وبعد ذلك فنستطيع القول عن الأثر المسيحي، وزعم القول به على الرسول من خلال ما سبق أن نزعة التبشير في المسيحية إلى الاضطهاد الذي تعرضت له من الدولة الرومانية، هذه النزعة ظهرت للمرة الأولى بعد استشهاد القديس أسطفانوس، وما تلاه من اضطهاد، ولم يكن الاضطهاد هو السبب الوحيد في انتشار المسيحية، ولكنه كان سببًا من أسباب انتشارها ولعله كان من أهم الأسباب:
وكان من نتائج هذا الاضطهاد لجوء بعض المسيحيين -على أثره- إلى بلاد ما بين النهرين خارج الإمبراطورية الرومانية، وبذلك استطاعوا أن ينشئوا كنيسة ما بين النهرين، خصوصًا فيما حول "الرها" في هذه الكنيسة ظهرت المسيحية: بآدابها وبلغتها السريانية، والترجمة للكتاب المقدس إلى السريانية كانت عن النص العبري، وليست عن النص اليوناني.
وأصبحت "الرها" بتمايزها السرياني: كنيسة، ومدرسة، مركزًا مشعا وطيد الأركان، ذا شهرة واسعة بين سكان ما بين النهرين، وفارس وممن يتكلمون السريانية باعتبارها مركزا كنسيًّا للشعوب المتكلمة بالسريانية، فإنها مثلت الجانب السرياني من الحياة العقلية، وضارعت به الإسكندرية، وانتشرت اللغة السريانية تدريسًا وتعليقًا في الرها، ونصيبين، وحران.
[ ٢٣٥ ]
ومن هنا ظهر تمايز بين كنيستين في الشرق من حيث الوسائل التعليمية:
- كنيسة الإسكندرية: وهي يونانية ذات شكل مسيحي.
- كنيسة سريانية: مسيحية في تقاليدها١.
وقد أدى هذا التمايز في الأسلوب إلى حساسية مفرطة، أخذت تزداد بفضل النعرة العنصرية، بين السريان، والهلينيين: ثقافة أو جنسًا أدى إلى تأليب الإسكندرية "الكنيسة الجامعة"، والسياسة الإمبراطورية على الكنيسة السريانية، ورأت الإمبراطورية -من وجهتها السياسية- أن في هذا تمردًا على السلطان: سلطانها السياسي من جهة، وعلى الكنيسة الجامعة من جهة أخرى، ومن هنا راحت تقضي بعنف على تلك الكنائس المحلية، ذوات الصبغة القومية، أو المنزع الاستقلالي لغة ودينا.
هذا من حيث الموقف السياسي.
وأما من الناحية الدينية -وهي التي تكمن وراء هذا الاختلاف بين أنطاكية والإسكندرية وما بينهما من منافسة وميول متعارضة- فإن الكنيسة السريانية كانت تنزع إلى تناول اللاهوت بما يمكن أن نسميه تناولا عقليا -مشوبا بالحذر- بقدر ما يحتاج إليه النص المقدس: من حيث الفهم، أو التأويل.
وأما الإسكندرية: فكانت تميل إلى تناوله تناولا فلسفيا يوافق القوعد اليونانية، أو تناولا رمزيا، وفق رمزية الهند وفارس، وقد تعدى الخلاف الشكلي إلى انقسام حقيقي في العقيدة.
فأصبحت الكنيسة السريانية تذهب إلى إنكار إمكان إطلاق لقب والدة الإله على العذراء مريم، ذاهبة إلى أنها لم تكن إلا أُمًّا لعيسى؛ باعتباره بشرًا آدميًّا، وطرد في سبيل ذلك نسطورس بقرار من مجمع أفسوس سنة ٤٣١ بزعامة كرلس، بطريرك الإسكندرية، ولكن السريان لم يقبلوا هذا القرار، ورفضوا قرارات المجمع، وانفصلوا، وعرفوا باسم النساطرة، وانبرت الرها تعضد نستوريوس٢ بوجه عام، واقترن النساطرة بالرها والمنطقة العربية عموما.
_________________
(١) ١ يراجع: ما كتبناه عن أنطاكية في هذا الكتاب. ٢ رجع نستوريوس إلى الدير الذي جاء منه بالقرب من أنطاكية، ثم نُفي إلى البتراء في بلاد العرب وتوفي بعد عام ٤٣٩ بقليل، ولعل معلومات الشهرستاني عن نسطورا غير دقيقة فيقول: النسطورية أصحاب نسطور الحكيم، الذي ظهر زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه.
[ ٢٣٦ ]
ومنذ أن أصبح المذهب النسطوري مضطهدًا، ونحن نلاحظ سرعة في انتشاره وإشرافا، وتوجيها، وسيطرة على الكنائس والمدارس في المنطقة العربية، وانتشر نشاط النساطرة بين العرب في الجنوب الغربي، ثم اتجه نحو الشرق عبر آسيا الوسطى إلى أن بلغ الشرق الأقصى.
ومن المدن العربية الكبرى التي تنصرت: الحيرة، وذلك حوالي نهاية القرن السادس، وذلك حين تنصر النعمان ملك الحيرة، وتبع هذا تحول كثير من الأعراب إلى المسيحية، وهم من قبيلة اللخميين يؤلفون الأرستوقراطية الحاكمة في الحيرة.
يقول ابن هشام: وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم لهم رأس يقال له: عبد الله بن تامر.
يقول ديلاسي أوليري: ويبدو أن هؤلاء الذين اعتنقوا المسيحية قد أخذوا المذهب النسطوري، وارتضوا أن يقوم بخدمة القداس رجال الدين النساطرة، الذين يتكلمون السريانية.
وعلى الرغم من هذا كله فشلت المسيحية في أن تمد جذورها بين العرب فلم يتأثر وسط الجزيرة العربية بالمسيحية.
خلاصة القول كما يقول دوزي أن المسيحية لم تستطع بما فيها من تقاليد وعقيدة التثليث وعقيدة صلب المسيح أن تجذب انتباه العرب أو أفكارهم١.
ومن وجهة النظر العامة: عجزت المسيحية أن تنتشر في الشرق مثل انتشارها في الغرب؛ وذلك للسبب الذي يقوله "رينان"؛ لأنها الوارثة بلا واسطة لآثار الآراميين من مدرسة الإسكندرية.
_________________
(١) ١ حضارة الإسلام: ص٢٨ صلاح الدين خودابخش ترجمة د/ علي حسني الخربوطلي.
[ ٢٣٧ ]