إن لغة اليمن أو عرب الجنوب تعرف بلغة حمير، هي تختلف كثيرا عن لغة عرب الحجاز أو الشمال، وإن كانتا من أصل واحد، ولكن الفرق بينهما يدل على تباعد أصحابها في العادات والأخلاق فهما يختلفان في الإعراب، وفي الضمائر، وفي كثير من أحوال الاشتقاق والتصريف١.
لكل من الطائفتين أسماء خاصة لا تشاركها فيها الطائفة الأخرى ولا يخفى ما للأسماء من الدلالات الاجتماعية؛ وأسماء اليمنيين في الدولتين: المعينية، والسبئية تشبه الدولة الحمورابية أو البابلية: كقولهم "أب يدع"، والينع، ويثع إيل، ومعدي كرب، وأبو بكر، وعلهان، وكرب إيل" ونحو ذلك مما لا شبيه له عند عرب الشمال في الطور الثاني.
ويختص هؤلاء باسماء لا تجدها عند اليمنيين؛ لأنها من مقتضيات البداوة، ولذلك رأيت بينها كثيرا من أسماء الحيوانات؛ لكثرة وقوع أبصارهم عليها فألفوها، وأصبح لكل منها رمز عن خلق أو خصلة فسموا أبناءهم بها، وليس ذلك من بقايا الطوطيمة كما توهم بعضهم٢ فمن أسمائهم من هذا القبيل "أسد، ونمر، وثعلبة،
_________________
(١) ١ العرب قبل الإسلام: ج١ ص١٦٥، ص١١٦. ٢ راجع كتاب أنساب العرب لجورجي زيدان.
[ ١١١ ]
وكلب، وثعبان" ونحوها، وبعض أسمائهم تنسب إلى آلهتهم. كعبد اللات، وعبد العزى وعبد مناة، وبعضها مقتبس من الأمم المجاورة لهم كاليونان والسريان، وقد حرفوها، فامرؤ القيس مثلا نظنه تحريف "ماركوس" "مرقس" وربما تعمدوا تحريفه؛ ليكون له صبغة عربية، كما حرفوا: "سامرا" فجعلوها "سر من رأى" وكما جعلوا "وسارس" المعبود اليوناني "ذو الشرى" يؤيد ذلك: أن هذا الاسم "امرؤ القيس" لم يكن معروفا عند العرب قبل النصرانية، أو قبل مجاروتهم اليونان، وقد يتسمون بأسماء اليونان بعد ترجمتها "فالحارث" يجوز أن يكون ترجمة "حيور جيوس" اليونانية ومعناها العامل في الأرض، وصخر ترجمة "بطرس" ونحو ذلك.
وبعض أسماء أولئك البدو مأخوذ من الأوصاف أو المناقب مثل "سعيد، عامر، حسان، محمد" ونحوها، ولا عبرة بما أدخله العرب منها بين أسماء ملوك حمير مثل الحارث وعمرو فإنه قليل ولم نجد له ذكرا في الآثار المنقوشة.
٤- الأديان: يشترك هذان الشعبان في كثير من ضروب العبادة وفي عبادة بعض الأصنام، ولكنهما يختلفان في الإجمال؛ فآلهة اليمن أقرب إلى معبودات البابليين، وعندهم "عشتار، وإيل، وبعل" وغيرها، وأما الشماليون فيشتركون في عبادات تختلف عن تلك: "كاللات والعزى، ومناة، وهبل" وغيرها.
والعداء بين قحطان وعدنان قديم، تمتد جذوره إلى الفترة التي سبقت ظهور الإسلام، وقد استمر هذا العداء بعد ظهور الإسلام وتمثل في العداء بن الأنصار من سكان المدينة، والقرشيين من سكان مكة، وقد كان لهذا العداء أثره البين على سير الحوادث في الإمبراطورية الإسلامية، وامتد حتى وصل الأندلس.
[ ١١٢ ]