وردت لفظة "يهود" معرفة في القرآن الكريم "اليهود".
وردت في مواضع من سورة البقرة آية ١٣٤، ١٤٠، في سورة المائدة آية ١٨، ٥١، ٦٤، ٨٢، في سورة التوبة آية ٣٠.
وكلها سور مدنية، ولم ترد في سورة من السور المكية، كما وردت لفظة "يهوديًّا" في سورة آل عمران، في شرح ديانة إبراهيم. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ إلخ، وهي من السور المدنية كذلك.
وعبر القرآن عن: "اليهود" وعن مقتضى "اليهودية" بـ ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾، ﴿مَنْ كَانَ هُودًا﴾، ﴿كُونُوا هُودًا﴾، ﴿كَانُوا هُودًا﴾، وسورتا: الأنعام، والنحل من السور
[ ١٨٧ ]
المكية، وبناء على ذلك تكون جملة ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ قد نزلت قبل نزول لفظة "اليهود" في القرآن الكريم.
ومن صور المنهج الرفيع في القرآن الكريم: استعمال اسمين عند التحدث عن العبرانيين، فهم تارة: "اليهود"، وتارة أخرى "بنو إسرائيل"، وتقوم عبارة: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ في بعض المواضع مقام لفظ "اليهود"، والقرآن الكريم حينما يستعمل الاسمين لا يفعل؛ لأنهما مترادفان، كما يقول مثلا: "المسيح"، و"عيسى بن مريم" بل يطلق عليهم "اليهود"، ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ في مواضع السخط أو التنديدي بسيئ أعمالهم، أو عند حكاية ما أصابهم من الذلة والعبودية؛ لفساد طويتهم، وسوء نيتهم.
أما إذا جاءت في مواضع من القرآن الكريم: تذكر بفضل الله تعالى على هؤلاء القوم ذواتهم، أو اصطفاء الله تعالى لهم، وإسناد الرسالة إلى رجال منهم، وإسباغ الحكمة والنبوءة عليهم إلخ فإنه يطلق عليهم عبارة: "بني إسرائيل"، واستعمال هذين الاسمين: مقصود، ولم يأتِ عفوًا، فإسرائيل هو: "يعقوب"، و"يعقوب" نبي من أنباء الله تعالى، ورث عن أبيه "إسحاق" وعن جده "إبراهيم" رسالة الدين الحنيف.
ومن هنا لا يتحدث القرآن عن أولاد "يعقوب" -أي بني إسرائيل- إلا بالخير والرضا، فإذا صدر منهم ما يغضب فالقرآن يسميهم اليهود.
أما الشيء الذي لم يرد في القرآن: فهو مصطلح "عبري وعبراني" فإنه لم يرد في القرآن مطلقا، وهذا يدل في نظرنا على أن "العبري أو العبراني" ليس خاصا "باليهود" من حيث هم جنس.
ولما كانت فلسطين امتدادا طبيعيا للحجاز، كان من الطبيعي اتصال سكانها بالحجاز، واتصال سكان الحجاز بفلسطين، وذهاب جاليات "يهودية" إلى العربية الغربية؛ للاتجار وللإقامة هناك، خاصة بعد فتوح الدول الكبرى لفلسطين، واستيلائها عليها، وهجرة اليهود إلى الخارج فكانت العربية الغربية؛ لاتصالها بفلسطين من الأماكن الملائمة المناسبة لهجرة اليهود إليها وإقامتهم فيها، ولا سيما عند مواضع
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥١٢، ٥١٣.
[ ١٨٨ ]
المياه، وفي الأرضين الخصبة الغامرة، غير أننا لا نستطيع التحدث عن هجرة اليهود هذه إلى هذه الأنحاء حديثا علميا معززا بالكتابات والتواريخ، ولم يترك يهود جزيرة العرب لهم أثرا مكتوبا يتحدث عن ماضيهم فيها، وكل ما عثر عليه منهم نصوص معدودة وجدت في اليمن لا تفصح بشيء ذي بال عن "اليهود"، و"اليهودية"، كذلك لم يصل إلينا أن أحدا من المؤلفين والكتبة العبرانيين ذكر شيئا عن يهود الجاهلية، وليس لنا من تأريخ اليهود في جزيرة العرب إلا ما جاء في القرآن الكريم، وفي الحديث وكتب التفسير والأخبار والسير فمادتنا عن تأريخ "اليهودية" في العربية لا ترتقي إلى عهد بعيد عن الإسلام. ويتبين من روايات المؤرخ اليهودي "يوسفوس فلافيوس" أن: "اليهودية" كانت قد وجدت لها سبيلا بين العرب، وأن بعض ملوك مملكة "حدياب" كانوا قد دخلوا فيها، ويذكر المؤرخ "سوزومين" أن اليهود كانوا ينظرون إلى العرب الساكنين شرق الحد العربي على أنهم: من نسل "إسماعيل" وأنهم كانوا يرون أنهم من نسل "إسماعيل" و"إبراهيم".
فهم من ذوي رحمهم، ولهم بهم صلة قربى؛ وكانوا يرجون لذلك دخولهم في دينهم، واعتقادهم دين "إبراهيم" جد "اليهود" و"العرب"، وقد عملوا على تهويد أولئك العرب.
ويظهر من مواضع من التلمود أن نفرا من العرب دخلوا في اليهودية، وأنهم جاءوا إلى "الأحبار" فتهودوا أمامهم، وفي هذه المرويات التلمودية تأييد أهل الأخبار التي تذكر أن "اليهودية" كانت في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة وغسان.
وذكر اليعقوبي: أن ممن تهوَّد من العرب: اليمن بأسرها، وكان تُبَّع حمل حبرين من أحبار يهود إلى اليمن، وأبطل الأوثان وتهود من باليمن وتهود قوم من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن؛ لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير، وتهود قوم من بني الحارث بن كعب وقوم من غسان وقوم من جذام١.
وقد ذكر علماء التفسير في تفسيرهم الآية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ أنها نزلت
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥١٤.
[ ١٨٩ ]
في الأنصار، وكانت المرأة في الجاهلية تنذر إن عاش لها ولد أن "تهوده" فتهود قوم منهم؛ فلما جاء الإسلام أرادوا إكراهم عليه فنهاهم الله عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام، أو أنهم لما بقوا على يهوديتهم، وأمر اليهود بالجلاء وفيهم من شق على آبائهم نزول أبنائهم يذهبون مع اليهود، فقالوا: يا رسول الله أبناؤنا وأخواتنا فيهم، فسكت عنهم رسول الله ﷺ- فأنزل الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾، فقال رسول الله: "قد خير أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم".
وذكر العلماء أيضا: أن ناسا من الأنصار كانوا مسترضعين في بني قريظة وغيرهم من "يهود فتهودوا"، وأن من الأنصار من رأى في الجاهلية أن "اليهودية" أفضل الأديان فهودوا أولادهم. فلما جاء الإسلام، ودخلوا فيه أرادوا إكراهم أبنائهم الذين تهودوا على الدخول فيه فنزل الوحي بالآية المذكورة.
ويرى بعض المؤرخين اليهود: أن يهود جزيرة العرب كانوا في معزل وانفصال عن بقية أبناء دينهم؛ وأن اليهود الآخرين لم يكونوا يرون أن "يهود العربية" مثلهم في العقيدة، بل رأوا أنهم لم يكونوا "يهودا"؛ لأنهم: لم يحافظوا على الشرائع "الموسوية"، ولم يخضعوا لأحكام التلمود، ولهذا لم يرد عن "يهود" جزيرة العرب شيء في أخبار المؤلفين العبرانيين١.
يقول جواد علي: إن عدم ورود شيء عن "يهود الحجاز" في أخبار المؤلفين العبرانيين لا يمكن أن يكون دليلا على عزلة يهود الحجاز عن بقية اليهود فقد أهمل غيرهم أيضا، ولم يشر إليهم؛ لأن التأليف والنشاط الفكري عند العبرانيين كانا قد تركزا في هذه العهود على المستوطنات "اليهودية" في "العراق" وعلى فلسطين وعلى "طبريا" بصورة خاصة، ولم تشتهر الجاليات "اليهودية" التي انتشرت في مواضع أخرى بالتأليف؛ فكان من الطبيعي أن تنحصر أخبار "اليهود" في هذا العهد في هذين القطرين، ولهذا لم يشر إلى يهود الحجاز وإلى يهود بقية جزيرة العرب٢.
يقول إسرائيل ولفنسون في بيان سبب إغفال ذكر "يهود العرب" في مؤلفات اليهود: "وهناك شهادات من يهود مدينة دمشق وحلب في القرن الثالث ق. م. أنهم كانوا يستنكرون وجود يهود في الجزيرة العربية؛ ويقولون: إن اليهود في جهات
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥١٤، ٥١٥، الطبري جـ٣ ص١٠ وما بعدها. ٢ المفصل جـ٦ ص٥١٥، ص٥١٦.
[ ١٩٠ ]
خيبر ليسوا يهودا حقًّا؛ إذ لم يحافظوا على الديانة الإلهية التوحيدية، ولم يخضعوا لقوانين التلمود خضوعا تاما" ويقول:
"كان العالم "شير" يعتقد أن اليهود في بلاد العرب كانت لهم صبغة خاصة وكانت يهودية في أساسها، ولكنها غير خاضعة لكل ما يعرف بالقانون التلمودي؛ يقول معلقا: وبقيت هذه البطون العربية على أديان آبائها القديمة ولم تعتنق اليهودية، فعدَّت من موالي اليهود.
وإذا وفقنا إلى أن نميز بين يهود الحجاز والعرب من وجهة الدين والعقلية، فإن من المتعذر أن نوفق إلى التمييز بين العنصرين من وجهة الأخلاق والعادات والنظم والتقاليد الاجتماعية حتى أصبحوا كأن يكونوا من جنس آخر ير الجنس العربي".
ويقول: ولا أعلم في تاريخ اليهود القديم إقليما تأثر فيه اليهود بأخلاق وعادات وتقاليد أبنائه إلى هذا الحدث سوى إقليم الجزيرة العربية١.
ويرى بعض الإخباريين: أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز، ونزولهم وادي القرى، وخيبر وتيماء، ويثرب؛ إنما كان في أيام "بختنصر" فلما جاء "بختنصر" إلى فلسطين هرب قسم منهم إلى هذه المواضع، واستقروا بها إلى مجيء الإسلام، وليس في الخبر ما يحملنا على استبعاده، فهروب اليهود إلى أعالي الحجاز ودخولهم الحجاز أمر سهل يسير؛ فالأرض واحدة وهي متصلة، والطرق مفتوحة مطروقة، ولا يوجد أي مانع يمنع اليهود أو غير اليهود من دخول الحجاز؛ ولا سيما أن اليهود كانوا خائفين فارِّين بأنفسهم من الرعب؛ فهم يبحثون عن أقرب ملجأ إليهم يحميهم من فتك بابل بهم، وأقرب مكان مأمون إليهم هو الحجاز.
وفي رأي البلاذري: أن اليهود نزلوا يثرب قبل الأوس والخزرج فيقول: رواية عن العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده محمد بن السائب قال: لما هدم "بختنصر" بيت المقدس، وأجلى من أجلى وسبى من سبى من بين إسرائيل لحق قوم منهم بناحية الحجاز، فنزلوا وادي القرى ويثرب، وكان بيثرب قوم من جرهم،
_________________
(١) ١ تاريخ اليهودية في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام ص١٣ لجنة التأليف والترجمة.
[ ١٩١ ]
وبقية من العماليق قد اتخذوا النخل والزرع، فأقاموا معهم وخالطوهم فلم يزالوا يكثرون، وتقل جرهم، والعماليق، حتى نفوهم عن يثرب واستولوا عليها وصارت عمارتها ومراعيها لهم، وبقى اليهود خارجها إلى أن هاجر إليها الأوس والخزرج١.
وعن الطائف يقول: كان بمخلاف الطائف قوم من اليهود طردوا من اليمن ويثرب، فأقاموا بها للتجارة فوضعت عليهم الجزية.
ونقل البلاذري أن أهل "مقنا" كانا يهودا صالحهم الرسول ﷺ على ربع عروضهم خشب يصطاد عليه -وربع ثمارهم، وقال: وأخبرني بعض أهل مصر أنه رأى.
أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب، وأعالي الحجاز على أثر ظهور "الروم" على بلاد الشام، وفتكهم بالعبرانيين، وتنكيلهم بهم مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تاريخي، فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج فلا يستبعد أن يكون أجداد يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين، ومن هؤلاء المهاجرين على رأي الإخباريين بنو قريظة وبنو النضير؛ ساروا إلى الجنوب في اتاه يثرب، فلما بلغوا موضع الغابة وجدوه وبيا فكرهوا الإقامة فيه، وبعثوا رائدًا أمروه أن يلتمس لهم منزلا طيبًا وأرضا عذبة إذا بلغ العالية وهي: بطحان، ومهزور؛ واديان من حرة على تلاع أرض عذبة بها مياه وعيون غزيرة، رجع إليهم بأمرها وأخبرهم بما رآه فقرَّ رأيهم على الإقامة فيها، فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، ونزلت قريظة ومن معها على مهزور، فكانت لهم تلاعه، وما سقي من بعاث وسمورات٢.
وقد عرف بنو قريظة، وبنو النضير من بين اليهود، بـ"الكاهنين" نسبوا ذلك إلى جدهم، الذي يقول له "الكاهن"؛ وهو الكاهن بن هارون بن عمران على زعم أهل الأخبار، فهم على هذه النسبة من أصل رفيع، ومن نسب حسيب يميزهم عن بقية طوائف يهود، ولهذا كانوا يفتخرون بنسبهم هذا، ويرون لهم السيادة والشرف على من سواهم من إخوانهم في الدين.
ويرى نولدكه: احتمال كون بني النضير وبني قريظة من طبقة الكهان في الأصل، هاجروا من فلسطين على أثر الحوادث التي وقعت فيها فسكنوا في هذه
_________________
(١) ١ فتوح البلدان ص٢٩ للبلاذري -مراجعة: رضوان محمد رضوان. ٢ المفصل جـ٦ ص٥١٧، ص٥١٨ الأغاني جـ١٩ ص٩٤.
[ ١٩٢ ]
الديار، وهناك عشائر وأسر يهودية تفتخر بإلحاق نسبها بالكاهن "هارون" شقيق "موسى" النبي.
كذلك يرجع أوليرى كأمثاله من المستشرقين أصل بني قريظة وبني النضير إلى اليهود؛ ويرى أنهم غادروا ديارهم وجاءوا إلى هذه المنطقة في الفترة الواقعة ما بين خراب الهيكل في عام ٧٠ للميلاد، وتنكيل "هدريان" باليهود في عام ١٣٢ للميلاد؛ يرجع بعض بقية يهود جزيرة العرب نسبهم إلى الكاهنين وإلى الأسباط العشرة١.
ويرى المقدسي أن سبب لجوء اليهود إلى المدينة هو الهروب من الاضطهاد الروماني فيقول:
جاءني في الخبر أن طسطوس بن استينانوس الرومي الكافر لما خرب بيت المقدس إحدى المرتين، وتفرقت بنو إسرائيل جاءت قريظة والنضير وهما من صريح ولد "هارون بن عمران أخي موسى بن عمران" حتى نزلوا يثرب وذلك في الفترة؛ وكان نزول الأوس والخزرج إياها زمن سيل العرم لا شك؛ ويقال: إن مسقط يهود إليها من عهد "موسى بن عمران"؛ وذلك: أنه بعث جيشا إلى يثرب وأمرهم أن يقتلوا كل من وجدوا على قامة السوط. قال: فقتلوا إلا غلامًا لم يروا أحسن منه؛ فإنهم استبقوه وانصرفوا إلى الشام. وإذا "موسا" قد ملك، وتبرأت بنو إسرائيل من هذه الطبقة؛ لمخالفة أمر "موسى" واستحيائهم من هذا الغلام، فأقبلوا راجعين إليها واستوطنوا بها فإن كان هذا حقا فقد سبقوا الأوس والخزرج إلى يثرب٢.
وكان بنو "قينقاع" أول اليهود الذين ناصبوا الرسول العداء، وكانوا يسكنون في أحياء يثرب، وكانوا أغنياء على غير وفاق ووئام مع بقية أبناء قومهم بني قريظة وبني النضير، وقد اشتركوا في يوم "بعاث".
ويرى أوليرى احتمال كون بني قينقاع من أصل عربي متهود أو من بني "أدوم"، وقد تكون بعض القبائل اليهودية التي ذكر أسماءها الإخباريون قبائل يهودية حقا أي من الجماعات اليهودية التي هاجرت من فلسطين في أيام القيصر "طيطوس" أو "هدريان" أو قبل أيامها أو بعدها؛ ولكن بعضا آخر منها لم يكن من أصل يهودي؛ إنما كانت قبائل عربية دخلت في دين يهود؛ ولا سيما القبائل المسماة
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٢٤. ٢ البدء والتاريخ: البلخي المقدسي مجلد ٢ ص١٣٠.
[ ١٩٣ ]
بأسماء عربية أصيلة، ولبعض هذه الأسماء صلة بالوثنية تشعر أنها كانت على الوثنية قبل دخولها في دين يهود.
والظاهر أنها تهودت إما بتأثير التبشير، وإما باختلاطها ودخولها في عشائر يهودية جاورتها فتأثرت بديانتها.
وقد ذكر البكري أن بني حشنة بن عكارمة وهم من بلى قتلوا نفرا من بني الربعة ثم لحقوا بتيماء، فأبت يهود أن يدخلوهم حصنهم وهم على غير دينهم فتهودوا، فأدخلوهم المدينة فكانوا معهم زمانًا، ثم خرج نفر إلى المدينة فأظهر الله الإسلام، وبقية من أولادهم بها وهنالك بطون أخرى عربية الأصل كانت على دين يهود.
وقد اشتهر يهود خيبر من بين سائر يهود الحجاز بشجاعتهم، وخيبر موضع غزير المياه كثيره، وقد عرف واشتهر بزراعته ويكثرة ما به من نخيل، وزعم أن يهود خيبر هم من نسل -ركاب- المذكورة في التوراة وأن -يونادب- Jamadeb جندب ابنه تبدى مع أبنائه ومن أتباعه، وعاش١ عيشة تقشف وزهد وخشونة، وأن نسلهم هاجر بعد خراب الهيكل الأول إلى الحجاز حتى بلغوا خيبر فاستقروا بها، واشتغلوا بزراعة النخيل والحبوب، وأنهم أقاموا فيها قلاعا وحصونًا تحميهم من غارات الأعراب عليهم٢، وذهب المستشرق أن كلمة خيبر كلمة عبرانية الأصل Kheber ومعناها الطائفة والجماعة، وذهب بعضهم أن معناها الحصن والمعسكر٣ وقد ذهب بعض المستشرقين استنادا إلى دراسة أسماء يهود الحجاز عند ظهور الإسلام إلى أن أولئك اليهود لم يكونوا يهودًا حقًّا بل كانوا عربًا متهودين تهودوا بتأثير الدعاة اليهود، ولكن الاستدلال من دراسة الأسماء على أصول الناس لا يمكن أن يكون حجة للحكم على أصولهم وأجناسهم؛ فالفرس والروم والهنود وغيرهم ممن دخل في الإسلام تسموا بأسماء عربية، وبعضها أسماء عربية خالصة٤.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٢٤، ص٥٢٥، الملوك الثاني الإصحاح العاشر الآية ١٥-١٨. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٢٦. ٣ المفصل جـ٦ ص٥٢٦، ص٥٢٧. ٤ المفصل جـ٦ ص٥٣٠.
[ ١٩٤ ]
وتسمياتهم هذه لا تعني أن من تسمى بها كان عربي الأصل، ثم إن كثيرًا من اليهود في الغرب وفي أمريكا وفي البلاد العربية والإسلامية سموا أنفسهم بأسماء غير عبرانية، ولكنهم كانوا وما زالوا على دين يهود؛ والأسماء وحدها لا تكفي في إعطاء رأي علمي في تعيين الأصول والأجناس، ولا سيما في المواضع الكائنة على طرق التجارة والمواصلات وفي الأماكن التي يكثر فيها الاختلاط.
وللمستشرق "ونلكر" رأي في هذا الموضوع، خلاصته:
أن أولئك لو كانوا يهودا حقا هاجروا من فلسطين إلى هذه المواضع لكانت حالتهم وأوضاعهم ومستواهم الاجتماعي على خلاف ما كان عليه هؤلاء اليهود١.
ولكن اليهود مع ما كان لهم من قلاع وآطام وقرى عاشوا فيها متكتلين مستقلين لم يتمكنوا من بسط نفوذهم وسلطانهم على الأراضي التي أنشأوا مستوطناتهم فيها، ولم يتمكنوا من إنشاء ممالك وحكومات يحكمها حكام اليهود، بل كانوا مستقلين في حماية سادات القبائل يؤدون لهم إتاوة في كل عام مقابل حمايتهم لهم ودفاعهم ومنع الأعراب من التعدي عليهم، وقد لجأوا إلى عقد المحالفات معهم فكان لكل زعيم يهودي حليف من الأعراب ومن رؤساء العرب المتحضرين٢، وكان جل اعتماد اليهود في هذه المنطقة عند ظهور الإسلام على التجارة ومعاطاة الربا والزرع، وبعض أنواع الصناعة كالصياغة، وتربية الماشية والدجاج، وصيد الأسماك في أعالي الحجاز على ساحل البحر الأحمر، واشتهروا بالاتجار بالبلح والبر والشعير والخمر، وكانوا يجلبون الخمر من بلاد الشام، وكانوا يبيعون بالرهن، يرهن المشترون بعض أمتعتهم عندهم؛ ليستدينوا منهم ما يحتاجون إليه، وقد ورد أن الرسول رهن درعا له عند يهودي من أهل يثرب في مقابل شعير كان به حاجة شديدة إليه
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٣٠، ص٥٣١. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٣٢، ص٥٣٣.
[ ١٩٥ ]
ومن الصناعات التي اشتغل بها اليهود -النسيج وهو من اختصاص نسائهم على الأكثر، والصياغة وقد اختص بها بنو قينقاع، والحدادة وهي صناعة يأنف منها العرب ويزدرونها ويرونها من الحرف الممقوتة الحقيرة١.
ويذكر أهل السير والأخبار:
أن يهود يثرب كانوا إذا تضايقوا من الأوس والخزرج هددوهم بقرب ظهور نبي يستعلون به عليهم.
ففي رواية عن بعض الصحابة أنهم قالوا: كنا قد علوناهم في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون لنا: إن نبيا يبعث الآن نتبعه، قد أطل زمانه نقتلكم معه قتل عاد وإرم، ولما ذكرهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور ونفر آخرون بدعواهم تلك، وبظهور النبي العربي بقولهم لهم: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا؛ فقد كنتم تستفحون علينا بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته.
فكان جواب يهود لهم ما جاء على لسان سلام بن مشكم أحد بني النضير:
ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكره لكم، وقد أشير إلى ذلك في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢ [البقرة: ٨٩] .
قد ذكر المؤرخ النصراني فيلوستورجيوس Philostorgius في حوالي سنة ٤٢٥م أن أهل سبأ كانوا يتبعون في السبت سنة إبراهيم، ولكنه ذكر أيضا أنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر ومعبودات أخرى، وأن بعضا منهم كان على دين يهود، وأنه
_________________
(١) ١ أيضا المفصل جـ٦ ص٥٣٥، ص٥٣٦ وأيضا صحيح البخاري جـ٢ ص١٦، ص٤٥. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٣٦، ص٥٣٧.
[ ١٩٦ ]
قاوم رسالة "ثيوفليس" الذي أرسله القيصر قسطنطين ٣٤٠-٣٦١م للتبشير بين الحميريين وذكر المؤرخ -ثيودوروس Theodoruslector وهو من رجال النصف الأول للقرن السادس للميلاد.
إن الحميريين كانوا في بادئ أمرهم على دين يهود، دخلوا فيه أيام ملكة سبأ المعروفة بقصتها مع سليمان، بدعوتها إياهم إلى هذا الدين، ولكنهم كما يقول هذا المؤرخ عادوا فارتدوا إلى الوثنية، ثم دخلوا بعدئذ في النصرانية في أيام القيصر أنسطاس Anastasius، ولم يشر هذا المؤرخ إلى وجود اليهودية بين الحميريين كما أنه لم يشر ولا المؤرخ الآخر إلى تهود أحد من ملوك حمير١، وورد في أخبار الشهداء الحمريين أن أحبارا من فلسطين من طبريا كانوا قد جاءوا إخوانهم في الدين يهود اليمن وسكنوا معهم، ومعنى هذا أن الصلات بين يهود اليمن ويهود فلسطين كانت موجودة، وأن يهود اليمن لم يكونوا بمعزل عن يهود فلسطينن، ويجب أن يقال مثل ذلك عن يهود الحجاز؛ إذ لا بد أن يكون ليهود الحجاز اتصال بيهود فلسطين وبيهود اليمن، وكيف لا يكون لهم اتصال بهم، وهم جيران فلسطين ولهم تجارات معهم، ثم إنهم على طريق اليمن وفلسطين، فإذا أراد يهود فلسطين الذهاب إلى اليمن أو يهود اليمن الذهاب إلى فلسطين فلا بد من المرور بأرض يهود الحجاز والنزول بهم، وقد كانت نجران من المستوطنات المهمة التي نزل بها اليهود في اليمن وهي مكان خصب، وقد عاش اليهود فيها مع غيرهم من العرب من نصارى وعبدة أصنام، ووجدوا اليهود في مواضع أخرى من جزيرة العرب، وكان بالبحرين قوم من اليهود صالحوا المسلمين مثل النصارى على دفع الجزية عن رؤوسهم٢.
بدأت خصومة اليهود للإسلام خصومة فكرية؛ هم يرفضون الاعتراف بنبوة الرسول ﷺ، وبأن دعوته موجهة إليهم، ويرفضون نبوة في غير بني إسرائيل، والرسول ﷺ يدعوهم إلى الإيمان بالله وإلى الدخول في دعوته المبنية على الإيمان
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٣٩، ص٥٤٠. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٤٠، ص٥٤٢، وأيضا المعجم جـ١ ص٣٢٧
[ ١٩٧ ]
بالله رب العالمين، رب العرب وبني إسرائيل والعجم، وعلى الإيمان بنبوته وبنبوة الأنبياء السابقين، ثم تطورت هذه الخصومة إلى معارك وحروب، والحروب كما نعلم تبدأ نزاعا في الآراء والأفكار ثم تتحول إلى صراع ونزاع وقتال١، وعمد اليهود إلى استغلال الأحقاد والبغضاء الكمينة التي كانت كانة في نفوس أهل يثرب من الأوس والخزرج من أيام الجاهلية فأثاروها كما استفادوا مما كان بينهم وبين رجال من المسلمين من الحلف والجوار في الاهلية للاحتماء بهم وللاتِّقاء بهم مما قد يلحق بهم من أذى٢، وقد كانت لليهود مواضع يتدارس فيها رجال دينهم أحكام شريعتهم وأيامهم الماضية، وأخبار الرسل والأنبياء، وما جاء في التوارة والمشنا وغير ذلك عرفت بين الجاهليين بـ "المدارس، وبيت المدارس، المدارش" وأطلق الجاهليون على الموضع الذي يتعبد اليهود فيه "الكنيس"؛ كنيسة اليهود تمييزًا لهذه الكنيسة التي هي لفظة خاصة بموضع عبادة٣.
وقد أخذ الجاهليون مصطلح المدارس من العبرانيين من لفظة مدارش التي هي من أصل درش Dorash التي تقابل درس في العربية، وتؤدي هذه الكلمة المعنى المفهوم من لفظة درس العربية تمام الأداء، قال ابن عباس: دخل رسول الله بيت المدارس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: "على ملة إبراهيم ودينه"، فقال: فإن إبراهيم كان يهوديًّا؟ فقال لهما رسول الله ﷺ: "فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبوا عليه"، ويظهر أن هذا المدارس كان من بيوت مدارسهم بيثرب٤.
وعرفت مساجد اليهود أي المواضع التي كانوا يصلون بها بالمحاريب جمع محراب، وعرف علماء اليهود ورجال دينهم بـ "الأحبار" جمع "الحبر"، وبـ "الربانيين"، وقد وردت الكلمتان في القرآن الكريم؛ المائدة آية ٤٤، ٦٣، وللفظة حبر أهمية كبيرة تشير إلى العلم والمعرفة وإن كانت لا تصل إلى درجة رابي -ربي Rabbi
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٤٥. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٤٨. ٣ المفصل جـ٦ ص٥٥٠. ٤ المفصل جـ٦ ص٥٥٠، ص٥٥١ وأيضا الطبري جـ٧ ص١٤٥.
[ ١٩٨ ]
أما الربانيون فهم العلماء بالحلال والحرام والأمر والنهي على رأي بعض العلماء الإسلاميين: وقال بعض آخر: الرباني العالم الراسخ في العلم والدين، أو العالم العامل المعلم، أو العالي الدرجة في العلم، وفرق بعضهم بين الربانيين وبين الأحبار بأن جعل الأحبار أهل المعرفة بأنباء الأمم وبما كان ويكون، وذهبوا إلى أنهما من الألفاظ المعربة العبرانية أو السريانية، وهي من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم في أثناء الكلام على علماء يهود١.
وذكر القلقشندي أن المشهور من ألقاب أرباب الوظائف عند اليهود ثلاثة ألقاب؛ الأول: الرئيس وهو القائم فيهم مقام البطرك في النصارى، والثاني: الحزان وهو فيهم بمثابة الخطيب يصعد على المنبر ويعظهم، والثالث: الشيلحصبور وهو الإمام الذي يصلي بهم.
وقد أطلق القرآن الكريم على أسفار اليهود أي كتبهم المقدسة "التوراة"، وعرفت بهذه التسمية في الحديث وفي كتب التفسير، وصارت علمًا لها في الإسلام، كذلك أطلقت هذه اللفظة على معابد اليهود، ولم يعرف ورودها في الشعر الجاهلي خلا بيت ينسب إلى شاعر جاهلي يهودي اسمه سماك.
ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في أصل كلمة التوراة حتى ذهب بعضهم إلى أنها عربية، ولكن أكثريتهم ترى أنها عبارنية؛ لأن لغة موسى كانت العبرانية، وبهذه اللغة نزلت التوراة، ثم هم يختلفون في تعيين حدود التوراة، فيرى بعضهم أنها خمسة أسفار ويرى بعض آخر أنها أكثر من ذلك وأنها تشمل الزبور ونبوة أشعيا وسائر النبوات لا يستثنى إلا الأناجيل٢.
والمراد من الكتاب الذي أنزل على موسى والمذكور في مواضع من القرآن الكريم التوراة؛ أي هذه الأسفار الخمسة التي نتحدث عنها، وهو تعبير قرآني لا نستطيع أن نقول: إنه كان من مصطلحات الجاهليين، كما أننا لا نستطيع نفي
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٥١ ص٥٥٢، وأيضا تاج العروس جـ١ ص٢٦٠. ٢ المفصل جـ٣ ص٥٥٣، وأيضا اللسان جـ٢ ص٢٦٥ وما بعدها، وأيضًا القراؤون والربانيون ١٧٩، المفردات الأصفهاني ص٧٤.
[ ١٩٩ ]
ذلك؛ إذ يجوز أن يكون الجاهليون قد أطلقوه على تلك الأسفار أو على العهد القديم كله بمعنى هذه الأسفار وبقية ما ورد فيها من أخبار الأيام والملوك والأنبياء، وقد ورد في الأخبار عن أبي هريرة أنه كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله".
أما الزبور والذبر فقد وردتا في القرآن الكريم ويراد بـ "الزبر" في بعض الآيات مثل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ الكتب المنزلة، وقد وردت الكلمتان في بعض الشعر المنسوب إلى الجاهليين كامرئ القيس والمرقش الأكبر وأمية بن أبي الصلت، وذكر علماء اللغة أن معنى زبر كتب ونقش، ويرى بعض المستشرقين احتمال كونها من الكلمات العربية الجنوبية، ويرى بعض آخر أنها من أصل مزمور Mazmor العبراني، ومزمور في اللهجة السريانية، ومزمور في الحبشية، أخذت الكلمة وأجري عليها بعض التغيير حتى صارت على هذا الشكل١.
وقد قال أبو هريرة: الزبور ما أنزل على داود من بعد الذكر من بعد التوراة، وذكر بعض العلماء أن الزبور خص بالكتاب المنزل على داود.
وقد ذهب الشعبي إلى أن الزبور الكتاب المنزل على داود، أما الذكر فما نزل على موسى، وذهب آخرون مذاهب أخرى في تفسير المراد من الزبور ومن الذكر ولكن الرأي الغالب أن المراد من الزبور مزامير داود؛ وذلك لنص القرآن على ذلك.
وقد تعرض ابن خلدون لموضوع علم اليهود العرب وثقافتهم فقال:
إذا تشوقت العرب إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسالون عنه أهل الكتاب قبلهم وهم أهل التوراة من اليهود وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٥٤، ص٥٥٥ صحيح البخاري كتاب التفسير جـ٣ ص١٩٨. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٥٦، ص٥٥٧ واللسان جـ٤ ص٣١٥، والمقدمة جـ١ ص٤٣٩.
[ ٢٠٠ ]
ولما كانت اللغة العبرانية لغة الدين عند العبرانيين، وبها نزل الوحي على موسى فلا بد أن يكون لعلمائهم ورجال دينهم في جزيرة العرب علم بتلك اللغة وفقه بها، ولكن هذا لا يعني ضرورة كونهم كعلماء طبرية أو قيصرية في فلسطين أو بعض المواضع التي اشتهرت بعلمائها في التلمود بالعراق، ولست أستبعد أن يكون لهم علم بلغة بني إرم أيضا؛ لأن هذه اللغة كما نعلم كانت لغة العلم والثقافة قبل الميلاد وبعده، وبها كتبت كتب عدة من التلمودين، ثم إنها انتشرت بين سواد الناس حتى صارت لغة سواد يهود يتكلمون بها ولو برطانة وبلهجة خاصة هي اللهجة التي يمتاز بها سواد اليهود في كل قطر يعيشون فيه١.
ولم يظهر في يهود جزيرة العرب من حاز شهرة في العلم والفقه والتأليف والخطابة على نحو ما ظهر بين يهود العراق أو فلسطين أو مصر وإلا لاشتهر أمره وذاع خبر علماء يهود بابل وفلسطين ومصر، ولا يمكن أن تكون عزلتهم عن بقية يهود الأقطار المذكورة سببًا كافيًا في تعليل عدم شيوع اسم أحد من هؤلاء، إن قضية عزلتهم عن بقية إخوانهم في الدين هي نفسها تحتاج إلى سند يثبت وجود تلك العزلة، فمواضعهم في أعالي الحجاز على اتصال ببلاد الشام وهي لا تبعد كثيرًا عن مساكن إخوانهم في فلسطين، ثم إنهم كانوا على اتصال مستمر بهم بالتجارة، وقد كانوا يشترون حاصل بلاد الشام من خمور وحبوب وما شاكل ذلك، وينقلونه إلى يثرب، يذهبون إليها للتعامل والاتجار، فكيف يكون يهود جزيرة العرب في معزل عن غيرهم مع وجود الإسفار والتجارة، لا سيما أن أحبار طبرية كانوا يأتون إلى يهود اليمن؛ ليلقنوهم أمور الدين، ولا يستبعد أن يكون من بين أولئك الأحبار من ذهب إلى يهود يثرب أو خيبر أو تيماء. فالقضية -على ما يظهر- ليست قضية عزلة يهود جزيرة العرب عن بقية يهود وانفصالهم بذلك ثقافيًّا وعلميًّا عن بني دينهم انفصالا يؤثر في مستواهم الثقافي والعلمي فيجعلهم دون غيرهم من إخوانهم في العلم والثقافة؛ إنما يظهر هنالك جملة عوامل حالت دون نبوغ أحد فيهم، فيهود جزيرة العرب مهما قيل عنهم وعن رقيهم وارتفاع مستواهم عن مستوى من كان في جوارهم لم يكونوا في ثقافتهم وفي مستواهم الاجتماعي أرقى من الفلاحين وسكان القرى وما إليها في العراق أو فلسطين أو مصر، كما أن حالتهم المادية لم تكن على مستوى عالٍ
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٥٨.
[ ٢٠١ ]
بحيث يمكن أن تقاس بالحوال المادية التي كان عليها اليهود الآخرون في الأراضي المشار إليها أو أصحاب تلك الأراضي من غير يهود، ثم إن عددهم مهما قيل فيه لم يكن كبيرًا وقد رأينا أن رجالهم المحاربين لم يكونوا يتجاوزون كلهم في الحجاز كله بضعة آلاف، وفي مثل هذا العدد والظروف والأحوال لا يمكن بالطبع أن تتوافر الإمكانيات المساعدة على البحث والتتبع والتعمق في العلم١.
وقد عُرِفَ يهود يثرب بمعرفتهم السحر والاتقاء منه، وبعلمهم بالتعاويذ، فكان المشركون يلجئون إليهم إذا احتاجوا إلى السحر أو إذا اعترضتهم مشكلات يرون أنها لا حل إلا بقراءة التعاويذ عليها، وقد ذكر المفسرون أن اليهود عملوا السحر للنبي وعمله رجل اسمه لبيد بن الأعصم أو بناته من يهود يثرب، وقد أشير إلى سحر اليهود في الحديث٢.
وقد لجأ العرب إلى اليهود يأخذون منهم الرقى والتعاويذ؛ فقد ورد في الأخبار أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبوبكر ﵁: ارقيها بكتاب الله يعني بالتوراة والإنجيل، وقد حافظ يهود جزيرة العرب على حرمة السبت، ويوم السبت من الأيام المقدسة التي يجب مراعاة حرمتها، فلا يجوز ليهودي الاشتغال فيه والقيام ببعض الأعمال، ومن خالف حرمة هذا اليوم ودنسه بالاشتغال فيه يكون قد ارتكب جرما عظيما، وقد وردت إشارات إلى يوم السبت في القرآن في معرض الكلام على بني إسرائيل، وأشير في بعضها إلى أخذ موسى العهد منهم بوجوب مراعاة حرمة هذا اليوم، وإلى نقضهم له وعدم مراعاتهم جميعا لهذا العهد وإلى أنهم اعتدوا فيه٣.
وفي هذه الإشارات دلالة على أن من اليهود عامة من خالف حرمة هذا اليوم فلم ينفذ ما ورد في أحكام شريعه عنه..
ولكن هذا عام غير خاص بيهود العرب الجاهليين، وإنما يشير إلى خروج بعض بني إسرائيل على أحكام دينهم وعدم مراعاتهم لها، وهذا اليوم من أقدس
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٥٩. ٢ صحيح البخاري باب السحر، عمدة القارئ ٢١/ ٢٧٩ الحديث رقم ٧٧ وما بعده. ٣ الأعراف آية ١٦٢، النحل آية ١٢٤، البقرة آية ٦٥، النساء آية ٤٦ وأيضا التفاسير الآتية: روح المعاني ١/ ٢٥٦، الطبري ٩/ ٦٥، والكشاف ١/ ٢١٨.
[ ٢٠٢ ]
الأيام في نظرهم، وقد وقف العرب الذين كانوا على اتصال باليهود على بعض أحكام دينهم مثل الرجم بالنسبة للزنا، واعتزال النساء في المحيض، فذكر العلماء أن حكم الإسلام في الحيض اقتصاد بين إفراط اليهود الآخذين في ذلك إخراجهن من البيوت، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، ومثل الدعاء إلى الصلاة عند اليهود بالنفخ في الشبور، ومثل صوم عاشوراء وأعيادهم.
وقد اختلف يهود جزيرة العرب عن الجاهليين في الأمور التي حرمتها شريعتهم عليهم في مثل المأكولات كما اختلفوا عنهم في عبادتهم وفي اعتقادهم بوجود إله واحد هو إله إسرائيل وفي أمور عقائدية أخرى واختلفوا عنهم في بعض العادات والمظاهر الخارجية فكان اليهود مثلا يسدلون شعورهم أما المشركون فكانوا يفرقون رءوسهم.
ورد عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي ﷺ رأسه.
لم يُسلِم من يهود في أيام الرسول غير عدد قليل من المتبينين منهم مثل عبد الله بن سلام، ولم يتعاون معه غير عدد قليل منهم مثل يامين بن عمير بن كعب النضري، ويامين الإسرائيلي، ومخيريق، وكان رجلًا غنيًّا صاحب نخيل، وهو أحد بني ثعلبة بن الفطيون حث قومه على مساعدة الرسول ﷺ ومعاونته في غزوة أحد١.
وكان فيمن أسلم من بني قريظة كعب بن سليم القرظي، وهو من سبيهم في الإسلام ويعدُّ في الصحابة، ولكن لا تعرف له رواية٢.
وفيمن أسلم من يهود بني قريظة رفاعة القرظي خال صفية زوج النبي ﷺ؛ لأن أمها برة بنت سموأل "سموال"، أما أبوها فهو حيي بن أخطب، ويعدّ زيد
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٦، ص٥٦١، ص٥٦٢. وأيضا -إرشاد الساري جـ١ ص٣٤٠ كتاب الحيض، عمدة القارئ ١٧/ ٧١. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٦٤.
[ ٢٠٣ ]
ابن سعية "سعنة" في طبقة الصحابة، ويقال: إنه كان أحد أحبار اليهود الذين أسلموا، وأنه كان أكثرهم علماء ومالا، وقد شهد مع النبي ﷺ مشاهدة كثيرة وتوفي في غزوة بتوك مُقبلا إلى المدينة.
ولم يظهر من يهود اليمن في الإسلام ممن عرفوا برواية الإسرائيليات سوى رجلينن؛ هما كعب الأحبار ووهب بن منبه.
فأما كعب فقد أدرك زمن الرسول غير أنه لم يره، ولم يدخل في الإسلام إلا في أيام أبي بكر أو عمر، وهو أبو إسحق كعب بن مانع بن هينوع هيسوع، وقد عرف بين المسلمين بكعب الأحبار وبكعب الحبر من باب التعظيم والتقدير لعلمه.
ولم ينسب أد إلى كعب مؤلفان وكل ما نسب إليه فهو مما ورد عنه بالمشافهة والسماع وهو بين صحيح يمكن أن يكون قد صدر منه وبين مشكوك في أمره وُضِع عليه، وفيه ما هو إسرائيلي صحيح أي أنه مما هو وارد في التوراة أو في التلمود أو في الكتب الإسرائيلية الأخرى وفيه ما هو قصص إسرائيلي نصراني وما هو محض افتعال وخلط.
[ ٢٠٤ ]