١ - إن القنفذ يصعد إلى الكرم فيرمي بالعنقود، ثم ينزل فيأكل منه ما يكفيه، وإن كان له فراخ تمرغ على الباقي فيتعلق بشوكه فيذهب به إلى أولاده.
٢ - إن من بين الغراب والذئب ألفة، فإنه إذا رآى الذئب بقر بطن شاة سقط وأكل منها والذئب لا يضره.
[ ٥٦ ]
٣ - إن الفأرة تأتي إلى إناء الزيت فتشرب منه، فإذا نقص صارت تشرب بذنبها، فإذا لم تصل إليه ذهبت وأتت بماء في فمها وتصبه فيه حتى يعلو لها الزيت فتشربه (١).
ويقول الدكتور مصطفى محمود: (٢)
من الذي علم الكتكوت أن يكسر البيضة عند أضعف أجزائها ويخرج؟
من الذي علم الطيور الهجرة عبر البحار والصحارى إلى حيث تجد الغذاء الأوفر والجو الأحسن؟ وإلى حيث تتلاقح وتتوالد؟ ومن الذي يسدد خطاها طوال هذه الرحلة من ألوف الأميال فلا تضل؟
من الذي علم دودة القز أن تنسلخ من ثوبها مرة بعد مرة أخرى، ثم تنزوي في ركن لتبني لنفسها شرنقة من حرير تنام فيها ليالي طويلة مثل أهل الكهف ثم تخرج منها فراشة بيضاء جميلة؟
من الذي علم أبو ذنيبة كيف يصنع لنفسه ذنبا حين تقطع له ذنبه؟ .. لا أحد، إن العلم باطن في خلاياه .. كل خلية تعرف دورها معرفة تلقائية وتؤديه.
وبالمثل ما يحدث لنا حينما نجرح فتلتئم جروحنا من تلقاء نفسها .. وحينما تجرح الأشجار فتلتئم بنسيج من الفلين يملؤها بين شفرات جروحها.
وبالمثل مايحدث لنا بدون جراح وبدون أمراض حينما يحقق لنا جسمنا درجة حرارة ثابتة في الحر وفي البرد .. ويحتفظ لنا بوزن ثابت في ظروف مختلفة من الجوع والشبع. ويحتفظ بسلامته ووحدته في مواجهة جيوش جرارة من الميكروبات تعمل ليل نهار على تفكيكه وتفتيته وهضمه وأكله.
_________________
(١) ا. هـ. باختصار من تفسير الجواهر.
(٢) كتابه "لغز الحياة" مع ملاحظة أننا ننقل عنه ما يتصل بتخصصه أو ما له صلة به، وليس معنى ذلك أننا نوافقه على شطحاته الخاصة بتفكيره في الدين أو في القرآن فيراعى ذلك.
[ ٥٧ ]
هذا التوازن الدقيق الذي يتحقق بفاعلية مستمرة في الداخل وحركة دائبة لتصحيح كل خطأ .. هو الذي يثير التفكير إلى أن قال:
والتفسير العلمي للحياة بأنها نشاط كيماوي (كما يقول الطبيعيون المنكرون للصانع) تفسير غير كاف .. لأن الجسم الميت يحتوي على نفس المواد الكيماوية التي في الجسم الحي .. والتراب يحتوي على نفس المقادير من الحديد والنحاس والكربون إلى أن قال: والمشكلة تحتاج إلى تفكير أكثر (١).
ثم يقول في موضع آخر: وبيننا اليوم حشرات عجيبة تأكل أنواعا عجيبة من الأطعمة، مثل ذبابة البترول، وذبابة التحنيط التي تعيش على أملاح تحنيط الجثث، وخنفساء الدائرة الكهربائية التي تعيش على أسلاك الرصاص وكل حشرة تتحرك مثل عربة مصفحة تحيط بجسمها الرقيق صفائح من مادة كالصلب اسمها"الكيتين" تقاوم فعل جميع المهلكات الكيمائية وهي تسلح نفسها بحراب وخناجر وأشواك ..
وبعضها يسلح نفسه بحويصله من السم متصلة بإبرة حامية (الزبان) يطعن بها أي عدو يقترب منه فيشله ثم يلتهمه، وبعضها يتلون بلون البيئة كفرس النبي الأخضر بلون الخضرة، أو الجرادة الصفراء بلون الرمال .. وبعضها يطلق غازات كريهة ليطرد أعداءه .. وبعضها يبني لنفسه قلاعا حصينة من الطين، وبعضها يحاكي في هيئته الونانير اللاسعة بدون أن يكون لها زبان ليضحك على مطارديه .. إلى أن قال: وأعجب ما في الحشرة ما يسمى بالمعرفة الغريزية .. فحشرة أبي دقيق تختار أوراق الكرنب لتبيض عليها مع أنها لا تتغذى على الكرنب ولا تحتاج إليه، وإنما تقودها إلى ذلك معرفة غريزية باطنية .. فالبيض سوف يفقس وسوف تخرج ديدان صغيرة لا تأكل سوى الكرنب، فيجب أن تبيض حشرة أبي دقيق على ورق
_________________
(١) من ص ٧ - إلى ص ١١.
[ ٥٨ ]
الكرنب ليجد الصغار ما يأكلونه. ومع ذلك فحشرة أبي دقيق لا تعرف هذه المسالة معرفة عقلية واعية .. وحتى لو رأت صغارها التي فقس عنها بيضها فهي لن تعرفها .. إن كل العملية تتم بدون وعي وبغملاء من قوة مجهولة اسمها الغريزة.
وزنبور البطن يصطاد الدودة ثم يبيض عليها بيضة واحدة ثم يضعها في العش ويمضي باحثا عن حصاة ليحملها بين ذراعيه ويغلق بها باب العش .. وتفقس البيضة لتجد اليرقة الصغيرة طعامها جاهزا بين يديها .. كيف أدرك الزنبور الحاجة لأولاده فاحتاط لها؟
والبعوضة التي تضع بيضها على سطح الماء فتزود كل بيضة بكيس من الهواء وتطفو بها على سطح الماء هل تعرف قاعدة قوانين أرشميدس؟
والحشرة التي يسمونها في علم الحشرات "قاذفة القنابل" والتي تتمخطر أمام الحيوانات المفترسة دون خوف حتى إذا فتح أحدها فمه ليلتهمها ضغطت على كيس في بطنها فامتزجت في لحظة إفرازات ثلاث غدد تحتوي على مادة الهيروكيتون وفوق أكسيد الهيدروجين وإنزيم خاص، ويؤدي اختلاط الثلاثة إلى تفاعل شديد وخروج غاز لاسع كريه الرائحة فيفر الحيوان المفترس رعبا .. هل أخذت هذه الحشرة دبلوما في الكيمياء من كامبريدج؟ إلى أن قال:
لا شك أن هناك إلها حكيما خلق مخلوقاته وخطط لها وهو يعلم من الغيب ما لاتعلم (١).