يقول جواد علي: إن في كلام أهل الأخبار عن الزندقة، ووصفهم لزندقة قريش إيهاما وغموضًا، وخلطًا؛ وإذا كان الزنديق هو القائل: ببقاء الدهر، وبعدم وجود عالم ثانٍ بعد الموت؛ فتكون الزندقة: الدهرية، ويكون الزنديق هو: الدهري؛ لقوله بالدهر؛ وبأبدية الكون والمادة؛ أما القول بالثنوية: بالنور والظلمة، وبالكفر والإلحاد: إنما وقع في الإسلام بسبب الخلط الذي وقع بين المعنى المفهوم للفظة في الفارسية القديمة، وفي الفارسية الحديثة، وبالمعنى الذي ظهر للكلمة في الإسلام،
[ ٣٢٦ ]
والذي تحول إلى زندقة بغيضة تحوى العناصر المذكورة والتي كانت تؤدي بمن يتهم بها إلى القتل١.
وقد ذكر محمد بن حبيب أسماء زنادقة قريش، فجعلهم: أبو سفيان بن حرب، وعقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف، والنضر بن الحارث، ومنبه، ونبيه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة.
وذكر أنهم تعلموا الزندقة من نصارى الحيرة؛ فربط هنا بين الزندقة وبين نصارى الحيرة.
وقد ذهب ابن قتيبة أيضا إلى أخذ قريش الزندقة من الحيرة، والذى نعرفه عن المذكورين، أنهم: كانوا من المتمسكين الأشداء بعبادة الأصنام؛ وقد كان أبو سفيان يستصرخ "هبل" على المسلمين يوم أحد، ويناديه: اعل هبل.. اعل هبل؛ وقد نص على أنه كان من أشد المتحمسين لعبادة الأصنام؛ ولم يذكر أحد من أهل الأخبار أنهم كانوا ثنويين على رأي المجوس، يقولون بإلهين -بالنور، والظلمة- وأنهم تعبدوا للنار، أو تأثروا برأى "مزدك" أو "مانى" الذي أضيف إليه الزنادقة، ولا نجد في آرائهم المنسوبة إليهم- وفي حججهم في معارضة الرسول ما يشير إلى زندقة بمعنى ثنوية، لذلك:
فزندقة من ذكرت لا يمكن أن تكون بهذا المعني٢.
وأما ما يراه أهل الأخبار من أخذ زنادقة قريش زندقتهم من الحيرة، أو من نصارى الحيرة، فإن فيه تأييدا لما قلته: من أن الزندقة لا تعني المجوسية، والثنوية، وإنما القول: بالدهر وإنكار المعاد الجمساني.
ولنا ملاحظات على ما ذكره ابن قتيبه عن أديان العرب وزندقتهم:
ذكر ابن قتيبه أديان العرب في الجاهلية فقال:
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص ١٤٦ المعرب ص ١٦٦، اللسان ١٢/ ١٢. ٢ المفصل ص ١٤٧، المعروف ص ٦٢١.
[ ٣٢٧ ]
كانت النصرانية في "ربيعة" و"غسان" وبعض "قضاعة".
وكانت اليهودية في "حمير" وبنى "كنانة" و"بنى الحارث بن كعب وكندة".
وكانت المجوسية في بني "تميم". منهم زرارة بن عدس التميمى وابنه حاجب ابن زرارة، وكان قد تزوج ابنته ثم ندم، ومنهم الأقرع بن حابس -وكان مجوسيا، وأبو سودة جد وكيع بن حسان- وكان مجوسيًّا.
- وكانت الزندقة في قريش أخذوها من "الحيرة" وكان "بنو حنيفة" اتخذوا لها في الجاهلية إلها من "حيس" فعبدوه دهرا طويلا ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال رجل من "بني تميم" شعرا:
أكلت ربها حنيفة من جو عٍ قديم بها ومن إعوازِ
ونلاحظ أن المادة العلمية التي قدمها ابن قتيبة غير دقيقة لا من جهة الموضوع ولا من جهة الحصر ولا من جهة تحديد القبائل التي تدين بالدين الذي نسبهم إليه.
فهو أولًا لم يعد الصابئة ضمن أديان العرب.
وثانيًا: أنه ذكر الزندقة في أديان العرب.
فأخرج الصابئة وهي داخلة في أديانهم وأدخل الزندقة وهي خارجة عنهم.
وفي نظرنا يعتبر هو الوحيد الذي ذكر الزندقة، والوحيد أيضا الذي لم يعد الصابئة.
يقول الألوسي ١:
والذي يظهر أن مراد ابن قتيبة من الزندقة هو الملة التى نسبها إلى بعض العرب الذين اعتنقوا الثنوية أو القائلين بالنور والظلمة بمقتضى قوله: أخذوها من الحيرة؛ فإنها من بلاد الفرس.
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، السيد محمود شكري الألوسي ط٢ ص"٢٢٨٢".
[ ٣٢٨ ]
وإن كان سكانها وملوكها من العرب المتدينين بدين الفرس أو دين المسيح ولو كان مراده من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية؛ لما كان لقوله: "أخذوها من الحيرة" وجه؛ فإن كثيرا من قبائل العرب كانوا كذلك فتعين أن مراده ما ذكرنا.
ثم يقول في لفظ زندقة: وهو أى: الزندقة اصطلاح جديد ولا مشاحة فيه والزندقة اصطلاح فارسي يرجع إلى العصر العباسي حين اتهم به البرامكة.
يقول ابن قتيبة:
وكذا البرامكة يرمون بالزندقة، وفيهم قال الأصمعي:
إذا ذكر الشرك في مجلس أضاءت وجوه بنى برمكِ
وإن تليت عندهم آية أتوا بالأحاديث عن مزدكِ
يقول صاحب لسان العرب: ١
الزنديق القائل ببقاء الدهر فارسي معرب.
وليس في كلام العرب زنديق.
وإنما تقول العرب: زندق وزندقي إذا كان شديد البخل.
فإذا أرادت العرب بمعنى ما تقوله العامة قالوا ملحد ودهري بفتح الدال.
أما معناه في المسموع فدهري بضمها.
ويرجع اصطلاح الزندقة إلى "ماني" وذلك أن الفرس حين أتاهم "زرادشت" أتاهم بكتابه المعروف: "بالبستاه" باللغة الأولى من الفارسية وعمل له التفسير وهو: "الزند" وعمل لهذا التفسير شرحًا سماه "البازند"، وكان الزند بيانًا لتأويل المنزل.
ومن أورد في شريعتهم شيئًا بخلاف المنزل الذي هو البستا، وعدل إلى تأويل هو الزند، قالوا: هذا زندي فأضافوه إلى التأويل وإنه منحرف عن الظواهر من المنزل إلى التأويل وهو بخلاف التنزيل.
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور
[ ٣٢٩ ]
فلما أن جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس، وقالوا: زنديق وعربوه، والثنوية: هم الزنادقة.
قال المسعودي: وألحق بهؤلاء سائر من اعتقد القدم وأبى حدوث العالم١.
ويقول الشهرستاني: ومما اتفقت حوله الأديان والملل: أن للعالم قوة إلهية مدبرة له، بيد أنها لها أسماء شتى:
- تسمى عند "زرادشت" مشا سيد.
- وعند الفلاسفة: العقل الفعال، ومنه في الفيض الإلهي.
- وعند المانوية: الأرواح الطيبة.
- وعند العرب: الملائكة.
- وفي الإسلام: الله.
ولعل ما لاحظه الشهرستاني: كان موضع تقدير لدى الذين حاولوا توحيد الأديان، وذلك على أساس أن الشعوب المختلفة إنما تعبد في الحقيقة الإله نفسه تحت أسماء مختلفة، وأنه يمكن بناء على ذلك توحيد الأسماء والنحل، وهذا الاعتقاد هو ما جعل أنطيوخوس الرابع يعتقد أنه لن تكون هناك صعوبة شديدة تستعصي على إدخال عبادة "زيوس" حتى في بلاد اليهودية نفسها.
_________________
(١) ١ مروج الذهب ص١٧٣.
[ ٣٣٠ ]
المجوسية أقدم من زرادشت:
وكلمة مجوس من الكلمات المعربة، عربت عن لفظة "مغوس" الفارسية، التي تعني "عابد النار"، وهي من الألفاظ التي دخلت إلى اليونانية كذلك حيث وردت لفظة "Magus". وقد دخلت إلى لغة بنى إرم أيضًا، ولا ندري اليوم على وجه صحيح من أي طريق دخلت لفظة مجوس إلى العربية؛ عند الفرس أنفسهم، أو عن اليونانية، أو عن طريق لغة بني إرم.
ترتد الديانة المجوسية من حيث تشابه عناصرها إلى التراث الهندي وتناقضها مع ديانة جيرانهم الساميين وفي ذلك يقول دي بورج:
[ ٣٣٠ ]
في أزمان ما قبل التاريخ ترك فرع من الأسرة الهندية -الأوربية موطنهم الأصلي في أراضي السهوب شمالي قزوين، وهاجر في اتجاه جنوبي شرقي، ولقد سار بعضه عبر ممر خيبر إلى البنجاب، بينما استقر البعض الآخر في شرق الهضبة الإيرانية العظيمة، وفي بواكير السنوات الألف الثانية، يممت هذه القبائل الإيرانية -سمت نفسها آرية ومن هذه التسمية اشتق الاسمان المحليان آريا وإيران- صوب الغرب إلى المرتفعات التى تحف سهول ما بين النهرين وكلديا، وبعد ذلك بألف سنة نجد الميديين في الجنوب من بحر قزوين، والبرتيين في خراسان، والبكتريين في منحدرات الهندوكوش الشمالية، والفرس في الجبال التي تشرف على الخليج الفارسي إلى الشمال الشرقي، وكانت سلاسل جبال الهندوكوش وسليمان تقوم حاجزا من جهة الهند..
ولقد أحضر هؤلاء الآريون معهم الحصان وهو من نتاج سهول السهوب، ولم يكن للبابليين أيام حمورابي عهد به ولكن استخدمه الأشوريون كعدة حرب١.
ولقد حملوا معهم كذلك دينًا متميزًا يتناقض تناقضًا يسترعي البال مع دين جيرانهم الساميين المستوطنين السهل، وكان يختلف أيضا -على الرغم من أساس مشترك دأب على المحافظة على نفسه بين الفرس إلى يومنا- عن دين الآريين ذوي قرابتهم في الهند٢، وبينما أخضعت العقيدة الهندية كل الآلهة الأخرى إلى إله أعظم أوحد وجدنا الدين الإيراني له مظاهر ثنائية٣، وكان مجمع آلهتهم يأتلف حول قوتين لهما السيادة الواحدة قوة الخير وهي إيجابية ومصدر النور والحياة، والأخرى قوة الشر وهى الظلمة والموت، وهي سالبة، وكانت القوتان تسميان على الولاء، أهورا مزدا" أورمزد" وأهريمن. والصراع خارق العادة، بين هاتين القوتين الإلهيتين غدا ينعكس في مجرى تاريخ البشر. وبين الاثنين، ويقف الإنسان وقد وهب الحرية الخلقية التي
_________________
(١) ١ كما يدل على هذا الاسم البابلي للحصان "جحش الشرق". ٢ بين العناصر المشتركة عبادة ميترا وهو إله الشمس وذابح المارد "أندرا الهندي" وعبادة النار والاعتقاد بشرعة قدر يتوفق على الآلهة والإنسان. انظر ف. كيموم "F. Cumont" ص ١-٢ "Les mysteres de" وكان وارونا أعظم إله خلقى في مجمع الآلهة الفيدية تطورا موازيا لأهور مزدا ومن أصل آري مشترك. ٣ ولكن براهما الأعلى في دين التوحيد الهندي كان لا سبيل للوصول إليه وكان الناس مشتاقين إلى استرضاء إلهين أقل شأنا هما سيوا ووشنو.
[ ٣٣١ ]
يتوقف على استخدامها مصيره في العالم الذي يقع فيما يلي اللحد.. وكان الدين الإيراني ينزع إلى آداب السلوك ولم تكن آلهيته كآلهة الآريين الهنود. معاني مجردة تصورية ولكنهم كانوا شخوصًا خلقيين، ولم يكن هدف الجهد الإنساني الاندماج التألهي في مطلق وحدة الوجود ولكن سعادة أبدية في السماء حيث يحكم أهورا مزدا، وما كانت الحياة الإنسانية وما يلازمها من فروض اجتماعية وأفراح وأحزان بخدعة، ولكنها المجال للعمل في همة والقيام بالواجب الخلقى، وفي اعترافه بقيمة الثقافة الدنيوية واتجاهه إلى غاية يكون فيها الخلاص الفردي، وليس الخلاص القومي، نجد دين إيران يختلف عن دين العبريين وإن تشابه معه في تعليمه الخلقى الرفيع.
وكان الفرس يتسامحون مع الديانات المحلية عندما لا تناصب دينها العداء، ومع هذا فإن عقيدتهم انتشرت صوب الغرب بتوسع إمبراطوريتهم، وفي نقاوته كما نهض به النبي زرداشت، كان دون ريب عقيدة القلة أكثر من أن يكون عقيدة الكثرة، وكان من شأنه بين أيدي المجوس، "وهم طبقة من الكهنة" أن يتدهور إلى فرائض رسمية، بينما أصبحت الجماهير تفسر تعاليمه في صيغ ديانة ما قبل زرداشت القديمة١، وكان مرجع قوته الحقيقية إلى إصراره على المسئولية الخلفية.
_________________
(١) ١ عاش زرادشت على الراجح حوالي عام ٦٥٠ ق. م. وتحتوي الأسفار الفارسية المقدسة التي يطلق على مجموعها لفظ أوبتا، وهي ترانيم ربما كتبها النبى نفسه، ويقرب المذهب الزرداشتي من أن يكون توحيدا، وكانت عبادة النار لها شأن عظيم؛ إذ كانت النار أنقي مظهر لأهورا مزدا، ويظهر أن المجوس الأوائل كانوا معادين لمذهب زرداشت ولم يحفل.
[ ٣٣٢ ]