١ - قال المرحوم محمد رشيد رضا:
إن حكمة الحكماء، وعلوم الفلاسفة آراء بشرية ناقصة، وظنون لا تبلغ من عالم الغيب إلا أنه موجود ومجهول، وهي عرضة للتخطئة والخلاف، ولا يفهمها إلا فئة مخصوصة من الناس- وما كل من يفهمها يقبلها، ولا كل من يقبلها ويعتقد صحتها يرجحها على هواه وشهواته، إذ لا سلطان لها على وجدان العالم بها، فلا يكون لها تأثير الإيمان وإسلام الإذعان والتعبد، لأن النوع البشري يأبى طبعه وغريزته أن يدين ويخضع خضوع التعبد لمن يعتقد أن له سلطانا غيبيا عليه بما يملكه من القدرة على النفع والضر بذاته دون الأسباب الطبيعية المبذولة لجميع الناس حسب سنة الكون.
وأضيف إلى ما قاله الأستاذ ما يأتي:
٢ - إن الرسل يتلقون عن الله تعالى دينه ويبلغونه للناس بأمانة وليس
[ ١١٨ ]
لهم رأي في الدين إلا في الحدود التي أذن الله لهم فيها، وليس ذلك شأن الفلاسفة الذين يعتمدون على العقل فقط، والعقل وحده ثبت عدم كفايته.
٣ - الرسل طائفة ممتازة من البشر يختارهم الله تعالى بنفسه، ويصنعهم لرسالته، ويربيهم بحكمته، ويعصمهم من الزلل والإثم والفواحش حتى يصلحوا للقيادة بعد نزول الرسالة عليهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١).
وقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٢).
وقال لمحمد (ﷺ): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣).
٤ - رسالات الرسل تنزل من عند الله تعالى- وهو أعلم بخلقه- لتصنع لهم الحياة الطيبة في جميع النواحي سواء أكانت شخصية أم اجتماعية أم اقتصادية أم ساسية، وسواء اتصلت بالفرد أم بالجماعة أم بالأمة أم بالإنسانية.
والرسالات في ذلك تعالج الأمور بما يتفق مع الغرائز والعواطف والاحتياجات المختلفة، وكل متطلبات الإنسان.
_________________
(١) آل عمران: ٣٣.
(٢) طه: ٤١.
(٣) القلم: ٤.
[ ١١٩ ]
والرسالات ترعى مع ذلك التواؤم بين الإنسان وبين ما يحيط به من جميع المخلوقات سواء منها الحيوانات والحشرات والنباتات والبحار والجبال وغيرها، وهذا الشمول الناجح المؤتلف مع جميع الأشياء المعالج لجميع الأمراض، المدرك لخفيات الأمور، الذي يتحسس نبضات القلوب فيرعاها، وخلجات النفوس فيحنو عليها لم يوجد لأي فيلسوف ظهر على وجه الأرض.
٥ - من التاريخ الإنساني ندرك أن الفلاسفة لم ينجحوا في إقامة دولة أو أمة على فلسفتهم ومبادئهم، وذلك بسبب عجز الفلاسفة عن سد حاجة البشرية، ومن قيل عنه: إن أمة من الأمم قامت على فلسفته فإنك بالبحث ترى أن الفلسفة التي جاء بها الفيلسوف ليست هي التي جمعت عليها الأمة، وإنما هناك مؤثر آخر هو القوة والضغط، والتعذيب، والتنكيل، فهي ليست أمة قائمة على فلسفة اقتنعت بها، وإنما هي فلسفة ضيقة عذبت في سبيلها أمة، وحطمت نفوسا بشرية، وجعلت الحياة على سعتها سجنا لأهلها. فأين هذا من قول الله لرسوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ (٢).
ولذلك نجح الأنبياء نجاحا منقطع النظير في تكوين الأمم التي آمنت برسالتهم، ونجحوا في إسعادهم وإعزازهم، وفي توفير حياة الحرية والكرامة والسيادة والقوة لهم، ما دام المؤمنين ملتزمين بتعاليم هؤلاء الأنبياء. وذلك أمر لا يشك فيه عاقل.
_________________
(١) الكهف: ٢٩.
(٢) الغاشية ٢١ - ٢٢.
[ ١٢٠ ]
لذلك كله تجد العلماء والمفكرين المنصفين عرفوا للرسل مكانتهم، ووضعوهم في الموضع اللائق بهم بالنسبة لحاجة الناس إليهم، وضرورة الأخذ بما جاءوا به من دين-فيقول ابن القيم في ذلك:
إنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ور في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إل على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجع الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال. وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلالة، فالضرورة إليهم اعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة؟؟
فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء من الرسول كهذه الحال بل أعظم، ولكن لا يحس بها إلا قلب حي، وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي (ﷺ)، فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلية ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه.
والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
النبوات وإرسال الرسل