وفي القرن الثالث الميلادي انتقل المركز الفكري العالمي من أثينا وروما إلى الشرق، كما انتزع زعامة الفكر الفلسفي جماعة من أصحاب الثقافة الهلينية في الأناضول وسوريا ومصر وغيرها من بلدان الشرق الأدنى، وهكذا شهد القرن الثالث انحلال الأنظمة الفلسفية القديمة وتقهرها بمثابة تمهيد السبيل؛ لبروز أنظمة جديدة توفق بين الفلسفة الإغريقية والفكر الشرقي كما مهدت السبيل أيضا أمام انتصار المسيحية الحاسم.
كانت الأفلاطونية المحدثة نظامًا من هذا النوع، وكانت محاولة للتوفيق بين نظريات أفلاطون، وأرسطو من جهة، وبين بعض الآراء الدينية الشرقية، وفي ذلك الجو الفكري الذي كان شائعا في منطقة الشرق الأدنى استطاعت الأفلاطونية المحدثة أن تكون من ثنائية أفلاطون التي تنطوي على "المثال" "والمادة" الفكرة القائلة بأن الله والطبيعة شيء واحد، وأن الإنسان والكون المادي ليسا يسوى مظهر من مظاهر الذات الإلهية، وهو المذهب المعروف بمذهب "وحدة الوجود"
.وكان من أنصار الأفلاطونية المحدثة: أربعة من سكان الشرق الأدنى:
١- ساكاس "أمونيوس".
يقول عن نفسه: إنه من أهل الإسكندرية، ونشأ مسيحيا، وتفقه في الدين على يد والديه، ولكنه عندما بدأ يدرس الفلسفة تحول عن دينه وصار وثنيًّا.
٢- أفلوطين: وأفلوطين من أسيوط، ولد حوالي ٢٠٠-٢٧٠م، ولأفلوطين عدة مؤلفات كتبها على حقب:
الحقبة الأولى: كتب واحدا وعشرين كتابا من تاسوعاته.
الحقبة الثانية في روما: كتب في أثنائها أربعة وعشرين كتابا.
الحقبة الثالثة والأخيرة: كتب تسعة من الكتب.
وانتهت أعمال أفلوطين المصري بتلمذة "فورفوريس" الصوري له.
[ ١٤٩ ]
٣- فرفوريوس: توفي ٣٠٥، وهو الذي شرح نظريات أفلوطين وأشاعها، فيكون بذلك المؤسس الأول لنظام فلسفي ظل قرونا يستأثر بالفكر الأوروبي الفلسفي.
٤- يمبلنجوس توفي: سنة ٣٣٣، تلميذ بارز لفرفريوس سوري المولد، ولم يسر "يمبلنجوس" على خطى الفلاسفة من قبله الذين كانوا يشدون الرحال سعيا وراء العلم، بل بقي يعلِّم في موطنه أتباعه الفلسفة الفيثاغوريسية، أخذ "يمبلنجوس" يعزو إلى الأعداد معنى أسمى من المعنى الذي لها في علم الرياضيات، كما أنه عدَّل كثيرا في آراء معلمه بالنسبة للصوفية، هذه الأفكار والأراء المجموعة بعضها مهلهل لقيت في مدينة الإسكندرية من يأخذ بها وينظمها كي تصبح نظاما فلسفيا تبعا لميول هذه المدرسة في جعل الفكر الإغريقي على أنواعه فكرا شرقيا، لقد اصطحبت هذه المدرسة في هذه الفلسفة كثيرا من الآراء التي تعزى إلى "فيثاغورس" وإلى أتباعه، وأضفت عليها تفسيرا صوفيا، وإلى "فيثاغورس" يعزى مذهب التقمص، والمذهب القائل بأن الحياة الأرضية ليست سوى وسيلة لتطهير النفس.
[ ١٥٠ ]