كان دين الدولة الساسانية الرسمي طوال حكمها: الدين الزرداشتي إلا أن التركيز على سيادة "أهورا مزدا" إله النور والخير، كان أكثر من التركيز على النظام الثنائي، وحين أنشأ كسرى الأول في ٥٥٥ مدرسة جنديسابور في الطب والفلسفة، دعا أساتذة مسيحيين؛ ليتولو أمر التعليم فيها، وكانت لغة التدريس اللغة السريانية، وقاموا بترجمة المؤلفات اليونانية إلى لغتهم السريانية، وترجمت أساطير "بيدبا"، ثم وجدت طريقها إلى "أسبانيا" عبر ترجمة عربية قديمة من أسبانيا انتشرت في سائر الأقطار الأوروبية، كما قامت في أحيان كثيرة بالتوفيق بين الأديان وتوحيد العقيدة، وكانت تميل للنسطورية كمل كان "الساسانيون" يعطفون على "النسطوريين" ويتسامحون معهم، ولعل ذلك يرجع -من وجهة نظرنا- إلى اتجاه الأساتذة المسيحيين الذين انتدبوا للعمل في المدرسة ومعاداة الفرس للروم، ولما كانت النسطورية وقعت تحت الاضطهاد الروماني فقد تعاطف معها الساسانيون، ثم هم نظروا إليها من حيث دعوتها للتوحيد.
هذه صورة عامة عن المدارس التي قيل عنها: إنها حملت تراث مدرسة الإسكندرية إلى المنطقة العربية على الرغم من أن تاريخها ما زال مجهولا نرى أن ما علم منه يفيدنا؛ إذ إن هدفها الأول هو: نشر أصول الدين الوثني بين المسيحيين الذين كانوا يتكلمون بالسريانية.
يقول ديالاسي: "فقد كانت عقائدهم اللاهوتية ونظام كنائسهم، كما بين "أسترزيجوفسكي" غير مطابقين للأصول المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية".
وكما نلاحظ أن رؤساءها أساقفة مسيحيون؛ أي رجال دين، لكنهم لم يكونوا رجال دين فقط، لكنهم رجال دين منشقون بعضهم على بعض فحملت هذه المدارس طابع هذا الانشقاق. فالمدارس كانت ذات طابع ديني، وكانت القضية
[ ١٦١ ]
المسيطرة عليها: قضية طبيعة "المسيح"، والرأي، ومنهجه حول طبيعة "المسيح" لم يكن واحدا، إنما كان يتغير تبعا للولاء السياسي، كما كانت غالبية هذه المارس يرجع الفضل في إنشائها إلى: بعض المضطهدين من: السياسة، والكنيسة. وهذا مما أدى إلى: فشل الهلينية في المنطقة العربية، لأن هذه المدارس كان رؤساؤها: رجال الدين مضطهدين فحولوها إلى غايات دينية غير متفق عليها؛ وكثيرا ما كان يستعدي عليها رجل السياسة، فيشتت شملها ويبعثرها، أضف إلى ما سبق: أن بعدهم عن الإغريقية جعلهم ينعزلون داخل المادة السريانية المترجمة، فانقطاعها عن الهلينية صيرها إقليمية خالصة، وحامت فلسفتها حول الدين، واللاهوت، ولئن كانت قد نشرت بعض أفكار فلسفية عن المسيحية في بلد جديد فإن هذا الفكر لم يساعد على التحول، وأصبح حال هذه المراكز الثقافية ليس بأحسن من حال العواصم السياسية للمنطقة العربية، فما تكاد تظهر وتتماثل للازدهار حتى يطويها ليلها الطويل.
يقول دلاسي أوليري: إن الثقافة اليونانية لم تنتقل إلى العرب عن طريق هذه الاتصالات الأولى، ولقد تحقق انتقال العلوم اليونانية إلى العرب عندما استقرت الخلافة العربية في مدينة بغداد التي كانت حديثة البناء بالقرب من "جنديسابور".
[ ١٦٢ ]