما رأى سعيد بن جبير ما احتج به حصين صوابًا عذره، وقبله، وحدثه بما سمعه عن ابن عباس، وهو رتبة أعلى، فلا تعارض بين الأمرين؛ ولهذا لا يُلجأ إلى القول بالنسخ إلا بشرطين:
١ - العلم بالتاريخ.
٢ - وعدم إمكانية الجمع.
وبعض طلبة العلم لديه نزعة إلى نصب الخلاف، وهواية في ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض، وليس نصب الخلاف من دأب أهل العلم، ولم يكن الخلاف مقصودًا لذاته عند السلف، ولكنهم قد يختلفون، ويكون هذا الاختلاف بينهم رحمةً وسعةً، وعذرًا لبعضهم البعض، وإذا عُرف الحق اتبعوه.
الثامنة عشرة: بُعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.
لقول حصين بن عبد الرحمن: "أما أني لم أكن في صلاة" وهذا دليل على حرصهم على الإخلاص، وبعدهم عن الرياء.
التاسعة عشرة: قوله: "أنت منهم" عَلَمٌ من أعلام النبوة.
هذا من دلائل نبوة نبينا ﷺ؛ لإعلام الله إياه أنّ عكاشة من هؤلاء السبعين.
العشرون: فضيلة عكاشة بن محصن.
لدخوله في السبعين ألفًا، الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهي فضيلة عظيمة جدًا، وقد قُتل شهيدًا في حروب الردة ﵁.
الحادية والعشرون: استعماله المعاريض.
وقد جاء في الأثر: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (^١)، فالمعاريض: هي إجابة الحكيم التي يكون فيها نوع من التورية، وقد يلجأ إليها
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (٢٠٨٤٣) والبخاري في الأدب المفرد برقم (٨٥٧) وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (١/ ٣٢٧): "صحيح موقوفًا عن مطرف عن عمران بن حصين".
[ ١ / ٧٦ ]
المرء لحاجة، فالنبي ﷺ هنا عرّض، ولم يصرِّح، فقال: "سبقك بها عكاشة"، وكما وقع منه ﷺ يوم بدر حينما خرج وأبو بكر، يتحسسان عن قريش، فوجدا رجلًا، فسألاه عن قريش، وعددهم، فقال: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال النبي ﷺ: "إن أخبرتنا أخبرناك" فأخبره بعدة قريش، فقال: فممن أنتما؟ قال: "نحن من ماء" (^١)، ثم انصرفا، فجعل الرجل يتساءل ويقول: من ماء؟ من ماء؟ والنبي ﷺ وأبو بكر فعلًا من ماء؛ لأن كل شيء قد خُلق من ماء. فلا بأس أن يستعمل الإنسان المعاريض إذا احتاج إليها، ولكن لا يكثر من المعاريض والتورية؛ لأن هذا يُؤدي إلى عدم ثقة الناس بكلامه، فينبغي استعمال الصدق والوضوح والبينة.
الثانية والعشرون: حسن خلقه ﷺ.
حيث أنه كان ﷺ لا يجبه أحدًا في وجهه، فلما قام الرجل، وقال: "وأنا ادعُ الله أن يجعلني منهم" لم يقل له: لست منهم، بل قال: "سبقك بها عكاشة" فهذا جواب يدل على حسن الخلق، فإنه أراد ألا يُحرج أو يجرح السائل. وقد كان النبي ﷺ لا يجبه أحدًا في وجهه، حتى إنه ذات مرة، دخل عليه رجل من أصحابه، وعليه ثياب فيها صفرة، وكان النبي ﷺ ينهى عن الصفرة للرجال، ونهى عن لبس الأحمر والمعصفر، فكره النبي ﷺ ذلك، فلما ولّى الرجل، قال لأصحابه: "لو أمرتم هذا، فغسل عنه هذه الصفرة" قال الراوي: وكان لا يكاد يواجه أحدًا في وجهه بشيء يكرهه (^٢).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ت طه عبد الرؤوف سعد (٢/ ١٨٩).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٢٦٢٨) وقال محقو المسند: "إسناده حسن".
[ ١ / ٧٧ ]