قال ابن إسحاق: التقى بحيرا برسول الله وهو ابن تسع سنين، وفي الطبري: ابن اثنتي عشرة سنة.
وكان الرسول قد خرج مع ركب أبي طالب وهو في تجارته إلى الشام، فمر على راهب في صومعته في بصرى: هو بحيرا، فمن بحيرا؟
[ ٢٣٩ ]
قال ابن إسحاق: بحيرا كان إليه علم أهل النصرانية.
ووقع في سيرة الزهري: بحيرا كان حبرا من يهود تيماء.
وفي المسعودي: أنه كان من عبد القيس واسمه سرجيس، تلك رواية بحيرا.
ثانيا- رواية نسطورا الراهب:
رآه الراهب تحت ظل شجرة، وهو في رحلته بتجارة خديجة إلى الشام.
وتذكر الرواية: أنه ليس بحيرا الراهب؛ لأن هذه الرواية كانت بعد العشر.
الروايتان تفيدان معا:
التقاءهما بالرسول ﷺ، وهو في رحلة تجارية مع قبائل قريش، وأن الرسول ﷺ لم يجالسهما، وإنما تكلم في شأن مستقبله مع شيخ الركب، وأنهما نصحا بعودته خوفا عليه من الروم أو اليهود، ولم يقترحا استبقاءه معهما حتى عودة القافلة من رحلتها، فالمسيحية الأولى: قامت بالدور التبشيري لمستقبل رسالة الإسلام ونبيه. وهذا ما تقرره الروايتان: أنهما لم يتحدثا إليه، لا من قريب ولا من بعيد في شأن تعلمه.
وعلى احتمال أنه تعلم منهما واستمع إليهما، فأي شيء تعلمه منهما؟
وعقيدة أي مذهب تعلم؟ هل العقيدة النسطورية؟ أو عقيدة مذهب الطبيعة الواحدة، وكلاهما كان منتشرا في تلك المنطقة؟ ثم ما المدة الزمنية التي تكفي لإحاطته بالمسيحية؟
بعض المستشرقين يرى أن وراء هذه الروايات دورا تاريخيا في صلة الرسول بالمسيحية، ومثل هذه الآراء وجدت من بحوث المستشرقين ما ناهضها، وناقضها، ووفق مناهج بحوثهم أثبتوا تفاهتها من عدة أمور منها:
- عدم تعرض القرآن لمشكلات المسيحية.
- تناقض ما جاء في القرآن عنها مع شعراء العرب المعاصرين للنبي -ﷺ- وقد ثبت من تحرير شعرهم أنهم كانوا على صلة بالمسيحية: كأعشى قيس شاعر
[ ٢٤٠ ]
الغساسنة، وكأمية بن أبي الصلت الذي بات آسفا على نفسه وخيبة رجائه في فشل قيادته الدينية، وهم على ذلك الحال لم يتقولوا على محمد -ﷺ- بأنه أفاك.
- الحاجز اللغوي: الذي أشار إليه القرآن بين الرهبان ومحمد يمنع ما ينتج من هذه الروايات.
- يقرر هوارت: Huart: أنه مهما كان إغراء الفكرة التي تقول بأنه تفكير المصلح الشاب "محمد" -ﷺ- قد تأثر بقوة عندما شاهد الديانة المسيحية بسورية، فإنه يجب استبعادها؛ نظرا لضعف الأسس التاريخية للوثائق التي كانت أمامنا، وعدم وجود روايات صحيحة غيرها.
وسوف نرى رأيا لمستشرق قدم بحثا مفصلا ودقيقا في هذه الموضوعات١ قال ذاك المستشرق: ومن البهتان ما شاع من القول أن النبي -ﷺ- علم من هؤلاء قصص التي تحتل مكانا بارزا في القرآن.
وقد قال أعداؤه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُون﴾ ٢.
وفي القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٣
وفيه أيضا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ ٤.
وهؤلاء المسيحيون المستضعفون في مكة لم يكونوا هيئة منظمة، ولم يكن لهم أسقف.
ويقول هذا المستشرق عن أصحاب الطبيعة الواحدة:
_________________
(١) ١ علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب: دالاسي أوليري ترجمة دكتور: وهيب كامل مراجعة زكي على ص٨٩، ٩٠، ١٢٤ Voir it Arapic a ccidutal avant I'Hegie la mance بلاد العرب قبل الهجرة. ٢ الآية ١٤ من سورة الدخان. ٣ الآية ١٠٣ من سورة النحل. ٤ الآية ٤ من سورة الفرقان.
[ ٢٤١ ]
وكانت مدينة نجران، في بلاد العرب، غير بعيدة عن مكة وهي الأخرى مسيحية تدين بمذهب الطبيعة الواحدة، ولا نستطيع أن نحدد مركزا لأصحاب الطبيعة الواحدة يدّعي نقل الثقافة اليونانية إلى العرب بالثقة نفسها التي حددنا بها مركز النساطرة في جنديسابور.
ومع ذلك لا يمكن إغفال هذه الصلة؛ لأن مراكز أصحاب الطبيعة الواحدة كانت في الحق أديرة، ولم تكن جامعات، كما كان الأمر في جنديسابور، ولذلك لم تكن مراكزهم وثيقة الصلة بالعرب، كما كانت مدرسة النساطرة.
ويقول عن مدرسة نصيبين:
وكانت مدرسة نصيبين مزدهرة إبان الفتح الإسلامي، ولكنها لم تكن فيما يبدو ذات أثر مباشر على العرب، ولعل السبب في ذلك أنها كانت لاهوتية صرفة.
ثم يقول: لم تكن "في المنطقة العربية" كتب بالعربية، ولم تكن في العربية ترجمة للكتاب المقدس، ولم يكن هناك قداس باللغة العربية.
ثم قال: إن الثقافة اليونانية لم تنتقل إلى العرب عن طريق الاتصالات الأولى، ولقد تحقق انتقال العلوم اليونانية إلى العرب، عندما استقرت الخلافة العربية في مدينة بغداد.
ثم يقول: "إن الفتح العربي في سنة ٦٣٢ لم يوقف الحياة الدينية أو الفكرية لطائفة النساطرة أو أصحاب الطبيعية الواحدة".
ويتكلم صاحب تاريخ سورية عن علاقة المسلمين بالمسيحيين فيقول:
"لقد فرض العرب الجزية وتركت الطوائف التي تدفع الجزية حرة تتبع قوانينها وديانتها وتقاليدها وتحيا حياتها الفكرية الخاصة١.
ولقد كتب أحد بطاركة الكنيسة الشرقية يقول:
إن العرب الذين أولاهم الله السلطة على العالم في هذا العهد هم -كما تعلمون- يقيمون بيننا ولا يتخذون من النصرانية موقف عداء بل هم على عكس من
_________________
(١) ١ تاريخ سورية ص١٤٣.
[ ٢٤٢ ]
ذلك يمتدحون ديننا ويجلون الكهنة والقديسين ويجودون بالتقدمات للكنائس والمناسك١".
بعد ذلك نقول عن المسيحية في المنطقة العربية:
عجزت المسيحية -قبيل الإسلام- على الرغم من تعدد مراكزها وانتشار رجالها في المنطقة العربية عن أن تكون دينا للمنطقة العربية سوى بعض قبائل اعتنقوها تزلفا سياسيا، ولعل عدم انتشارها يرجع إلى عدة عوامل كامنة في المسيحية ذاتها مثل:
- التنافس بين مذاهبها.
- انشقاقاتها العقدية حول طبيعة المسيح والموضوعات المتعلقة بها.
- الاضطهاد السياسي للمذاهب التي تسربت من اضطهاد القيصر لها ثم اعتنقها الناس.
- عدم رضا بعض رجال الكنائس عن عملية التوفيق بين المسيحية والتراث الفلسفي اليوناني الذي أظهر المسيحية من حيث معارفها الفلسفية كأنها منظمة مزيجها يوناني وروماني، ومخلخلة البينان من حيث بناؤها الديني.
هذه الأمور وغيرها ساعدت الناس على أن يرغبوا عنها؛ لأن الوجه الهليني الذي ظهرت به طبع عليها أخص خصائصه: وهو الوثنية؛ إذ الفلسفة اليونانية لا تحب إلا أن تكون وثنية في جوهرها.
وبات عجز المسيحية عن الانتشار واضحا في المنطقة العربية، وبلغ من عجزها أن ظهرت عبادات قريبة الشبه بها كالزرادشتية والبوذية بين الجماعات المسيحية نفسها.
وظهرت المانوية وهي من أخطر العبادات الجديدة، وقد أسسها ماني حوالي ٢٤٦م وقد مات ماني في السجن بسبب معتقداته.
_________________
(١) ١ مدخل إلى القرآن الكريم -عرض تاريخي وتحليل مقارن: الدكتورة عهد محمد عبد الله دراز ص١٣٧.
[ ٢٤٣ ]
وهذا وغيره أدى إلى انصراف الناس عنها إلى اعتناق هذه المذاهب، فكانت هذه المذاهب على خطورتها -في نظرهم- أقل تعقيدا في قضاياها، وأجمع للقلوب؛ لقلة اختلاف ذويها، ولا تُناظر المسيحية من حيث جفاف روحها الديني.
يقول تايلور في كتابه "المسيحية القديمة": أما ما قابله محمد -ﷺ- وأتباعه في كل اتجاه فلم يكن إلا خرافات منفرة، ووثنية منحطة، ومخجلة، ومذاهب كنيسة مغرورة، وطقوسا دينية منحلة، وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النيرة: بأنهم رسل من قبل الله، ومكلفون بإصلاح ما ألم بالعالم من الفساد١.
ويقول الدكتور شوقي ضيف: على أن هناك آفات كانت تشيع في هذا المجتمع الجاهلي لعل أهمها الخمر واستباحة النساء والقمار.
ثم يقول: وأكثر من كان يتجر بها -أي الخمر- اليهود والنصارى، وكانوا يجلبونها لهم من بصرى وبلاد الشام ومن الحيرة وبلاد العراق.
ويقول: إنهم كانوا يضربون خيامهم في بعض الأحياء أو في بعض القرى، ويضعون فوقها راية تعلن عنهم فيأتيهم الشباب؛ ليشربوا، وليسمعوا بعض القيان ممن يصاحبنهم٢.
ومن جانب المقابلة بين التراث الشرقي والتراث الغربي نقول:
استطاع الشرق بعد أن هزم سياسيًّا: أن يرفض بعنف سيطرة التراث اليوناني الروماني، وحاول حصره داخل مدرسة الإسكندرية، وأن يصر بعنف بالغ -كما رأينا في موقف اليهودية- على رفض الوثنية الدينية، وتعرض اليهود من أجل ذلك إلى الشتات؛ وذلك في سبيل عقيدتهم. وهذا موقف يصم السياسة بأنها لا تستطيع تغير من عقائد الناس. هذا من ناحية الموقف الرافض للتراث الهليني من قبل اليهود.
_________________
(١) ١ مدخل إلى القرآن -عرض تاريخي مقارن د/ محمد عبد الله دراز ص١٣٧. ٢ العصر الجاهلي ص٧٠.
[ ٢٤٤ ]
أما المسيحية بعد ما بيَّنَّا موقفنا فإننا نلاحظ في النهاية -وهي دين شرقي- أنها سيطرت من جانبها على الوثنية الرومانية، وتشكلت الدولة الرومانية بالمسيحية، وحملت -ضمن أعبائها- عبء مشاكلها وتبعة نشرها.
وليس في الأمر -كما رأينا- عجز في طبيعة العقل الشرقي أو انحطاط الشرق عن الغرب كما يزعمون، إنما كل ما في الأمر أن الورمان تبنوا -والغرب بعدهم- الثقافة الهلينية وهي ما كانت تعنيهم.
أما حضارة الشرق فإن الإسكندر ما استطاع -ولا خلفاؤه من بعده- أن يقرها وإن هزمه سياسيَّا وحربيًّا غير أنه لم يقهره ثقافيًّا؛ لأنه لا يحب أن يكون منتميا إلا إلى نفسه من خلال تراثه السماوي أو الوضعي، وليس لعلة مرضية كما يزعمون حين يعللون رفض الشرق التراث اليوناني ووثنيته، وإذا كان كذلك فكيف يكون مريضًا وعنده من الوعي الحضاري الذي به فرض رسالته الدينية عليه؟ وهذا أعقد ما في المسألة..
وفي ذلك ما يفيد -من وجه آخر للمسألة- أن رسالة الشرق الدينية ضرورية للإنسانية، وذلك يفسر فيما بعد ظهور الإسلام: وإلا فلماذا أخذ الغرب بالدين الشرقي؟
ألسنا أمام مشكلة فيها تقابل الاستفهام وهو: لماذا رفض الشرق التراث الهليني؟
ولماذا قبل الغرب الدين الشرقي؟
وفي النهاية نقول: وحقيقة دور المسيحية واليهودية من خلال مصادر تاريخية أنهم كانوا وفق نصوصهم يعتقدون في "مسيا"١ جديد -أي: الممسوح بالطيب أو الذي مسحه يهوه بالطيب- وكانوا يذهبون إلى تفسير اضطهادهم بأن التاريخ -وفق تصورهم- يدور؛ ليحقق عودة مجتمعهم الذي تتحقق فيه الإرادة الإلهية واستفاضة نبوءتهم.
_________________
(١) ١ تراث العالم القديم ص٩٤.
[ ٢٤٥ ]
يقول ابن سعد: كان في بني تميمك محمد بن شعبان بن مجاشع، وكان أسقفا يذكر سبب تسميته محمدا، قيل لأبيه: إنه يكون للعرب نبي اسمه محمد، فسماه محمدا١.
يقول ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من فوقه قالوا:
إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه ما كنا نسمع من رجال يهود -كنا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارَبَ زمانُ نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم٢.
كان اليهود دائما يبشرون بمسيا يخلصهم من وطأة ما وقع عليهم من شدائد حتى بعد مجيء المسيح٣.
فهذه النصوص التاريخية تفيدنا أن المسيحية أو اليهودية على حد سواء قامتا بدور تبشيري بنبي قرب مبعثه فكيف بعد مجيء محمد رسولا ينكرون عليه رسالته؟ لا أرى باعثًا على ذلك سوى أنهم كانوا يحاولون تزييف التاريخ الديني للرسالات الإلهية، وتلك قضية أثبتها القرآن حين أثارها عليهم.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى "١: ١٦٩". ٢ المرجع نفسه "١: ١٦٩". ٣ تراث العالم القديم ص٩٤.
[ ٢٤٦ ]