إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك الله، القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، القائل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، تُفْلِحُوا". أما بعد:
فإن الله تعالى لم يخلق الخلق ليستكثر بهم من قلة، ولا ليستعز بهم من ذلة، وإنما خلقهم لعبادته، وتوحيده، فكلما حادت البشرية عن هذه الغاية، أرسل الرسل، وأنزل الكتب لردها إلى الجادة، ولزوم الصراط المستقيم. قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] فما من نبي إلا بادأ قومه بهذه الدعوة: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥]، حتى آلت النوبة إلى خاتمهم وأفضلهم، نبينا محمد ﷺ، فقال: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١١ - ١٥]، فلم يقبضه الله، حتى أقام به الملَّةَ العَوْجاءَ، فقالوا: لا إَله إلا الله، ففتحَ بها أعينا عُمْيًا، وآذانا صُمًا، وقلَوبًا غُلْفًا. ولما استوت به ناقته على البيداء، في حجة الوداع، أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ.
ولم يزل هذا المنهج السديد، والمهيع الرشيد، في الدعوة إلى التوحيد،
[ ١ / ٥ ]
سبيل الأئمة المجددين، الهداة المهتدين، يتعاهد الله بهم الأمة كلما نبتت نابتة الشرك والبدعة، فيقيض مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ.
وحين حلَّ القرن الثاني عشر الهجري، كانت الأقاليم الإسلامية مرتعًا خصبًا للطرق الصوفية، والبدع القبورية، وانطمس نور التوحيد، وغشى كثيرًا من الناس ظلام الشرك (^١). فأنشأ الله عبدًا من عباده في بيت علم، وفقه، ودين، فطوّف البلدان، واجتمع بمشايخ الزمان؛ في نجد، والعراق، والحجاز، والأحساء، وعلّمه مما يشاء. فامتلأ قلبه حرقةً على ما آل إليه حال الناس من العكوف على القبور، ودعاء الوسائط والأنداد، وأمده بروح منه لمواجهة فساد الاعتقاد، وهيأ له من الأسباب ما تمكن به من بعث بشاشة التوحيد في القلوب، وكشف الشبهات عن العقول. حتى عاد الدين غضًا نقيًا خالصًا من الشوب. لقد كان ذلك الإمام المجدد: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي، (١١١٥ - ١٢٠٦ هـ) ﵀ رحمة واسعة (^٢).
وكان من أجلِّ، وأنفع ما كتب: (كتاب التوحيد)، الذي خرج من رحم المعاناة، واستمد مادته من الواقع والمشاهدات، فقد ألّفه حين كان في البصرة، في بعض رحلاته العلمية، وفي تلك الفترة أبصر ما عليه الناس من أخطاء، وانحرافات عقدية، فحمله ذلك على أن يصنف هذا الكتاب، ويضمنه ستًا وستين بابًا تتعلق بأنواع التوحيد الثلاثة؛ الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، وما يضاد ذلك من أنواع الشرك؛ الأكبر، والأصغر، والخفي، وبيان الطرق المفضية إليه، وبيان حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده الطرق الموصلة إلى الشرك.
ثم أتبع القول بالعمل، فصار يُنكر على الجهال ما يقعون فيه من أمور شركية، فما كان منهم إلا أن طردوه، وأخرجوه من البصرة، وقت الهجيرة، حتى
_________________
(١) (انظر في وصف ذلك: الفصل الأول من تاريخ نجد المسمى (روضة الأفكار والأفهام، لمرتاد حال الإمام) لحسين بن غنام، تحقيق وتحرير: ناصر الدين الأسد: ١/ ١٠ - ١٩
(٢) (انظر في سيرته، ﵀، المرجع السابق: ١/ ٧٥ - ٨٥
[ ١ / ٦ ]
كاد أن يهلك عطشًا، لولا أنّ الله تعالى ساق إليه رجلًا، فحمله إلى بلدة الزبير.
وقد كتب الله القبول لهذا الكتاب، فانتشر في الآفاق، وفرح به الموحدون في أرجاء الأرض، وأصلح الله به عقائد فئام من الناس، في مختلف البلدان، وأخرجهم الله به من ظلمات الشرك والبدعة، إلى نور التوحيد والسنة. واشتغل به العلماء، ولا زالوا، شرحًا وتدريسًا، حتى أحصى بعض الباحثين سبعين شرحًا مطبوعًا. فلله الحمد والمنة.
وقد تميز "كتاب التوحيد" بجملة من المزايا:
أولًا: أنه أول كتاب جامع أُفرد في بابه. وما كان قبله في مسائل التوحيد، فإما أنه ضمن غيره من مسائل الاعتقاد، وإما أنه غير جامع. (^١)
ثانيًا: الاستيعاب، والشمول لكثير من مسائل الاعتقاد العلمية، والعملية، واللفظية.
ثالثًا: سلوك طريقة المتقدمين من المصنفين؛ بوضع تراجم للأبواب، وإدراج الآيات
القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية تحتها، وعدم خلطها بكلام المصنف، وغيره، إلا فيما دعت إليه الحاجة من الإيضاح.
رابعًا: استنباط المسائل من النصوص في كل باب، للتنبيه على دلالاتها العقدية. وهذه المسائل التي ذيَّل بها الأبواب، والتراجم التي صدَّرها بها، هي التي تكشف فقه المصنف العقدي، فلا يسوغ حذفها بحال.
والناظر في تراجم الكتاب البالغة ستًا وستين، يجد أنها على ضربين:
١ - تراجم تقريرية: تدل على حكم ثبوتي، كقوله: (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب)، أو منفي، كقوله: (باب لا يقال: السلام على الله).
٢ - تراجم موضوعية: تدل على موضوع معين، وقد جاءت على أنحاء متنوعة:
- (باب كذا) مثل: (باب الشفاعة).
_________________
(١) (ومن أقربها له كتاب (تجريد التوحيد المفيد) للمقريزي، ﵀، لكنه لا يبلغ مبلغه في التنوع وحسن التبويب.
[ ١ / ٧ ]
- (باب قول الله تعالى كذا): وتبلغ أربعة عشر بابًا.
- (باب ما جاء في كذا): وتبلغ ثلاثةً عشرين بابًا، وغالبًا ما يكون التقدير: باب ما جاء من الوعيد في كذا، ومنها ما يحتمل التفصيل.
- (باب قول كذا) مثل: (باب: قول ما شاء الله وشئت)، (باب: قول اللهم اغفر لي إن شئت).
- (باب من فعل كذا) مثل: (باب من تبرك بشجر، أو حجر ونحوهما)، و(باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول).
وهذا التنوع في الصياغة يدل على فقه المصنف، وسعة اطلاعه واستيعابه لمسائل التوحيد، كما أنه يشحذ ذهن القارئ للنظر والتأمل.
وقد انتقد على كتاب التوحيد، ذكر بعض الأحاديث والآثار الضعيفة، فمنها ما لا يسلم بضعفه، بل قد وقع الخلاف في تصحيحه وتحسينه، ومنها ما ذكره المصنف جريًا على طريقة المتقدمين من المحدثين من إخراج الحديث الثابت أصله، المتعدد طرقه، وشواهده، كما يظهر ذلك جليًا في كتب العقيدة المسندة؛ ككتاب السنة للإمام أحمد، وكتابي الدارمي، وكتاب التوحيد لابن خزيمة، وغيرها كثير (^١).
وكان من فضل الله عليَّ وتوفيقه، أن شرحت هذا الكتاب المبارك في بعض الدروس العلمية المتتابعة. ثم جرى استنساخ مادته من الأوعية الصوتية، فأعدت النظر في صياغته، وإصلاح عبارته، وتخريج أحاديثه وآثاره، وتكميل نقصه، وتحرير بعض مشكله، بما يقتضيه الإخراج العلمي، وسميته:
(بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد)
وقد سلكت في شرح هذا الكتاب المبارك طريقة وسيطة، تتضمن:
• بيان معنى الترجمة (أي: عنوان الباب)، إن لزم الأمر.
_________________
(١) (انظر في هذا: (إضاءة) في كتاب: الدر النضيد في تخريج كتاب التوحيد، للشيخ صالح بن عبد الله العصيمي. ص: ١١ - ١٣، ط: دار ابن خزيمة ١٤١٣ هـ، وانظر أيضًا كتاب: تخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد، للشيخ فريح بن صالح البهلال، ط: دار الأثر ١٤١٥ هـ.
[ ١ / ٨ ]
• ذكر مناسبته لكتاب التوحيد.
• شرح الآيات القرآنية؛ ببيان مفرداتها، ودلالاتها.
• شرح الأحاديث النبوية، والآثار عن الصحابة والتابعين، بتخريجها، والحكم عليها، وبيان مفرداتها، ودلالاتها.
• بيان مناسبة النص (الآية، أو الحديث، أو الأثر) للباب.
• استنباط ما فيه من فوائد.
• التنبيه على النوازل العقدية المماثلة، من حوادث الزمان.
• التنبيه على اللطائف الإيمانية والتربوية، التي يحتاج إليها المؤمن عمومًا، وطالب العلم خصوصًا.
• التعليق على المسائل التي استنبطها المصنف في كل باب.
واللهَ أسأل، أن يجزي شيخ الإسلام، الإمام المجدد، محمد بن عبد الوهاب، خير الجزاء، على جهاده في ذات الله، لإعلاء كلمة الله، وإخلاص الدين لله، ونفع عباد الله. وأن يبارك في هذا الشرح:، ويجعله خالصًا لوجهه، نافعًا لعباده، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
كتبه العبد الفقير: أ. د. أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي
١/ ربيع الآخر/ ١٤٤٢ هـ
[ ١ / ٩ ]
كتاب التوحيد
وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: ٥٦].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل: ٣٦].
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [سورة الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [سورة النساء: ٣٦].
الشرح:
وقع في بعض النسخ: (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلى الله على محمد، وعلى آله وسلم) وفي أخرى زيادة: (وبه أستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (^١)، وقد تقدم شرح هذه المفردات في الأصول الثلاثة، وغيرها.
قال الشيخ ﵀: "كتاب التوحيد": شرع الشيخ في كتابه دون أن يصنع له مقدمة، وكأنّ هذه الترجمة تغني عن المقدمة، أي أنَّ موضوع هذا الكتاب الذي بين يديك -أيها القارئ- هو توحيد رب العالمين.
فموضوعه: بيان التوحيد بأنواعه الثلاثة، وهي:
• توحيد الربوبية.
_________________
(١) انظر مجموع مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب. القسم الأول: العقيدة والآداب الإسلامية: ١/ ٧، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
[ ١ / ١١ ]
• توحيد الألوهية.
• توحيد الأسماء والصفات.
وبيان ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر، أو ينافي مقاصده من البدعة، ونحوها. فالتوحيد هو موضوع هذا الكتاب، ومضمونه بيان حقيقة التوحيد، وبيان ما ينافيه؛ لأنه كما قيل: وبضدها تتبيّن الأشياءُ (^١).
والناظر في هذا الكتاب، على سبيل الإجمال، يرى أنّ الله الشيخ -رحمه الله تعالى- قد جعل:
• بعض الأبواب تُعالج ما ينافي التوحيد من أصله، وهو الشرك الأكبر.
• وبعض الأبواب تُعالج ما ينافي كماله الواجب، وهو الشرك الأصغر.
• وبعض الأبواب تُعالج ما يفضي إلى الوقوع في الشرك، ويحمي جناب التوحيد، وهو ما يتعلَّق بسد الذرائع.
وبالجملة، فعموم أبواب هذا الكتاب تدور حول هذه المقاصد الثلاثة.
وكلمة (كتاب): مأخوذة من الكَتْب، وهو الجمع، كما يقال: كتيبة، لجماعة الجيش، وكما يقال: تكتّب بنو فلان، إذا اجتمعوا، وإنما سُمي الكتاب كتابًا لاجتماع الحروف والكلمات والجمل.
و(التوحيد): فهو في اللغة: مصدر وحّد يُوحد توحيدًا، والمقصود به: جعل الشيء واحدًا، لكنه في هذا المقام، معناه: اعتقاد الله واحدًا، لا جعل الله واحدًا؛ إذ الله واحد، سبحانه، بالضرورة.
وأما في الاصطلاح: فهو إفراد الله تعالى بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ هذا النوع من الاستثناء: يُسمي استثناء مفرغ من أعم الأحوال، وهو أبلغ ما يكون في الحصر، حيث يأتي النفي العام، ثم يتلوه الاستثناء. فانحصرت حكمة الخلق في العبادة، ف (ما):
_________________
(١) عجز بيت للمتنبي، وصدره: (ونَذِيمُهم وبهم عرفنا فضله) في ديوانه (١/ ٢٢).
[ ١ / ١٢ ]
نافية، ومعنى (الخلق): أي الإنشاء من العدم، وربما أتى الخلق بمعنى: التصوير، والتكوين، كقول الله ﷿: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فإذا أُضيفتْ (خلق) إلى غير الله ﷿، فالمراد به التصوير، والتكوين.
وأما الخلق الذي يتعلَّق بالله ﷿ فيشمل المعنيين:
- الإنشاء من العدم: وهذا لا يشاركه فيه أحد -سبحانه وبحمده-، فالله خالق كل شيء، فليس إلا خالق أو مخلوق؛ فالله الخالق، وما سواه مخلوق.
- التصوير، والتكوين، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦] ومن أسمائه الحسنى: المصور.
أما (الجن والإنس): فهما الثقلان، اللذان ابتلاهما الله -سبحانه تعالى- بعبادته، وجعلهما عمارًا لهذه الأرض.
فالجن: عالم غيبي، غير مرأي بالنسبة لنا، كما قال الله تعالى عن إبليس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقبيله: هم الجن؛ لأن إبليس من الجن، كما قال الله ﷿: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]. والجن يفترقون عن الإنس بأن الله تعالى خلقهم من نار، وهم -كما نحن- عبادٌ مكلّفون، ولكن الله تعالى لم يبعث فيهم رسلًا، بل جعلهم تبعًا للإنس، وبعث فيهم نُذُرًا، كما قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] فمنهم نُذُر، وليس منهم رسل؛ ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠] فأنبياؤهم هم أنبياء بني آدم، فهم مأمورون بإتباع الأنبياء. وقد جاء أكثر من وفد من الجن للقاء النبي ﷺ، ومنهم وفد جن (نَصِيبين) (^١)، ووردت أحاديث عدة، تثبت لقاء النبي ﷺ بداعي الجن، وماذا جعل لهم؟ وبماذا أمرهم؟ وأبلغ سورة عَرَّفت بهم، ودلت عليهم، سورة الجن، فمن قرأها بتمعنٍ، علم طبيعة هذا الخَلْق، وأنهم عبادٌ من عباد الله، لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يملكون تدبيرًا، ولا صرفًا، ولا عدلًا، مما يعتقده العوام، ويبالغون فيه، ويهولونه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب ذكر الجن برقم (٣٨٦٠).
[ ١ / ١٣ ]
وأما الإنس: فهم ذريّة آدم ﵇، فقد أهبطه الله تعالى وزوجه إلى الأرض، وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساء. فهاتان الخليقتان؛ الجن والإنس، ما خلقهما الله ﷿ إلا لعبادته.
وقوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: يروى عن ابن عباس ﵄: "أي: إلا ليوحدون"، وقال البخاري في كتاب التفسير، في صحيحه: (مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ) (^١). قال ابن حجر: (هُوَ قَول الْفراء، وَنَصره بن قُتَيْبَةَ فِي مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ) (^٢)، لأنّ العبادة لا تكون عبادة إلا حين يُفرَد الله تعالى بها، وأما إذا كان فيها شرك فلا تُسمى عبادة، قال ربنا ﷿ في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه" (^٣).
مناسبة الآية للباب:
مناسبةٌ ظاهرة؛ إذ أنّها دلت على وجوب توحيد الله، وإفراده بالعبادة؛ وأن الحكمة من الخلق هي إفراد الله تعالى بالعبادة.
فوائد الآية:
١ - وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة.
٢ - بيان الحكمة من خلق الجن والإنس، فالله تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما عبثًا، بل خلقهما لحكمة بالغة، وبثّ فيها الإنس والجن؛ ليعمروها بعبادته.
٣ - إثبات الحكمة والتعليل؛ خلافًا لمن نفاهما من المتكلمين، فأهل السنة والجماعة يعتقدون أنّ الله ﷾ لا يفعل إلا لحكمة، وأن مشيئته مقرونة بحكمته، خلافًا لمن زعم من الأشاعرة: بأنه يفعل لمحض المشيئة، وقد بيَّن ابن القيم ﵀ هذا بيانًا شافيًا، في كتابه القيّم (شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل).
_________________
(١) صحيح البخاري (٦/ ١٣٩)
(٢) (فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٠٠)
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله برقم (٢٩٨٥).
[ ١ / ١٤ ]
٤ - غنى الله ﷾ عن الخلق؛ لأنه قال أثرها: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٧، ٥٨] فالله تعالى غنى عن خلقه، لا يستكثر بهم من قلة، ولا يستعز بهم من ذلة.
نقل الشيخ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
فقوله: ﴿بَعَثْنَا﴾: أي: أرسلنا، فالبعث بمعنى الإرسال.
وقوله: ﴿فِي كُلِّ أُمّةٍ﴾ الأمة: تطلق على الطائفة الكبيرة من الناس، كما يقال: أمة العرب، وأمة الفرس، وأمة الروم. والله تعالى يبعث الرسل في أمهات القرى، التي تجمع قرى تلك الأمة؛ لأنها مقصدهم، وملتقاهم، ويحصل من جراء ذلك انتشار دعوة ذلك النبي المرسَل.
قوله: ﴿رَسُولًا﴾: الرسول هو من أُوحي إليه بشرع، وأُمر بتبليغه لقوم مخالفين.
قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: وحدوه، وأفردوه بالعبادة.
قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: اتركوه، وجانبوه، بأن يكون الطاغوت في جانب، وأنتم في جانب. و﴿الطَّاغُوتَ﴾ مشتق من الطغيان، وهو التجاوز، كما قال الله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١] أي: تجاوز حده ومنسوبه. فهو كل ما تجاوز به العبد حدَّه، من معبود، أو متبوع، أو مطاعٍ.
مناسبة الآية للباب:
مناسبةٌ ظاهرة؛ لأنها تضمنت الدعوة إلى توحيد الله تعالى، ومجانبة الشرك.
فوائد الآية:
١ - بيان الحكمة من إرسال الرسل، وهي الدعوة إلى توحيد الله، فالرسل لم يأتوا ليصلحوا جانبًا فرعيًا من جوانب الحياة، ولا ليكونوا مجرد مصلحين اجتماعيين، أو اقتصاديين، أو ما أشبه هذا -فهذا يأتي تبعًا- وإنما مهمتهم الرئيسة: الدعوة إلى توحيد الله ﷿، وعبادته، ومع ذلك، فإنهم يعنون بمعالجة
[ ١ / ١٥ ]
الانحرافات الفاشية في الأمة التي أُرسِلوا إليها. مثال ذلك:
- لوط ﵇ جاء بالدعوة إلى توحيد الله ﷿، بالإضافة إلى معالجة الانحراف والشذوذ الذي كان فاشيًا في قومه، من إتيان الذكران من العالمين.
- شعيب ﵇ جاء بالدعوة إلى توحيد الله، بالإضافة إلى معالجة الانحراف الاقتصادي، الذي كان فاشيًا فيهم، وهو تطفيف المكيال والميزان. وهكذا بقية أنبياء الله، فإنهم لا يغفلون جوانب الإصلاح الأخرى، لكن مهمتهم الرئيسة هي الدعوة إلى توحيد الله ﷿، وإصلاح المعتقد.
٢ - أنّ دين الأنبياء واحد، وهو الإسلام، فجميع أنبياء الله جاؤوا بالدعوة إلى عبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ولم يتخلَّف نبي واحد عن الدعوة إلى توحيد الله، فلهذا كان دين الله واحدًا، وهو الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
وليس لله عدة أديان، كما يتوهم بعض الناس، فيظن أنّ لله دينًا يُسمى اليهودية، ودينًا يُسمى النصرانية، بالإضافة إلى دين الإسلام! بل ما جاء به الأنبياء دين واحد، وهو الإسلام، ولكنه الإسلام بالمعنى العام، الذي يعني: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، والبراءة من أهله، وإنما يختلف الأنبياء في الشرائع؛ في الحلال والحرام، وأما أصول الإيمان، وأصول العبادات، وأصول المعاملات، وأصول الأخلاق، فإنها متفقة.
فإن قال قائل: فما اليهودية؟ وما النصرانية؟
فالجواب: أنَّ اليهودية: ما آل إليه دين موسى ﵇ بعد تحريف الأحبار. والنصرانية: ما آل إليه دين عيسى ﵇ بعد تحريف الرهبان. ولأجل ذا، برَّأ اللهُ منهما إبراهيم ﵇، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. ومعاذ الله أن يبرئ الله خليله إبراهيم، من دين يرتضيه. فاليهودية والنصرانية ليستا دينًا لله ﷿، وإنما هما انحراف عن الدين الأصلي، الذي بعث الله تعالى به الأنبياء. ولهذا سفَه تعالى من خالف ملة إبراهيم.
[ ١ / ١٦ ]
٣ - شمول الرسالات لجميع الأمم، وإقامة الحجة الرسالية على كل الخلق؛ لقوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾، ولفظ (كل) من ألفاظ العموم، فلم يبقَ أمة على وجه الأرض، إلا وبعث الله تعالى فيها رسولًا، فقد أقام الله الحجة الرسالية على جميع الآدميين؛ ولأجل ذا قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فليس شيء يمكن أن يحتج به البشر على الله، إلا أن يقول قائلهم: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، فقطع الله الحجة على الخلائق ببعثة الأنبياء والمرسلين.
نقل الشيخ ﵀-قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: القضاء نوعان:
١ - قضاء كوني.
٢ - قضاء شرعي.
فقول الله ﷿: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] يعني: قدرهن، فهذا قضاء كوني، وأما قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فهذا قضاء شرعي، فلو كان قضاء كونيًا لما تخلّف؛ ولأصبح جميع الناس موحدين، بررة، لكن الواقع يدل على أن أكثر الناس مشركون عققة. فمعنى: (قضى) هنا، أي: أمر ووصّى، فهو قضاء شرعي، لا قضاء كوني.
(والرب): هو المالك الخالق المدبر، أي: الذي ربّى عباده بنعمه سبحانه.
قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ يعني: أن تعبدوه، ولا تعبدوا أحدًا غيره، فهي تحمل معنى النفي والإثبات المضمَّن في (لا إله إلا الله).
قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وهذا يدل على عظم حق الوالدين؛ لأن الله تعالى قرن حقهما بحقه، ولأجل ذا قال نبينا ﷺ: "لا يجزي ولد والده، إلا أنّ يجده مملوكًا، فيشتريه، فيعتقه" (^١)، بهذا يمكن أن يبلغ بره، بأن يجده رقيقًا يُباع ويُشترى، فيعتقه بحر ماله، فيكون سببًا في حريته، كما كان أبوه سببًا في ولادته.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب بر الوالدين برقم (٣٦٥٩) وأبو داود في أبواب النوم، باب في بر الوالدين برقم (٥١٣٧) وصححه الألباني.
[ ١ / ١٧ ]
وحق الوالدين عظيم، وقد دلت الآيات على صفة بر الولدين.
وكلمة (إحسانًا): نكرة، تشمل جميع صور الإحسان، القولي، والفعلي، والمعنوي، والمادي.
قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: نبّه الله ﷾ على حال الكبر؛ لأن الوالدين المسنَّين، يكثر ضجرهما، وعتبهما، ومطالبهما، ويضيق عطنهما، فربما تأفف الابن، أو البنت، من كثرة المطالب، والعتب، فندبه الله ﷾ إلى الصبر والاحتمال، وأن يعقل الإنسان لسانه حتى عن قوله: (أف). والنهر: رفع الصوت بالكلام على سبيل التذمر.
قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾: والقول الكريم: أن ينتقي كلامه كما ينتقي آكل التمر أطايبه، فيختار أحسن الكلمات الممكنة، فيخاطب بها والديه.
قوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: هذا نوع تشبيه وكناية، فكما أنّ الطائر يخفض جناحه لصغاره، رحمةً وشفقةً، فأنت كذلك -أيها الولد- اخفض جناحك، وترفق بوالديك.
قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: تأمّل، وتذكر حالك عند ما كنتَ في سن الصغر، وحاجتك الماسة للرعاية، والرفق، كيف كان أبواك يحوطانك ويرعيانك، ويسعيان في مصالحك، ويسهران لأجلك، ولا يهنئان بمنام، ولا طعام، وأنت تتألم، أو تبكي، وربما سهرا الليالي، وكدحا الأيام، في سبيل مصالحك، فلهذا نبّه، فقال: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
والشاهد من هذه الآية هو قول الله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرةٌ جدًا؛ إذ أنّ الله تعالى أمر، ووصّى بعبادته وحده، دون ما سواه، وجعل ذلك أعظم الحقوق.
فوائد الآيات:
١ - أنّ أول واجب على المكلفين هو التوحيد؛ لأن الله تعالى بدأ به،
[ ١ / ١٨ ]
خلافًا لما ادعاه المتكلمون، من أن أول واجب على العباد هو النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك، فكل ذلك باطل، لم يأتِ به دليل. فأول ما يؤمر به العبد أن يُقال له: اعبد الله.
٢ - عظم حق الوالدين؛ لأن الله تعالى قرن حقهما بحقه.
٣ - وجوب برهما، والإحسان إليهما، قوليًا، وعمليًا.
٤ - تحريم عقوقهما قوليًا، وعمليًا.
قوله: "وقول الله ﷿: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾:
قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أمر بعبادته سبحانه، وأردف ذلك بالنهي عن الشرك، فقال: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ ومعنى الشرك: تسوية غير الله بالله، فيما هو من خصائص الله، أو من حقوق الله. ولذلك كان الشرك يتعلق بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
فالواجب أن نُوحد الله في ربوبيته: فلا نعتقد خالقًا سواه، ولا مالكًا سواه، ولا مدبرًا سواه، ونوحده في ألوهيته: فلا نصرف شيئًا من أنوع العبادة لغيره، ونوحده في أسمائه وصفاته: فلا نعتقد مثيلًا له في اسم من أسمائه، أو في صفة من صفاته، أو فعل من أفعاله.
و(شَيْئًَا): نكرة في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي تدل على العموم، فأي لون من ألوان الشرك فهو مدفوع، مردود، باطل.
مناسبة الآية للباب:
بينٌ ظاهر؛ لأنها تضمنت الأمر بتوحيد الله ﷿، والنهي عن الشرك.
فوائد الآية:
١ - وجوب إفراد الله بالعبادة. فيا عجبًا لخلق من خلق الله، يعيش في أرض الله، ويأكل من رزق الله، ويعبد غير الله! إنّ هذا لظلم عظيم.
٢ - تحريم الشرك؛ قليله وكثيره، فالشرك كله حرام، سواء كان شركًا أكبر، أو شركًا أصغر.
[ ١ / ١٩ ]
قال المصنف-﵀:
وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [سورة الأنعام: من ١٥١ إلى ١٥٣].
الشرح:
قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآيات:
قوله: ﴿تَعَالَوْا﴾: اسم فعل، بمعنى: هلموا، وأقبلوا، فنحن أصحاب المبادرة، ندعو غيرنا، لا ننتظرهم أن يأتوا إلينا، بل نقول لهم: هلموا، وأقبلوا إلى ديننا، وهو دين الأنبياء، والمرسلين، والدعاة، والمصلحين، الذي مضمونه ما في هذه الآيات. ومعنى (أتل): أقرأ، وأقُص، وأُخبر.
قوله: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ففيما يلي بيان لأمهات المحرمات، التي يجب على العباد أن يجتنبوها،
والحرام عند أهل اللغة: الممنوع أو المحظور. وعند الأصوليين، والفقهاء: هو ما يعاقب فاعله، ويثاب تاركه. وهو أحد الأحكام التكليفية الخمسة.
وقد تضمنت هذه الآيات وصايا عظيمة جدًا، تبلغ عشر وصايا:
الوصية الأولى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: النهي عن الشرك به، فإنّ الشرك أعظم ذنب عُصي الله به، كما قال النبي ﷺ حين سأله السائل: أي الذنب أعظم؟
[ ١ / ٢٠ ]
قال: "إن تجعل لله ندًا وهو خلقك" (^١)، فهذا أعظم الذنوب، ولهذا لا يغفره الله أبدًا.
الوصية الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: الإحسان إلى الوالدين، بجميع صور الإحسان القولي والعملي.
الوصية الثالثة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾: تحريم قتل الأولاد، وهو أمر كان شائعًا عند أهل الجاهلية، فلخوفهم من الفقر، والإملاق، وقلة ذات اليد، كانوا يقتلون أولادهم؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديث أي الذنب أعظم؟: "أن تقتل ولدك حشية أن يطعم معك" (^٢)، ومن ذلك: وأد البنات.
الوصية الرابعة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: اجتناب الفواحش مطلقًا، والفواحش: كل أمر مستفحش، مستعظم في النفوس، فالزنا، والسرقة، ونحو ذلك، فواحش؛ لأنها تفحش في النفس السوية، والنهي يشمل ما يكون ظاهرًا مستعلنًا، وما يكون خفيًا.
الوصية الخامسة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: تحريم قتل النفس المعصومة، فقتل النفس من أعظم الذنوب، حتى إنّ الله تعالى شدّد فيه، وغلّظ، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] فهذه الجريمة العظمى من أشد الكبائر، وهي فاحشة، ولا ريب، ولكن أفردها الله بالذكر لعظيم جرمها، وقد قال النبي ﷺ: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" (^٣)، وقال: "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قولِه تعالَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] برقم (٤٤٧٧) ومسلم في الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده برقم (٨٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قولِه تعالَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] برقم (٤٤٧٧) ومسلم في الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده برقم (٨٦).
(٣) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن برقم (١٣٩٥) وابن ماجه في كتاب الديات، باب التغليظ في قتل مسلم ظلمًا برقم (٢٦١٩) وصححه الألباني.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الديات برقم (٦٨٦٢).
[ ١ / ٢١ ]
الوصية السادسة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾: حفظ مال اليتيم وونه من التلف. واليتيم هو من مات أبوه ولم يبلغ، فهو ضعيف، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، فيكون مطمعًا لأصحاب النفوس الدنيئة، فيستولون على ماله، ويأكلونه بالباطل، فلذا عظم الله حرمته، وبيَّن مصرفه، فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي: بأن ينفق عليه منه، وينميه له، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّه﴾ أي: يبلغ سن الرشد ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
الوصية السابعة: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾: وفاء الكيل والوزن، إذ أنّ من الآفات الجاهلية تطفيف المكيال والميزان، وقد أنزل الله تعالى فيه قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُون﴾ [المطففين: ١، ٢] فإذا كان الشيء لهم أخذوا حقهم وافيًا، ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] وإذا كالوا ووزنوا لهم نقصوا، فهذا انحراف في التجارة والمال، فلذلك حذّر الله تعالى منه.
الوصية الثامنة: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾: العدل المطلق، وقد كان من دعاء النبي ﷺ: "اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة العدل، والحق، في الغضب والرضا" (^١)، فالحق ثقيل ومرير، وبعض النفوس لا تطيق أن تقول الحق إذا كان على نفسها، أو كان على قريبها، فينبغي أن يُعوِّد الإنسان نفسه على قول الحق، وأن يلزم جانب العدل، والإنصاف، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]. ومن الناس إذا تكلم في حق من يحب أسرف، وإذا تكلم في حق من يبغض أسرف، فليسأل المسلم ربه ﷿ العدل والإنصاف فيما يقول، وما يفعل.
الوصية التاسعة: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾: الوفاء بالعهود، فالله تعالى له عهود ومواثيق، فيجب الوفاء بها، وكلها مضمنة في كتابه، وفي سنة نبيه ﷺ.
الوصية العاشرة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في باب صفة الصلاة، ذكر جواز دعاء المرء في الصلاة بما ليس في كتاب الله برقم (١٩٧١) وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٢ ]
بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: الاستقامة على السبيل، وعدم الخروج عنه، فوحّد الصراط، والسبيل، وعدَّد السبل. فما أكثر السُبل المنحرفة! وأما سبيل الله فهو سبيل واحد قاصد، وصراط مستقيم، لا يعوج بالسالك، فعلى الإنسان أن يعلم أن الحق واحد، لا يتعدد، وليستقم عليه. إما قول من يقول: لله تعالى طرق شتى توصل إليه، أو سبل متعددة، وأديان متعددة، فهذا باطل، بل سبيل الله واحد، وصراطه واحد، فليجتهد في إصابته، فمن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ -ولا يمكن أن يُخطئ غالبًا، إلا في أمر فرعي-، فله أجر واحد.
مناسبة الآيات للباب:
مناسبة ظاهرة؛ فإنّ الله ﷾ ابتدأ بأعظم وصية، وهي النهي عن الشرك، المستلزم للتوحيد. والبداءة به دليل على أهميته.
ثم قال المصنف ﵀:
قال ابن مسعود ﵁ من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليه خاتمه، فليقرأ قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية (^١).
الشرح:
عبد الله بن مسعود، ﵁، صحابي مشهور، من أخص أصحاب النبي ﷺ به، ومن أقربهم سمتًا، ودلًا، وهديًا برسول الله ﷺ، حتى إن كلامه ﵁ يشبه كلام النبي ﷺ، كأنما عليه أنوار النبوة؛ لأنه تلميذ نجيب، فيجيء كلامه وبيانه قريبًا من كلام النبي ﷺ.
وهو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، ويقال له: ابن أم عبد، وكان من فقهاء الصحابة الأجلاء، ومن معلمي القرآن، وقد جاء في الحديث: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما
_________________
(١) الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٣/ ٣٨١).
[ ١ / ٢٣ ]
أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" (^١)، وهو الذي جهر بالقرآن بين ظهراني قريش، وتلا عليهم سورة الرحمن، حتى أوسعوه ضربًا، وأدموه، وهمَّ أن يفعل ذلك في اليوم الثاني. وقد كانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ﵁.
قوله: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد): الوصية: هي اللفظ المؤكد، المحتفى به.
قوله: (التي عليها خاتمه) يصح فتح التاء (خاتَم)، أو كسرها (خاتِم). والمقصود بالخاتم: الحلقة المستديرة التي يكون عليها فص، تمهر به المكاتيب، والمواثيق. فقد جرت عادة الكبراء، والأمراء، أن يختموا المواثيق والعهود بخواتيمهم التي يكون فيها نقش أسمائهم، كما كان في خاتم نبينا ﷺ نقش (محمد رسول الله)، فيختم به للتوثيق، ولم يزل هذا موجودًا إلى عهد قريب.
وليس مراد ابن مسعود، ﵁، أن ثّم كتابًا خاصًا في قرطاس، قد ختمه النبي ﷺ، وإنما أراد ما يأتي بعد ذلك، قال: (فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]): وإنما قال ابن مسعود ﵁ هذه المقولة، لما بلغه كلام ابن عباس ﵄: "إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه" (^٢)؛ وذلك لأن النبي ﷺ، في مرض موته، قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا، لا تضلوا بعده" فتشاغلوا، واختلفوا عنده، فقال: "قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع" (^٣)، فقال ابن عباس ذلك. لكن ابن مسعود ﵁ كان أفقه من ابن عباس ﵄ في هذه المسألة، فبيّن أنه لم يبق شيء من الدين لم يُبيِّن، ولم يبق شيء يُوصى به، إلا وقد أوصي به، وأن النبي ﷺ لو أوصى بكتاب، لأوصى بما في كتاب الله، فلا موجب للأسى، والأسف.
مناسبة الأثر للباب:
تضمنه لتحريم الشرك: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، المستلزم للتوحيد.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، فضل عبد الله بن مسعود ﵁ برقم (١٣٨) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم برقم (١١٤).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم برقم (١١٤).
[ ١ / ٢٤ ]
فوائد الأثر:
١ - أهمية هذه الوصايا، لا سيما أولها، وأنه لم يبق من الدين ما لم يبلغ، فالنبي ﷺ بلغ رسالة ربه، وأدّى ما عليه.
٢ - عمق فقه ابن مسعود، وفهمه الدقيق ﵁.
ثم قال المصنف ﵀:
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنتُ رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا" قلتُ: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" (^١)، أخرجاه في الصحيحين.
الشرح:
معاذ بن جبل، الخزرجي، الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ، وحِبُّه، فقد قال له يومًا: "يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك" (^٢)، فما أسعده، وما أهنأه! فإنّ المرء يحشر مع من أحب. وكان من فقهاء الصحابة، وأعلمهم بالحلال والحرام، ومن أكثرهم تبحرًا في شريعة الله، وقد استخلفه النبي ﷺ على أهل مكة عام الفتح؛ ليفقههم في دينهم، وبعثه إلى اليمن؛ قاضيًا، وداعيًا، ومعلمًا. ومات ﵁ مبكرًا في الشام، سنة ثمانية عشر للهجرة، وعمره ثمان وثلاثون سنة.
_________________
(١) أخرج البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب اسم الفرس والحمار برقم (٢٨٥٦) ومسلم في الأيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة برقم (٣٠).
(٢) أخرجه أبو داود في باب تفريع أبواب الوتر، باب في الاستغفار برقم (١٥٢٢) وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٥ ]
قوله: (كنتُ رديف النبي ﷺ: رديف الرجل: هو من يرُكبه خلفه. وقد كان من تواضع نبينا ﷺ أن يردف، خلافًا للكبراء والعظماء، الذين يستنكفون أن يكون لأحدهم رديف. أما نبينا ﷺ فقد أردف معاذًا، وأردف الفضل بن عباس، وأردف أسامة بن زيد (^١)، كما أنه يردف على حمار، وهذا دليل آخر على تواضعه ﷺ، فلم يكن يستنكف أن يركب الحمار.
قوله: "فقال لي: "يا معاذ" ": هذا يدل على جواز مخاطبة الشخص باسمه المجرد، وإن كان ذلك يختلف باختلاف المقامات، فربما كان مقبولًا من الأعلى إلى الأدنى، وقد لا يكون مقبولًا من الأدنى إلى الأعلى، فإن الأدنى إذا خاطب الأعلى ينبغي أن يلقبه، أو يكنيه بما يليق به؛ لأن هذا أكمل في الأدب، أما النظراء فلا بأس أن يخاطب بعضهم بعضًا بالاسم المجرد، وحيثما كان اللفظ أحب إلى المخاطب، فاستعماله أولى.
قوله: "يا معاذ أتدري؟ ": صيغة استفهام، يعني: هل تعرف؟
قوله: "ما حق الله على العباد؟ " المقصود بالحق ما يستحقه الله تعالى على عباده.
قوله: "وما حق العباد على الله؟ " أي: ما الذي للعباد على الله، مما أحقه على نفسه. فليس للعباد حقٌ على الله واجب، إلا ما أحقَّه الله على نفسه.
مَا لِلْعِبادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ … هُوَ أَوْجَبَ الأَجْرَ العَظِيمِ الشأنِ
إِنْ عُذِبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِمُوا … فَبِفَضْلِهِ وَالحمَدُ لِلمنانِ (^٢).
وإنما جعل النبي ﷺ الخطاب على هيئة السؤال والجواب، لاستثارة الذهن؛ لأن طريقة السؤال والجواب أدعى لحضور الذهن، وتنبهه، وذهاب البلادة، والرتابة عنه.
قوله: "قال: قلت: الله ورسوله أعلم" هذا من حسن أدبه.
قوله: "حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا" ما أجمل كلام النبي ﷺ! لو شاء العاد
_________________
(١) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (٢/ ١١٤).
(٢) متن القصيدة النونية لابن القيم (ص: ٢٠٨ - ٢٠٩).
[ ١ / ٢٦ ]
أن يعده لعده، فهو كلام فصل بيِّن واضح. فهاتان جملتان تامتان واضحتان، بينتا المقاصد، ولأجل هذا لم يجد معاذ ﵁ عِيًَّا في فهمهما.
قوله: "قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" " البشارة: هي الإخبار بالأمر السار، فمعاذ ﵁ وجد في نفسه رغبة في إدخال السرور على بقية المؤمنين، ببشارتهم بهذه البشرى، وهي: أن الله لن يعذب من لا يشرك به شيئًا، ولكن النبي ﷺ منعه من ذلك؛ حتى لا يتسرب إلى بعض النفوس نوع اتكال، يورث مللًا وكلالة، فيدعوا التنافس في الطاعات، والترقي في الدرجات، فإنهم إذا وقع في قلوبهم أن من سَلِم من الشرك سَلِم من العذاب، تركوا التنافس في الخيرات، والمبادرة إلى الصالحات، والاجتهاد في العبادات، فلذلك نهاه عن إخبارهم لئلا يعتمدوا على ذلك، ويدعوا التنافس في الأعمال الصالحة.
مناسبة الحديث للباب:
واضحةٌ جليةٌ، وهي بيان أن حق الله على العباد: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وهذا هو التوحيد.
فوائد الحديث:
١ - تواضع النبي ﷺ من جهتين: الإرداف، وركوب الحمار.
٢ - جواز الإرداف على الدابة، إلا أن يشق عليها، فإنا مأمورون بالإحسان في كل شيء، ولهذا نجد أن النبي ﷺ حينما أفاض من عرفات شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، وكلما أتى حبلًا من الحبال (^١) أرخى لها قليلًا حتى تصعد (^٢)، فهذا من الرفق بالحيوان.
٣ - أن من طرق التعليم الناجحة، الطريقة الحوارية، والسؤال والجواب؛ لأن ذلك أدعى لحضور الذهن.
_________________
(١) الحبال هنا بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وهو التل اللطيف من الرمل الضخم. شرح النووي على مسلم (٨/ ١٨٧).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ برقم (١٢١٨).
[ ١ / ٢٧ ]
٤ - الأدب مع المعلم، بأن يجيب بجواب لائق، فإن معاذًا قال: الله ورسوله أعلم، ومثل هذا لا يقال إلا في الأمور الشرعية، أما الأمور الكونية، فإنه لا يقال فيها: الله ورسوله أعلم؛ لأننا لا نعلم أن رسول الله ﷺ يعلم ذلك الأمر الكوني، أما الأمور الشرعية، فإننا نعلم أن الله تعالى أتاه الكتاب والحكمة.
فإذا قال لك قائل: كم نصاب الذهب؟ وأنت لا تعلم، فقل: الله ورسوله أعلم، وإذا قال لك قائل: هل قدم زيد من السفر؟ وأنت لا تعلم قدم أم لم يقدم، قل: الله أعلم، ولا تقل: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا لا يدخل في معلوم النبي ﷺ.
٥ - أنَّ الإنسان إذا كان يجهل المسألة فليحل إلى علم الله، وليقل: الله أعلم، أو: الله ورسوله أعلم، أو يقول: لا أدري.
٦ - أنه لا يتم توحيد الله إلا باجتناب الشرك؛ لأن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وقد تقدم معنا في جميع النصوص السابقة القرن بين القضيتين، بين التوحيد، واجتناب الشرك، فلا توحيد إلا باجتناب الشرك، فالتوحيد يقوم على ساقين: عبادة الله، واجتناب الشرك.
٧ - فضل التوحيد، وسيأتي له باب مفرد، فتوحيد الله ﷿، والسلامة من الشرك، يثمران النجاة والسلامة من العذاب.
٨ - استحباب بشارة المؤمن، فينبغي للإنسان أن يسعى في إدخال السرور على قلب أخيه المسلم. ومن الناس من لا يحلو له إلا نقل الأخبار المزعجة، والإرجاف، فيخبر بالحوادث، والكوارث، والمصائب، والبلايا، وقلَّ أنْ يُخبر بخبر سعيد، فينبغي للإنسان أن يكون بشيرًا، ناشرًا للفأل الحسن، ويجتنب ضده.
٩ - جواز كتمان العلم للمصلحة؛ لأن النبي ﷺ قال لمعاذ: "لا تبشرهم فيتكلوا"، لكن معاذًا أخبر بها عند موته تأثمًا؛ لأنه قد جاء في الحديث: "من سُئل عن علم، فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (^١)، فمعاذ، ﵁، أمسك
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب من سئل عن علم فكتمه برقم (٢٦٤) وأبو داود في كتاب العلم، باب كراهية منع العلم برقم (٣٦٥٨) وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٨ ]
عن الإخبار بهذا العلم إلى أن دنت وفاته، فخشي مغبة الوعيد، فأخبر بهذا الحديث عند موته تأثمًا، يعني: تفاديًا للإثم. ويتفرع عن هذه الفائدة فوائد:
١٠ - عدم تحديث العصاة والفساق بأحاديث الرجاء؛ لأنه لو حدثهم بأحاديث الرجاء، أُمْعنُوا في باطلهم، وتمادوا.
١١ - عدم تحديث أصحاب التقوى والخوف، بأحاديث الوعيد؛ لأن هذا يزيدهم خوفًا، وربما أخرجهم عن حد السواء، فلحقهم هم، وغم.
١٢ - عدم تحديث الظلمة، وأهل الجور، بأحاديث العقوبات والتعزيرات؛ كحديث العرنيين، لئلا يستسهلوا الفتك، وظلم العباد. وكل ذلك يرجع إلى ما يؤتيه الله عبده من الحكمة.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في (^١) خلق الجن والإنس.
وهي: إفراد الله بالعبادة، والدليل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
الثانية: أنّ العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.
لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] فالخصومة بين الأنبياء وأقوامهم كانت في ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥]
الثالثة: أنّ من لم يأتِ به لم يعبد الله، ففيه معنى قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [سورة الكافرون: ٣ - ٥]
من زعم أنه يعبد الله بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والصدقة، وهو
_________________
(١) وفي بعض النسخ (من).
[ ١ / ٢٩ ]
لم يفرد الله تعالى بالعبادة، بل عبد معه غيره، فهو لم يعبد الله؛ لأن عبادة الله لا تتم إلا بنبذ الشرك.
الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.
وهي الدعوة إلى توحيد الله ﷿ كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
الخامسة: أنّ الرسالة عمت كل أمة.
لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]
السادسة: أنّ دين الأنبياء واحد.
من عموم قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] فدعوى الأنبياء واحدة؛ ولهذا كان من فرَّق بين أنبياء الله كافر.
السابعة: المسألة الكبيرة: أنّ عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، وفيه معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة البقرة: ٢٥٦].
التلازم وثيق بين القضيتين، فلا تتحقق الأولى إلا بتحقق الثانية.
الثامنة: أنّ الطاغوت عامٌ في كل ما عبد من دون الله.
فكل معبود، أو متبوع، أو مطاع، غير الله، فهو طاغوت يجب الكفر به،.
التاسعة: عِظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف، وفيها عشر مسائل: أولاها: النهي عن الشرك.
فينبغي تعظيم ما عظم الله، وتقديم ما قدم الله، والبداءة بالأهم، فالمهم.
[ ١ / ٣٠ ]
العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثمانية عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [سورة الإسراء: ٢٢] وختمها بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾. [نفس السورة: ٣٩]. ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [نفس السورة: ٣٩].
وهذا سرد المسائل الثماني عشرة:
الأولى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾، النهي عن الشرك الأكبر.
الثانية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، الأمر بعبادة الله وحده.
الثالثة: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، الأمر بالإحسان إلى الوالدين.
الرابعة: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾، وجوب إيتاء ذي القربى حقه.
الخامسة: ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾، وجوب إيتاء المسكين حقه.
السادسة: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾، وجوب إيتاء ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع، حقَّه.
السابعة: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، النهي عن التبذير.
الثامنة: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، النهي عن التقتير والإسراف.
التاسعة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، النهي عن قتل الأولاد.
العاشرة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، النهي عن الزنا ومقدماته.
الحادية عشرة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، النهي عن قتل النفس بغير حق.
الثانية عشرة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، النهي عن قربان مال اليتيم بغير إحسان.
الثالثة عشرة: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾، وجوب الوفاء بالعهد.
الرابعة عشرة: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾، وجوب الوفاء بالكيل.
[ ١ / ٣١ ]
الخامسة عشرة: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾، وجوب الوفاء بالوزن.
السادسة عشرة: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، النهي عن القول بغير علم.
السابعة عشرة: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، النهي عن المشي في الأرض مرحًا.
الثامنة عشرة: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، النهي عن الشرك.
ويحتمل أن يعد النهي عن الإسراف مسألة، ويحذف الأمر بالوفاء بالوزن لدخوله في التي قبله.
الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تُسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. الآية ٣٦.
وهذا مسرد الحقوق العشرة:
الأول: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، الأمر بعبادة الله، واجتناب الشرك.
الثاني: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، الإحسان إلى الوالدين، بجميع صور الإحسان القولي والعملي.
الثالث: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، الإحسان إلى ذوي القربى، من جهة أبيه أو أمه.
الرابع: ﴿وَالْيَتَامَى﴾، الإحسان إلى اليتامى، وهم من فقدوا آباءهم صغارًا.
الخامس: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، الإحسان إلى المساكين، الذين أسكنتهم الحاجة، فلم يجدوا كفايتهم.
السادس: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾، الإحسان إلى الجار القريب، الذي اجتمع فيه القرابة، والجوار.
السابع: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، الإحسان إلى الجار الجنب، غير القريب.
الثامن: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾، الإحسان إلى الصاحب بالجنب، سواءٌ كان زوجة، أو رفيق سفر.
التاسع: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، الإحسان إلى ابن السبيل، وهو المسافر الغريب المنقطع.
[ ١ / ٣٢ ]
العاشر: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، الإحسان إلى ملك اليمين، من العبيد والإماء، والبهائم.
الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته.
كما يُؤخذ من أثر ابن مسعود، الذي استدراكه على كلام ابن عباس ﵄.
الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا.
وهو أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا.
الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدّوا حقه.
وهو ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا.
الخامسة عشرة: أنّ هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.
استنبطها الشيخ ﵀ من حال معاذ، حين قال: أفلا أبشر الناس؟ فدل ذلك على أن كثيرًا من الناس لا يعلم هذه المسألة، يعني: لا علم لهم أن النجاة تحصل بهذا الأمر، وهو إفراده بالعبادة، والسلامة من الشرك.
وتوجيه هذا الكلام أن يقال: إن من لم يشرك بالله ﷿ لا يمكن أن يخلد في النار، فمن وحّد الله تعالى، وسَلِم من الشرك، فلا يمكن أن يخلده الله تعالى في النار، لكن إن بدر منه فعل كبيرة، فإنه قد يطهر من كبيرته، بأن يعذبه الله تعالى بقدر ذنبه، ومآله إلى الجنة، وربما عفا الله عنه مجانًا، وأدخله الجنة مباشرة.
السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.
المصلحة هي: خشية أن يتكل الناس، فلا يستكثروا من العمل الصالح. فهي مصلحة معتبرة.
السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.
لأن النبي ﷺ لم ينه معاذًا عن البشارة، لذات البشارة، وإنما لخوف الاتكال.
[ ١ / ٣٣ ]
الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.
فهي علة شرعية معتبرة، غير ملغية.
التاسعة عشرة: قول المسئول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم.
كما أجاب بذلك معاذ ﵁، وأقره النبي ﷺ.
العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض.
وهذا يُؤخذ من كون النبي ﷺ خص معاذًا، لعميق فقهه، وقوة دينه بهذا العلم، وقد كان نبينا ﷺ يراعي -كما يقال في هذا العصر- الفروق الفردية بين الناس، فكان يخص حذيفة بن اليمان بأحاديث الفتن، فيخبره بما يجري من أمور مستقبلة من فتن وأحداث، حتى إنه أسر إليه بأسماء المنافقين دون غيره من الصحابة، فلا بأس أن يعامل المعلم طلابه بنوع تمييز، بناء على ما يعلمه، ويعهده فيهم، من إمكانات، ومواهب، وغير ذلك.
الحادية والعشرون: تواضعه ﷺ بركوب الحمار، مع الإرداف عليه.
الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة.
الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل ﵁.
الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسائل.
فهذه مسائل عظيمة، مفيدة. نسأل الله ﷾ أن يعمر قلوبنا بتوحيده، وأن يعافينا من الشرك وأنواعه.
[ ١ / ٣٤ ]