رأينا فيما سبق من القول: أن الصابئة نشأت أول ما نشأت في العراق. سواء أكانت الصابئة الأولى التي أنشأها "هرمس" أو الصابئة الخرى التي نسبت إلى "بوداسف" فإن: النشأة كانت في العراق وبعض من بلاد فارس.
فيا هل ترى: عندما نقلت الكلمة إلى الجزيرة العربية نقلت من مصدرها إلى العربية كما هي؟ أم ترجمها العرب عن أصلها الفارسي أو الأرامي؟
[ ٢٦٨ ]
لا نجد لدينا ما يرجح الاحتمال الثاني؛ لأن الكلمة مجهول نسبها إلى لغة معينة فيبقى الاحتمال الأول: وهو أنها نقلت إلى الجزيرة العربية، وأصبحت من الكلمات المشتركة بين اللغتين واللسانين العربي وغير العربي وذلك جائز.
وهناك احتمال ثالث وهو أن للكلمة وضع عربي، وأصبحت علما على مذهب غير عربي، وهذا ما نراه قريبا إلى الصواب.
ومما وصل إليه بحثنا عن أصل الكلمة أننا لم نجد لها أو حولها بيتا من الشعر، تناول معتنق هذا المذهب مدحا أو قدحا -قوي النسبة لشاعر أو منحول إليه- وهذا يجعلنا نميل إلى أن هذا اللفظ أطلقه القرآن اصطلاحا على مقابل من خالف وثنية الجاهلية الأولى وليس من أهل الكتاب.
يقول الألوسي: اختلف في اللفظ:
- فقيل: غير عربي.
- وقيل: عربي١.
ثم يترك الألوسي نقله "غير عربي" على عمومه من غير تعقيب يبين فيه أصل هذه الكلمة: أفارسي أم هندي أم سرياني، أعرض عن هذا ثم راح يبين اشتقاقها العربي٢ فقال:
- صبا معتلا بمعنى مال. قال الشاعر:
إلى هند صبا قلبي وهند مثلها يُصبِي
- وصبأت النجوم: إذا طلعت.
يقول ابن منظور: عنوا: أنه خرج من دين إلى دين، ونقل عن ابن إسحاق الزجاج قوله في الصابئين: معناه: الخارجون عن دين إلى دين.
_________________
(١) ١ روح المعاني "١: ٢٣١" للألوسي المتوفي سنة ١٢٧٠. ٢ لسان العرب ابن منظور "١٠٨.١" يقول ابن منظور: يزعمون أنهم على دين نوح وهم كاذبون.
[ ٢٦٩ ]
وفي حديث بني جذيمة: كانوا يقولون لما أسلموا: صبأنا صبأنا. وكانت العرب تسمى النبي الصابئ١.
في اللسان العبري:
نرى كذلك الكلمة في اللسان العبري تفيد ما يفيده الوضع العربي:
ففي الأسفار:
- فصبأوا على مدين٢.
- هصبئتم على أريئل٣.
- أي الصابئون على بيت المقدس.
- وردت "أريا"٤ بمعنى: أسد، وإل في العبرية بمعنى: الله، يعني: أن الصابئين على بيت المقدس أسد الله٥.
- وورد بمعنى: الحند٦.
- بمعنى: الجهاد أو القتال والحرب٧.
_________________
(١) ١ المرجع نفسه، كذلك يراجع كتاب تهذيب إصلاح المنطق شرح ابن الخطيب التبريزي لمتن إصلاح المنطق لابن السكيت قال: صبأ يصبأ: خرج من دين إلى دين. - لم نجد فيما رجعنا إليه من مصادر اللغة العربية المختلفة بيتا واحدا من الشعر الجاهلي يفيد مدح مذهب الصابئة، أو ذمه، وذلك ربما يرجع في نظرنا: إلى أنه كان مضطهدا، ولا يستبعد هذا الاحتمال؛ لأن العربي وإن اشتهر بالصلابة والاحتمال، فإن التايخ لا يروي في عصره الجاهلي: موقفا يشهد لعرب الجاهلية بحبهم للاستشهاد في سبيل عقيدتهم الدينية، وإنما تواتر إلينا التاريخ مأثورا عندما هبوا لمنازلة أبرهة، انصرفوا عنه عندما عرفوا وجهته: أنه يقصد البيت، قائلين له على لسان سفيرهم المفاوض: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه، فالعربي لا يأبه لدينه، وآثر تاريخيا أنه استشهد في سبيل الحب: مجانين الهوى، وبلغت شجاعتهم: أنهم كانوا لا يتهيبون من وعيد قومهم وإنذارهم بالبطش. ٢ سفر العدد ٣١-٧. ٣ أشعيا ٢٩-٧. ٤ أيوب ١٨-١٠. ٥ ملتقى اللغتين العربية "١: ٦٢"، مراد فرج سنة ١٩٣١. ٦ الرجس المخرب كما جاء في دانيال "١١: ٣١" وتجعل الرجس المخرب. ٧ سفر العدد ٣١-٣.
[ ٢٧٠ ]
- وأطلق على ما بالسموات من كواكب ونجوم١.
فالفعل في اللسان العبري يشمل: المعنى العربي وزيادة، فيفيد معنى: تقدموا، وتجمعوا، أعدوا أنفسهم للجهاد لله، والعمل لما يقضي به أمر الله٢.
"وصبأ" الأعداء: زحفوا وهجموا، فيها ما يحتمل أنها أطلقت لغويا وليس فيها ما يحتمل أنها أطلقت على نحلة، أو دين أو مذهب معين.
وتقول دائرة المعارف الإسلامية: أن اسم الصابئة مشتق من الأصل العبري "ص. ب. ع" أي غطس، ثم أسقطت العين وهو يدل بلا ريب على المنديا، أو الصبوء وهي فرقة يهودية نصرانية تمارس شعيرة التعميد في العراق "نصارى يوحنا المعمدان"٣.
ويبدو أن اصطلاح صابئة: أطلق على جماعتين من اليهود:
الجماعة الأولى: هم اليهود الذين خرجوا على المسيح: فهؤلاء صابئة مؤمنون.
الجماعة الثانية: هم اليهود الذين وافقوا أبوللونيوس "عندما فتح أورشليم ١٦٧، وهو أحد قواد أنطونيوس، هدم السور، وبني في مدينة داود قلعة جديدة، وملأها بالجند، وجاء في أعقابه مندوب يحمله أمرا بتحريم الديانة اليهودية ووضع هيكل إغريقي: هو الرجس المخرب٤ فوق المذبح اليهودي بفناء المعبد؛ ليحل الوثنية محل اليهودية، أو كما يقول المؤرخون٥؛ ليوحد الديانة بالبلاد، وافق كثير من اليهود على الدخول في تلك العقيدة الوثنية -واليهودي لا يصنع تماثيل للأرباب- وانضموا للحزب المشايع للهلينستية، المناصر لأنطيوخوس، فهؤلاء صابئة وثنيون من اليهود٦
_________________
(١) ١ سفر العدد "٤-١٩-٢٧". ٢ تكوين ٢-١ تثنية ٤-١٩ وأشعيا "٣٤-٤". ٣ دائرة المعارف الإسلامية "١٤: ٨٩". ٤ جاء في سفر دانيا "١١: ٣١" وتجعل الرجس المخرب. ٥ الحضارة الهلينستية: قارن ص٢٢٩. ٦ يروي ابن حجر في فتح الباري "١: ٣١٠" رواية عن أبي العالية تقول: الصابئون فرق من أهل الكتاب: يقرؤون الزبور، هذا يؤيد ما ذهبنا إليه أن في اليهود صابئة. وتقول دائرة المعارف الإسلامية "٨٩: ٨٩" ومن الواضح أن الصابئة الذين ذكرهم القرآن وجعلهم في ثلاثة مواضع: هم من اليهود والنصارى: يعدون من المنديا، وتلاحظ أن النص يحتوي على خطأين: الخطأ الأول: أن القرآن ذكر الصابئة والنصارى من أهل الكتاب في ثلاثة مواضع ومعهما اليهود والنصارى. الخطأ الثاني: قوله أن اليهود والنصارى يعدون من المنديا، فإن القرآن لا يستنتج منه هذه النتيجة وأن ما في القرآن يفيد: أنه مذهب يغاير ما عليه اليهود والنصارى؛ لأن القرآن ذكر الصابئة معهما كما في سورة البقرة أو بينهما في كما سورتي الحج والمائدة.
[ ٢٧١ ]
فالمعنى في الوضع اللغوي لكلمة صابئ لا ينبئ من قريب أو من بعيد عن معنى مقدس، أراده العربي منها:
والصابئ عند العربي -مع العبري- كلمة وصفية تعطي معنى "زنديق" في العهد العباسي أو في عصرنا.
والعرف الجاهلي استعملها وأطلقها على كل من خرج عن دين الجماعة أو القبيلة، وعبر بها عن سخطه عندما أراد أن يسخط على كل من جانب دينه الرسمي أو مألوف وثنيته.
وعلى ذلك يكون معناها عند العربي واسعا: يتسع لمن استحدث دينا غير دين قومه، ووسعت أيضا كل من خرج من دينه إلى غير دين.
يقول الطبري: والصابئون جمع صابئ، وهو: المستحدث بسوى دينه دينا، كالمرتد في الإسلام عن دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب: صابئا.
ثم قال: اختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل:
- فقال بعضهم: يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى دين.
- وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم قوم لا دين لهم١.
وهذا يذهب إليه الشهرستاني: عندما عدها نحلة ولم يجعلها دينا٢.
فعندما يستعملها العربي فإنه يستعملها بمعناها اللغوي: الخروج أو الميل. قال المشركون للرسول: قد صبأ.
لذلك لم يؤمن بعض العرب برسول الله؛ لأنهم وضعوا في اعتبارهم أن الرسول وأصحابه من الصابئة، أي الخارجين على دين الجماعة.
_________________
(١) ١ تفسيره ص٢٥٢ "جامع البيان في تفسير القرآن". ٢ روح المعاني للألوسي "١: ٢٣١". - يذكر صاحب فتح الباري رواية عن ابن مردويه بإسناد حسن عن ابن عباس قال: الصابئون ليس لهم كتاب.
[ ٢٧٢ ]
فلم يستعمله العربي بمعنى: مذهب معين أو نحلة معينة لجماعة معينة أو يكون قد استعمله لكننا لم نر لذلك نصًّا لكن إطلاقه كان على الخارج مطلقًا.
أما الإسلام: فأطلقها على صنف ذي عقيدة، أخطأت تنزيه الله، فوسطت الكواكب بينها وبينه، إذ الكواكب في عرفهم تحتوي على النور الإلهي.
وبعضهم عبد الملائكة لخاصتها الروحيانية، وكان ذلك اجتهادا منهم أو توجيها من بعض حكمائهم.
يقول أبو حنيفة: إنهم ليسوا بعبدة أوثان، وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة١.
وقيل: هم قوم موحدون يعتقدون تأثيرهم النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيى٢.
ولعل هذا النص ظاهر الوضع والانتحال؛ لأنهم يقولون بالوسائط الروحانية ولا يقولون بوسيط بشري مثل وساطة الأنبياء، وهذا من أهم عقائدهم التي صادمهم فيها القرآن، ويمكن حمله على صنف معين: صابئة المنديا أي: الذين اتبعوا يوحنا المعمدان وخرجوا على تعاليم اليهود وهذا ما ذهبت إليه دوائر المعارف الأجنبية واختارته لكن المصادر الإسلامية عدتهم فرقة من فرقهم.
أما نص أبي حنيفة فإن القرآن يؤيده؛ لأنه عدهم وسطا بين اليهود والنصارى.
ويورد الطبري نصا عن ابن وهب يؤكد ما ورد عن أبي حنيفة يقول: الصابئون ليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول: "لا إله إلا الله"٣.
فهم قوم يعظمون الكواكب بناء على تفسيرين:
- الأول: أن خالق العالم: الله إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام.
_________________
(١) ١ المرجع نفسه ٢ تفسيره "١: ٢٥٢". ٣ غرائب القرآن ورغائب الفرقان "١: ٣٠١" للنيسابوري.
[ ٢٧٣ ]
- الثاني: أنه خلق الأفلاك والكواكب وفوض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها؛ لأنها هي المدبرة لهذا العالم.
يقول الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق١:
"ومذهب الصابئة- على ما يحيط بتاريخه من غموض- يكاد يتم الاتفاق على أنه يقر بالألوهية، ويرى أنها تحتاج في معرفة الله ومعرفة أوامره وأحكامه إلى متوسط يكون روحانيا لا جسمانيا؛ ففزعا إلى هياكل الأرواح وهي الكواكب، فهم عبدة الكواكب".
بعد ما سبق نقول: إن الكلمة في الاستعمال العربي الجاهلي أطلقت على من خرج من دينه سواء إلى دين أو إلى غير دين، ويقول أبو حيان المفسر: الصابئون: قيل هم الخارجون من دين مشهور إلى غيره.
وفي الاستعمال الإسلامي تطلق على جماعة بعينها معتنقة مذهبا معينا غير الحنيفية؛ لأن القرآن عندما يذكر الصابئة يذكرها مقترنة بدعوة معتنقيها إلى الإسلام، أما الحنيفية فإن الإسلام يصف بها نفسه.
وتبقى كلمة ذكرها المستشرق الألماني يوليوس فلهوزن يقول فيها:
"وإذا كانت أقدم تسمية أطلقها على المسلمين من لم يدخل في زمرتهم هي تسميتهم بالصابئين فلا يمكن أن يكون لها سبب غير ذلك"٢.
يعلق الدكتور أبو ريدة على هذا الهامش فيقول: ربما يكون قصد المؤلف ما لوحظ من شبه بين بعض عبادات الصابئة وبعض العبادات الإسلامية٣.
_________________
(١) ١ تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق ص١٠٢. ٢ تاريخ الدولة العربية نقله عن الألمانية، وعلق عليه دكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة ص٣ راجعه د. حسين مؤنس-الألف كتاب ١٣٦. ٣ سألت امرأة عربية صحابيين من صحابة رسول الله: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله، قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، ثم لما رجعت إلى قومها قالت: العجب، لقيني رجلان: فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ إلى آخر الحديث. يقول ابن حجر في فتح الباري "١: ٣١٠": هناك فرق بين الصابئ: المراد في هذا الحديث، والصابئ المنسوب للطائفة المذكورة.
[ ٢٧٤ ]
نقول: ربما هذا ما قصده المؤلف، أي أن الشبه بين المسلمين والصابئين هو الذي سوغ للمشركين أن يطلقوا على المسلمين صابئة بينما لو لاحظ -المؤلف- الآيات الثلاث التي تناولت الصابئين لم تعفهم من الدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح وفي الأخرى تناولتهم بالإنذار الشديد من الله فلم يهادنهم الرسول، ولم يصطنع معهم دون غيرهم لينا في القول، إنما كان موقفه يتسم بالوضوح والحسم مع سائر الأديان، ولم يؤثر أن ادعي عليه أنه افتراه من الصابئة أو ادعت عليه الصابئة هذه الفرية.
أما من جهة إطلاق المشركين على المسلمين: صابئة، فإن هذا كما بينا كان من باب وصفهم بأنهم خرجوا على دين الجماعة الرسمي ومألوف عقائدها.
يقول الألوسي: وأهل دين هؤلاء فيما زعموا أنهم يأخذون محاسن ديانات العالم ومذاهبهم ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولا وعملا؛ فقد خرجوا عن تقييدهم بجملة كل دين وتفصيله إلا ما رأوه فيه من الحق١.
قال ابن كثير: وأظهر الأقوال: قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين إنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقررا لهم يتبعونه ويتفهمونه.
ولذا كان المشركون ينبذون من أسلم: بالصابئ، أي: أنه قد خرج من سائر الأديان، وأديان أهل الأرض إذ ذاك٢.
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب "٢/ ٢٥٢" الألوسي. ٢ تفسير ابن كثير "١: ١٠٣".
[ ٢٧٥ ]