اصطلاح مستحدث ظهر بظهور الإسلام، وقد أطلق على حال
العرب قبل الإسلام تمييزًا وتفريقًا لهذا عن الحالة التي صار عليها العرب بظهور الرسالة على النحو الذي يحدث عندنا وعند غيرنا من الأمم من إطلاق تسميات جديدة للعهود القائمة، والكيانات الموجودة بعد ظهور أحداث تزلزلها وتتمكن منها؛ وذلك لتمييزها وتفريقها عن العهود التي قد تسميها أيضا بتسميات جديدة، وفي التسميات التي تطلق على العهود السابقة مما يدل ضمنًا على شيء من الازدراء والاستهجان للأوضاع السابقة في غالب الأحيان١.
_________________
(١) ١ السابق جـ١ ص٣٧، المزهر ص١٧٦.
[ ٩٢ ]
"الجاهلية" أي أيام الجاهلية أو "زمان الجاهلية"؛ استهجانًا لأمر تلك الأيام الذي هو ضد الحلم، الأنفة والخفة والغضب، وما إلى ذلك من معانٍ، وهي أمور كانت جد واضحة في حياة الجاهليين، ويقابلها الإسلام الذي هو مصطلح "مستحدث أيضا ظهر بظهور الإسلام"، وعماده الخضوع لله والانقياد له، ونبذ التفاخر بالأحساب والأنساب والكبر وما إلى ذلك من صفات نهى عنها القرآن والحديث١.
وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم في مواضع منه، منها آية سورة الفرقان قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وآية سورة البقرة: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، وآية الأعراف قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ [الأعراف: ١٩٨] .
وفي كل هذه المواضع ما ينم على أخلاق الجاهلية؛ وقد ورد في الحديث: "إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل" ٢، وورد أيضا: "إنك امرؤ فيك جاهلية" ٣ وبهذا المعنى تقريبًا وردت الكلمة في قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا٤
وازدراء بجهل أصحابها لحالة الوثنية التي كانوا عليها، ولجهالة الناس إذ ذاك وارتكابهم الخطايا التي أبعدتهم في نظر النصرانية عن العلم وعن ملكوت الله، "وقد أعفى الله عن أزمنة هذا الجهل، فيبشر الآن جميع الناس في كل مكان إلى أن يتوبوا"٥.
وقد وردت لفظة الجاهلية في القرآن الكريم، وردت في السور المدنية دون السور المكية؛ فدل ذلك على أن ظهورها كان بعد هجرة الرسول إلى المدينة؛ وأن إطلاقها بهذا المعنى كان بعد الهجرة، وأن المسلمين استعملوها منذ هذا العهد فما بعده٦.
_________________
(١) ١ المفصل جـ١ ص٣٨، ص٣٩. ٢ بلوغ الأرب جـ١ ص١٦. ٣ ذيل أقرب الموارد جـ٣ ص١١٥، فجر الإسلام جـ١ ص١٦. ٤ بلوغ الأرب جـ١ ص١٦، محيط المحيط ص٣٠٩، أساس البلاغة جـ١ ص١٤٥. ٥ المفصل جـ١ ص٣٧، ص٣٨ وأعمال الرسل والإصحاح السابع عشر آية ٣٠. ٦ المفصل جـ١ ص٣٨.
[ ٩٣ ]
وقد فهم جمهور من الناس أن الجاهلية من الجهل الذي هو ضد العلم، أو عدم اتباع العلم، ومن الجهل بالقراءة والكتابة، ولهذا ترجمت اللفظة في الإنكليزية بـ The time of igmorace، وفهمها آخرون أنها من الجهل بالله وبرسوله وبشرائع الدين وباتباع الوثنية، والتعبد لغير الله، وذهب آخرون إلى أنها من المفاخرة بالأنساب والتباهي بالأحساب والكبر والتجبر وغير ذلك من الخلال التي كانت من أبرز صفات الجاهليين، ويرى المستشرق "جولدزيهر" أن المقصود الأول من الكلمة "السفه" أي لا يسفه قوم علينا فنسفه عليهم فوق سفههم؛ أي: نجازيهم جزاء يربى عليه، واستعمال هذا اللفظ بهذا المعنى كثير١.
وجاء في سورة المائدة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُون﴾ [المائدة: ٥٠]؛ أي أحكام الملة الجاهلية وما كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام والتفريق بين الناس في المنزلة والمعاملة٢.
وأطلقوا على "الجاهلية الجهلاء" والجهلاء صفة للأولى يراد بها التوكيد وتعني "الجاهلية القديمة"٣ وكانوا إذا عابوا شيئا واسبشعوه قالوا: "كان ذلك في الجاهلية الجهلاء"٤ وهي: الوثنية التي حاربها الإسلام، وقد أنب القرآن المشركين على حميتهم الوثنية فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٥ [الفتح: ٢٦] .
يقول جواد علي: والرأي عندي أن الجاهلية من السفه والحمق والخفة والغضب، وعدم الانقياد لحكم وشريعة وإرادة إلهية، وما إلى ذلك من حالات انتقصها الإسلام٦.
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب جـ١ ص١٦. ٢ المفصل جـ١ ص٤٠، تفسير الخازن جـ١ ص٥١٦. ٣ محيط المحيط ص٣٠٩. ٤ أقرب الموارد ص١٤٧. ٥ عن الجاهلية والجهل وما ورد بهذا المعنى في القرآن الكريم، راجع تفصيل آيات القرآن الحكيم: تأليف جون لابوم ونقله إلى العربقية محمد فؤاد عبد الباقي ص٦٢١. ٦ المفصل جـ١ ص٤٠.
[ ٩٤ ]
ونحن نرى هذا الرأي الذي يرى: أن الجاهلية وصف لمرحلة تاريخية مليئة بالسفه والحمق وعدم التروي فيما ينبغي التروي فيه، والتاريخ الجاهلي الذي رواه الإخباريون مليء بالشواهد والأخبار التي تؤيد هذا الرأي من غير تعسف في البحث عن شواهد تؤيده، فما التاريخ الجاهلي إلا تاريخ حروب بين القبائل من حرب "البسوس" و"داحس والغبراء" وهما معًا من أفتك الحروب شراسة بأهلها وأشدها هولا وأطولها زمنًا، وما ذلك إلا نمط من أنماط نزق العقل العربي الذي بجانب كل المجانبة ما أُثِرَ عن العرب من مرويات الحكم: فحياتهم تتردد بين مأثور من القول الجميل الموزون المقفى ونثر ذي فواصل من الحكم والأمثال الحميدة، وبين سلوك فاضح سفيه كتلك الحروب التي ذهبت بالأجيال وقد طال مداها أربعين عاما بسبب ناقة أغراها الكلأ فهامت على وجهها من غير إذن رعيانها، فتاريخ الحروب الجاهلية تاريخ سفاهات وحمق وثارات ظالمة.
[ ٩٥ ]