اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون تكليف الناس والتشريع لهم حسب استعدادهم ونضجهم وتقدمهم أو تأخرهم علميًا وفكريًا واجتماعيًا، وحسب الظروف والأحوال التي يعيشون فيها ويتأثرون بها ليكون الغذاء النفسي كالغذاء الحسي ملائمًا ومفيدًا. لذلك كان الله تعالى يرسل إلى كل أمة رسولًا يصلح من شأنها ويبلغها الشرع الذي يناسبها. ولم تعم رسالة قبل رسالة محمد ﷺ، لأن العالم لم يكن قد ارتقى قبله إلى المستوى الذي يشعر فيه بالحاجة إلى تشريع وقانون عام يجمعه تحت راية واحدة. ولما جاء وقت الرسالة المحمدية كان المجتمع البشري قد بلغ أشده واستوى فكريًا واجتماعيًا وسياسيًا، وصار جمعه على تشريع واحد ممكنًا وميسورًا. لذلك أرسل الله محمدًا ﷺ إلى الناس كافة سواء أكانوا عربًا أم غير عرب، وثنيين أم أهل كتاب، لهم دين أم لا دين لهم على الإطلاق. كما جعل الله تعالى رسولًا إلى الجن بنفس الشرع الذي جاء به إلى الإنس مع مراعاة طبائعهم وأحوالهم، وجعل رسالته ناسخة لجميع الرسالات قبله، فلا يحق لأحد بلغته رسالة محمد ﷺ أن يدين بغير دينه.
[ ١٦٥ ]
قال تعالى: ﴿قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [سبأ: ٢٨]. قال ابن عباس في هذه الآية: إن الله تعالى فضل محمدًا ﷺ على جميع الأنبياء. قالوا: فيم فضله الله على جميع الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ وقال للنبي ﷺ: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا﴾ فأرسله الله إلى الجن والإنس. وقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومه منذرين﴾ [الأحقاف: ٢٩]. وجاء في الحديث المتفق عليه: عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة".
[ ١٦٦ ]