[المرتبة الثالثة: الإحسان، وله ركن واحد وهو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك]، وهذه ذروة الإيمان وأعلاه، وهو تمام الإخلاص.
قال: [والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]].
(أن تعبد الله كأنك تراه)، وهذا يدفع إلى العمل، ويشعر بمراقبة الله ﷿ ومعيته مع الإنسان.
(فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وبلا ريب أن الإنسان لا يرى الله في الدنيا، لكنه سيراه في الآخرة إذا دخل الجنة، أما أهل النار فإنهم لا يرونه قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٧ - ٢٢٠].
وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١].
وجه الدلالة من الآية الأولى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] فمعية الله ﷿ تكون للمحسنين، وهذه المعية تقتضي المراقبة.
ووجه الدلالة من الآية الثانية قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء:٢١٨]، وهذه تقتضي أيضًا المراقبة والشعور بمراقبة الله ﷿ للإنسان.
وأيضًا محل وجه الدلالة من الآية الثالثة قوله: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١].
قال: [والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور -يصح أن يقول جبريل ويصح أن يقول: جبرائيل، وهكذا الشأن في ميكائيل عن عمر ﵁ قال: (بينا نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد).
وهذا يدل على أن الملائكة أحيانًا يتشكلون في صور البشر، كان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ على صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان رجلًا جميلًا وسيمًا.
وقوله: (حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه)، وهذه جلسة طالب العلم المتواضع بين يدي معلمه.
(وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)، وشرحها قد تقدم.
(قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه!) أي: أن السؤال أحيانًا يأتي للاستعلام وأحيانًا يأتي للتقرير، فسؤاله هنا كان للتقرير؛ لأنه قال: صدقت.
(قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: أن النبي ﷺ عرف أن السائل هو جبريل.
(قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها؟)، وهذا فيه خلاف في معناه بين العلماء، قيل: المقصود به الفتوحات التي تكثر فيها السبايا والإماء في بيوت المسلمين، ثم يتزوجها وتلد ابنة أو ابنًا يكون سيدًا لها.
(أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى العراة الحفاة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) أي: الغنى بعد الافتقار، وهذا حصل في مراحل متعددة من تاريخ المسلمين.
(قال: فمضى) يعني: ذهب (فلبثنا مليًا، فقال: يا عمر! أتدري من السائل؟) فالصحابة لم يسألوا، مع أن الحاجة إلى السؤال ماسة، لكن تأدبًا مع النبي ﷺ لم يسألوا، (فقال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم).
ولا يصح الإجابة بقول: الله ورسوله أعلم في كل شيء، وإنما يكون ذلك في الأمور الشرعية، لكن لو سئلت مثلًا: أين أبوك؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فأنت مخطئ، فالله أعلم؛ لأن الرسول ﷺ لا يعلم أين أبوك الآن.
(قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم)، وهذه طريقة من طرق التعليم وهي السؤال والجواب.
بالنسبة للأصل الأول الذي هو معرفة الله ﷿ وتوحيده أوصي بالرجوع إلى كتاب: كيف نفهم التوحيد؟ للشيخ محمد أحمد باشميل، وهو كتاب نافع ومفيد، وهو صغير يمكن قراءته في ليلة واحدة، بل في ساعة واحدة، وهو كتاب نافع وسهل وسلس، وأسلوب الشيخ ﵀
[ ٣ / ١٩ ]