مسألة: أول واجب على المكلف هي مبنية على فطرية المعرفة، فأول واجب على المكلف بناءً على أن الإنسان مفطور هو توحيد العبادة، يعني: توحيد الألوهية: هو إفراد الله ﷿ بالعبادة، فهو أول واجب على المكلف؛ لأن إثبات وجود الله ﷿ متحقق في الفطرة، وأيضًا ربوبيته سبحانه ثابتة في الفطرة، فلا يبقى إلا إثبات إفراده ﷾ بالألوهية والعبادة.
ويدل على ذلك كثير من النصوص، منها: قول الله ﷿: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فهذه الآية أول معلوم أمر به فيها هو توحيد العبادة، قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] ولا إله إلا الله هي توحيد العبادة كما سيأتي معنا.
وأيضًا حديث معاذ بن جبل عندما قال له النبي ﷺ: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وفي لفظ: (إلى أن يوحدوا الله ﷾) فهنا على الأولية.
ومن الأدلة البليغة في هذا المجال آية الميثاق، وهي قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
فهذه الآ ية تسمى عند العلماء آية الميثاق، وقد اختلف المفسرون في معناها على قولين: القول الأول: أن هذا ميثاق حقيقي، وأن الله ﷿ مسح على ظهر آدم وأخرج ذريته أمثال الذر، وأنه خاطبهم بالمقال، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] فأجابوه وقالوا: ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] وأن الله ﷿ ردهم مرة أخرى إلى صلب آدم.
وذكروا مجموعة من الأحاديث تدل على هذا المعنى، لكن كل الأحاديث الواردة فيها ضعيفة ليست صحيحة.
القول الثاني: أن الآية ليست إشهادًا حقيقيًا، وليس استنطاقًا حقيقيًا، وإنما هو معنى الفطرة، فيكون المعنى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] يعني: أن الله ﷿ أخذ من ظهور ذرية بني آدم أنفسهم في التوالد، وأنه ﷾ أشهدهم على أنفسهم، بمعنى فطرهم على التوحيد.
فالإنسان يستشعر أن الله ﷿ هو خالقه وربه، وهو ﷾ المدبر لشأنه، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ﵀ في درء التعارض، وأيضًا تلميذه ابن القيم، وإن كان جمهور المفسرين على القول الأول، لكن ابن القيم ﵀ ناقش هذه المسألة في كتابه (الروح) نقاشًا مستفيضًا، وبين فيها أن الآية غير متطابقة مع الأحاديث، فالأحاديث تدل على أن الله ﷿ مسح ظهر آدم، بينما في الآية قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:١٧٢] لم يقل: آدم، فالآية غير متطابقة مع الحديث، ويبدو أن هذا هو القول الصحيح.
وعلى كل حال سواء على القول الأول أو القول الثاني فكلها تدل على أن وجود الله ﷿ أمر فطري وأنه ليس من أمور النظر والاستدلال، إلا في حالة فساد الفطرة، فإنه يكون النظر حينئذ بالنظر السليم والمستقيم.
في اللقاء القادم بإذن الله سنتحدث عن الكتب الثلاثة: (الأصول الثلاثة) و(كشف الشبهات) و(كتاب التوحيد)، وسنعرف بالمسائل الموجودة فيها، وأيضًا سنبتدئ في الحديث عن أقسام التوحيد وأنواعه وتعريفه، ونتحدث مباشرة عن المسائل الموجودة في هذه الكتب الثلاثة، أسأل الله ﷿ أن ينفعني وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح إنه على كل شيء قدير.
[ ١٦ ]