إن اليهود يرغبون عن الدعوة إلى دينهم على أساس: أن اليهودية للعبرانيين أولاد يهوذا بن يعقوب جنسا، وأتباع موسى دينا، وليست دينا لغيرهم من الأجناس، وأن إلههم وهو: "يهوه"، هو الإله الحقيقي، وغيرهم من الآلهة إنما هو مثل له، وأن كل نداءات التوراة خاصة "بيهود" فهي ليست دينا تبشيريا، لذلك لم يقم الأحبار بالدعوة إليها، وجانب آخر: هو أن عدم استقرارهم السياسي ساعدهم على عدم التبشير، زادهم تمسكا بدينهم.
من هنا تعلم أن الديانة اليهودية، التي دخلت في بلاد العرب لم تكن للتبشير، وإنما كانت لمجرد الهجرة عندما انتقلت جماعات اليهود الذين فروا من اضطهاد الرومان في القرن الأول الميلادي "ولا شك أنه كانت هناك أسباب دعت اليهود إلى ترك أوطانهم والنزوح منها إلى البلاد العربية وأهم هذه الأسباب:
١- زيادة عدد اليهود في فلسطين زيادة مطردة، فقد قيل: إنهم بلغوا أربعة ملايين١.
٢- اضطهاد الرومان لليهود في القرن الأول قبل الميلاد، ولجوءهم إلى أرض الجزيرة العربية، التي كانت أحب إليهم من غيرها؛ لأنظمتها البدوية الحرة؛ لوجودهم في أقاليم رملية بعيدة، تعوق سير القوات الرومانية المنظمة وتمنع توغلها٢.
٣- بعد حرب اليهود والرومان سنة ٧٠م التي انتهت بخراب بلاد فلسطين ودمار هيكل بيت المقدس وتشتت اليهود في أصقاع العالم قصدت جموع كثيرة أخرى من اليهود بلاد العرب٣.
_________________
(١) ١ تاريخ الإسلام العام ص١٦٣ دكتور علي إبراهيم حسن. ٢ "١: ٢٤". ٣ تاريخ الإسلام العام.
[ ١٨٦ ]
فاليهودية وجدت في بلادت العرب نتيجة اضطهاد اليهود، وترتب على ذلك أن العرب المجاورين لهؤلاء الأقوام تهودوا دينا أو ثقافة؛ تبعا لمجاورتهم تلك الجموع اليهودية، وكان أصل اليهود باليمن -كما يذهب كُتَّاب السيرة- يرجع إلى الحبرين الذين رافقا تُبَّعًا في رحلته إلى اليمن وهدما البيت المسمى برئام. ومعنى هذا الرأي: أنه يذهب إلى أن اليهودية دخلت وفق دعوة تبشيرية. ولا مانع لدينا أن تكون اليهودية في عصرها الأول كان لها دعوة تبشيرية أو أنها أرادت أن ترد على الاضطهاد الوثني لها، فبشرت؛ لتهدم البيت الوثني المسمى "رئام" وهذا كله إن صحت الرواية.
يقول السهيلي صاحب الروض الأنف: غير أنه وجد في الأوس والخزرج من قد تهود، وكان من نسائهم من تنذر إذا ولدت أو عاش ولدها أن تهوِّده؛ لأن اليهود عندهم كانوا أهل علم وكتاب.
ورأي يرى أن يهودية اليمن ترجع إلى أجدادهم الذين ظعنوا إلى ذلك القطر منذ عهد سليمان.
ومع ذلك لم تستطع اليهودية أن تتغلب على الوثنية في بلاد العرب؛ لأن كثيرا من أحكامها مبني على المشقة فضلا عن الرفض اليهودي للاندماج بالأمم، ثم أخيرا انصراف العرب عن تحصيل مواردهم الثقافية وعدم ميلهم إلى مثل هذا التغيير.
[ ١٨٧ ]