الكنيسة السريانية الغربية، آباء الكنيسة اللاتين، أوغسطين ٣٥٤:
إذا كان الفرع الشرقي للكنيسة السريانية الذي غرس جذوره في إيران يعتبر من ناحية الفلسفة اللاهوتية نسطوريا، فإن الفرع الغربي الذي تأصلت جذوره في كنائس سوريا "مونوفستيا" أي: كنيسة القائلين بأن "المسيح" طبيعة واحدة؛ أي القائلين بأن "المسيح" إنسان إله وتعظيم العذراء.
وفي مطلع القرن السادس كانت قد ترسخت في سوريا وأصبحت تعرف بالكنيسة اليعقوبية وأصحابها اليعاقبة؛ نسبة إلى "يعقوب البرادعي" واضع طقوسها واسقف الرها ٥٤٣م-٥٧٨م ومن سوريا انتشرت عقيدة أصحاب الطبيعة الواحدة شمالًا إلى أرمينيا وجنوبا إلى مصر حيث اعتنقتها الكنيسة القبطية.
يقول حتى: في الوقت الذي كان فيه آباء الكنيسة في الإسكندرية يعملون على إغناء اللاهوت المسيحي بتلقيح العقائد المسيحية بعناصر من الفلسفة الإغريقية، كان الآباء القديسون اللاتين يدخلون على سلطة الكنيسة وإدارتها عناصر رومانية في حقلي التشريع والقضاء.
ولد سنة ٣٥٤ في "نوميديا" غرب مدينة قرطاجة؛ ولم يعتنق المسيحية حتى سنة ٣٨٧، بعد أن كان من دعاة الأفلاطونية الجديدة؛ وبعد اعتناقه بسبع سنوات رسم أسقفا على مدينة "هبو" وهي مستعمرة فينيقية ثانية في شمال إفريقيا، وبقى في هذا المنصب حتى مماته سنة ٤٣٠م ومما شهره مؤلفه الموسوم بـ "اعترافات" وهو: كتاب ممتع يسر وفيه سيرة حياته؛ وكذلك مؤلَّفه "مدينة الله" الذي يتخيل فيه الكنيسة المسيحية إمبراطورية جديدة ناشئة تقوم على أنقاض روما.
من هنا يظهر على سبيل المقارنة بين آباء الكنيسة الإسكندرانية وآباء الكنيسة الرومانية، بأن آباء الكنيسة الإسكندرية وارثو التراث الإغريقي الحضار الذي يؤكد الإيمان بالعقل وحب العلم وطلب المعرفة لذاتها.
[ ٢٢٦ ]
هم الذين أوجدوا الفكر المسيحي القديم، وخلقوا له نظاما خاصًّا به، وكان الثلاثة: "كلمنت، وأوريجين، وأوغسطين" هم الذين وضعوا العقيدة في الثالوث، وقد أكد الآباء الإغريق على الأفلاطونية الجديدة التي نادى بها أولا "بولس" الرسول، وتمييزها بين عالم المحسوسات الذي هو عالم زائل منقلب وبين عالم الفكر الذي هو ثابت دائم سرمدي؛ وهذا التمييز من شأنه أن يوضح الفرق بين المادة والروح بين الجسد والنفس.
يقول حتى: لقد أضحى العالم "وادي الدموع" الذي يأخذ بيد الإنسان إلى العالم الآخر. كما أن حياة التنسك والتقشف أصبحت في نظر الناس هي الحياة الفضلى.
وعلى نقيض الآباء اليونانيين كان الآباء اللاتين وارثو التقليد الروماني يعنون أولا بتنظيم المجتمع البشري، ووضع الشرائع والقوانين التي تضبط شئونه؛ كما أنهم يعملون على تنظيم الكنيسة كمؤسسة ونظام، وذلك لأن الشعب الروماني كان واقعيًّا في نظرته أكثر من الشعب الإغريقي.
[ ٢٢٧ ]