وهي صفة معناها: أن الله تعالى لا يمكن أن يكون مشابهًا لحوادث في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله، لأنه تعالى لو كان مشابهًا ومماثلًا للحوادث التي أحدثها وخلقها في أي شيء، لكان حادثًا مثلها ولو كان كان حادثًا مثلها لما ثبت قدمه، مع أنه تعالى ثبت قدمه، فحدوثه إذًا مستحيل، وعلى هذا يكون ما أدى إلى هذا الحدوث وهو مشابهته للحوادث مستحيل، وثبت حينئذ نه تعالى مخالف للحوادث. قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٢).
أي ولم يكن أحد مشابها لله في أي شيء.
ومن هذا ندرك ونعلم أنه تعالى وجب وثبت له مخالفته للحوادث، ويستحيل عقلا وشرعا مشابهته تعالى لها.
القول في النصوص الموهمة للتشبيه
ثبت أن الله تعالى مخالف للحوادث. ولكن جاء في القرآن والسنة آيات وأحاديث ظاهرها يوهم أن الله تعالى يشبه خلقه، وإليك أمثلة لذلك:
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٤)
_________________
(١) الشورى:١١.
(٢) الإخلاص
(٣) الرحمن: ٥.
(٤) الانعام ١٨.
[ ٧٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤)
وقال ﷺ: "ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ". (٥)
قال ﷺ: "إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع كقلب واحد يصرفها كيف يشاء". (٦)
هذه النصوص وأمثالها يجب تجاهها ما يأتي:
أولا: الإيمان بها. لأنها ثابتة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، والإيمان بكل ما جاء في السنة فإن كانت متواترا فكذلك وإن لم يكن متواترا فإنه بالنسبة للعقيدة، لا يفيد الجزم والقطع المؤدي نفيه إلى الكفر ولكن يجب تصحيح العقيدة إزاءه.
_________________
(١) الانعام: ٣.
(٢) الرحمن ٢٧.
(٣) الفتح:١٠.
(٤) الطور: ٤٨.
(٥) رواه البخاري ومسلم.
(٦) انفرد به مسلم عن البخاري - ابن كثير جـ٢ ص ٢٩٨.
[ ٧٩ ]
ثانيا: مع الإيمان بهذه النصوص يجب الإيمان كما سبق بأن الله تعالى لا يشبه خلقه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
ثالثا: لا نحاول تأويل هذه النصوص وتفسيرها وتحديد معان لها، لأننا لا ندري هل هذه المعاني مرادة الله تعالى أم ليست مرادة؟ فالتأويل والتفسير لمثل هذه النصوص مجازفة لم يؤذن لنا فيها.
وبناء عليه نقول في هذه النصوص: إن الله تعالى استوى على عرشه. لأنه قال ذلك ولكن كيفية استوائه لا يعلمها إلا هو، لأنه قال: ليس كمثله شيء.
ونؤمن بأنه تعالى فوق عباده. وأن هذه الفوقية ليست كفوقية المكان التي نعرفها.
وكذلك نؤمن بأن لله وجها ويدا وأعينا، ولكنها ليست كأوجهنا وأيدينا وأعيننا، وأن الحقيقة يعلمها الله تعالى، وكذلك يقال في كل ما يرد موهما تشبيه الله تعالى بخلقه وهذا الذي ذكرناه هو رأي السلف رضوان الله عليهم. وهو أسلم، لأنه أبعد عن الوقوع في خطأ التأويل الذي قد يكون غير مراد له تعالى، خصوصا وأن هذه النصوص متصلة بالعقيدة، وخطر العقيدة لا يستهان به.
ولكن كثيرا من العلماء الذين جاؤوا بعد القرن الخامس الهجري رأوا أن تلك النصوص إن تركت بدون تأويل ربما يترتب على عدم تأويلها وتفسيرها وقوع الذين لم يتعمقوا في فهم الإسلام في خطأ الإنحراف عن العقيدة السليمة والوقوع في ورطات فكرية خطيرة. وقد جاءت آيات الله في كتابه كما جاءت أحاديث رسول الله ﷺ على نمط اللسان العربي، وباللغة العربية الفصحى، واللغة العربية فيها الأساليب والكلمات التي يراد بها في عرف اللغة حقيقتها والأخرى التي يراد بها المجاز أو الكناية، وما دامت الآيات والأحاديث المذكورة لا يمكن أن تكون حقيقتها مرادة لإفادتها التشبيه. فلماذا لا نذهب إلى المجاز المناسب لجلال الله وعظمته؟ وفي اللغة العربية أمثلة كثيرة لذلك.
[ ٨٠ ]
وعلى هذا الأساس انطلقوا في تأويل ما سبق على الوجه الآتي:
قالوا: إن المراد بالاستواء في الآية هو استيلاء الله على عرشه، وذلك دليل على قدرته تعالى وعظمته، والمراد بكونه تعاى قاهرا فوق عباده أن العباد خاضعون لسلطانه وحكمه، والمراد بكونه تعالى في السماء وفي الأرض أن علمه تعالى محيط بكل شيء. والمراد بوجه الله تعالى ذاته، والمراد باليد في الآية قدرته، والمراد بالأعين الرعاية، والمراد بنزول الله إلى السماء الدنيا نزول ملك بأمره، والمراد بأصبعي الرحمن قدرته وإرادته وهكذا
وقال العلماء في الفرق بين المذهبين - مذهب السلف ومذهب الخلف - إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم، والذي أرتضيه للقارئ هو أن يكون سلفيا بعيدا عن التأويل وأن يرفض مذهب الخلف رفضا تاما فإنه بدع من القول لا يسوغ الأخذ به، وبناء على ذلك يجب القول بأن الله تعالى متصف بالعلو على خلقه، والاستواء على عرشه، وأن اليد والرجل والقدم والعين والأعين والنزول إلى السماء الدنيا وغير ذلك مما وردت به نصوص الكتاب والسنة الصحيحة كل ذلك من صفاته تعالى على الوجه الذي يليق بذاته تعالى. ويستحيل أن يشبه في شيء من ذلك شيئا أو أحدا من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الصفات