يقول المقدسي: المنائية، والديصانية، والماهانية، والسمنية، والمرقوتية والكبائبون، والصابئون، وكثير من البراهمة والمجوس، وكل من قال باثنين، أو بأكثر، أو بشيء قديم مع البارئ، وكذلك القائلون بالجنة، والجوهر، والفضاء.
ويقول الصابئون: النور حيٌّ عالم، والظلمة جاهلة معمية، والمرقيون يقولون: ثلاثة أشياء قديمة: نور، وظلمة، وثالث معدل بينهما.
ويقول المنائية: النور خالق الخير، والظلمة خالق الشر.
ويجعل من مذاهب المجوسية: الذين يعبدون النار والشمس والقمر والنجوم.
ويقول المقدسى١ عن أصل مقالات الثنوية والحرانية: أصل اعتقاد هؤلاء في الجملة أن: المبدأ شيئان اثنان:
-نور.
_________________
(١) ١ البدء والتاريخ جـ١ ص ١٤٢.
[ ٣٠٨ ]
- وظلمة.
وأن النور كان في الأصل: أعلى العلو، نورًا خالصًا.
وأن الظلمة كانت أسفل السفل. وظلمة خالصة.
غير مما سبق على مثال الظل والشمس فامتزجا فكان من امتزاجهما هذا العالم بما فيه.
هذا الذي يجمع أصل عقائدهم.
ثم اختلفوا بعد ذلك: فزعم "ابن ديصان" أن النور خالق الخير، والظلمة خالقة الشر، بعد قوله بأن: النور حيٌّ حساس، والظلمة موات؛ فكيف يصح الفعل من الموات؟
ولما رأى من فنون ما لحق المانوية، والديصانية من التناقض والفساد أحدث مذهبا زعم أن الكونين: النور والظلمة قديمان، ومعهما شيء قديم ثالث؛ وهو الذى حمل الكونين على المشابكة والامتزاج، ولولا ذلك المعدل بينهما لما كان من جوهرهما إلا التباين والتنافر.
وزعم "كنان" أن أصل القديم ثلاثة أشياء: الأرض، والماء، والنار، غير أن المدبر لها اثنان: خير، وشر.
وأما الحرانية: فمختلف عندهم في الحكاية؛ زعم أحمد بن الطيب في رسالة له يذكر فيها مذاهبهم أن القوم مجمعون على أن العالم علة، لم يزل.
ويقولون: المدبرات سبع واثنا عشر، ويقولون: في الهيولي والعدم، والصورة، والزمان، والمكان، والحركة، والقوة.
يقول "أرسطاطاليس": في كتاب سمع الكبا. وزعم "زرقان" أنهم يقولون مثل قول المانية، وقال بعضهم: إن مذهب الحرانية ناموس مذهب الفلاسفة، وما لم يكن يجرؤ أحد أن يظهر خلافهم.
[ ٣٠٩ ]
وأما المجوس: فأصناف كثيرة، ولهم هوس عظيم وترهات متجاوزة الحد والمقدار، لا يكاد يوقف عليها، فبعضهم يقول بقول الثانوية.
وبعضهم على مذهب الحورانية والخرمية -جنس منهم يتسترون بالإسلام- ويقولون: مبدأ العالم نور، وأنه نسخ بعضه فاستحال ظلمة.
وأما أهل الصين: فعامتهم الثنوية إلى كثير ممن يليهم من الترك وفيهم المعطلة الذين يقولون: بقدم الأعيان، وأن العالم لا صانع له ولا مدبر.
والهنود أصناف كثيرة: وتجمعهم البراهمة والسمنية، والمعطلة الأخرى.
يقولون بالتوحيد: غير أنهم يبطلون الرسالة، ومنهم المهادرزية يزعمون أن المبدأ ثلاثة إخوة ولهم أسطورة طويلة ذكرها المقدسي.
هذا من جهة الصفة العامة الغالبة على المذهب أما تفصيلاته فهى:
أولا: الإقرار بالقوة الإلهية:
بمعنى أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن سمات الحدثان.
ثانيا: الإقرار بالعجز الإنساني:
في الإنسان عجز عن إدراكه؛ أى: الإله، وعلينا الإقرار بهذا العجز. وفي الوقت نفسه علينا التقرب إليه لحاجتنا إليه.
فاتخذوا سبيلهم إليه بالمتوسطات المقربين لديه.
ثالثا: الإقرار بإمكانية الاتصال به:
أدى شعورهم بالحاجة إلى إعمال الفكر؛ لكيفية تصور إمكانية العلاقة بينهم وبين القوة الإلهية، بيد أن هذه العلاقات كما تصوروها لا يمكن أن تكون مباشرة؛ لما عليه الإنسان من دنس النفس وإظلامها بالشهوات الطبعية، ولذلك رأوا أن الوسيط يجب أن يكون روحانيا.
[ ٣١٠ ]
والروحاني -في نظرهم- هو: المقدس من المواد الجسمانية المبرأ عن القوى الجسمانية المنزه عن الحركات والتغيرات الزمانية.
فللاتصال به علينا أن نطهر أنفسنا من علائق القوى الشهوانية حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين "الروحانيات" فحيئنذ نسأل حاجتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم.
وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا عن الشهوات الدنيا.
والاستمداد هو: التضرع وإقامة الصلوات وبذل الزكاة، والصيام وتقريب القرابين وتبخير البخور، وفي هذه الحالة قد لا يحتاج الإنسان إلى وسيط.
لذلك رفضوا كل وساطة من البشر، فقالوا عن الأنبياء: إنهم أمثالنا في النوع وأشكالنا في الصورة يشاركوننا في المادة يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب ويشاركوننا في الصورة.
أناس بشر مثلنا فمن أين طاعتهم؟
وبأية مزية لهم لزمت متابعتهم؟
قال تعالى: حاكيا ذلك عنهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون الآية ٣٤.
[ ٣١١ ]