زعم النظام من المعتزلة أن إعجاز القرآن بالصرفة (أي إن الله صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم حتى لا يأتوا بمثله، وكان ذلك مقدورًا لهم، لكمن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات). وهذا قول فاسد بدليل قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم. ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم، لأن اجتماعهم حين يسلبون القدرة بمنزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزًا وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله ﷾ حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله؟. وأيضًا يلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمن التحدي وخلو القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة على أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة له باقية سوى القرآن. إذن فالقول بأن الإعجاز القرآني سببه صرف الله الناس عن الإتيان بمثله قول باطل ومخالف باطل ومخالف لإجماع الأمة ولا يصح الاعتداد به.
[ ١٥٣ ]
لذلك اجتهد العلماء من السلف والخلف في استنباط أوجه الإعجاز في كتاب الله تعالى وسيظلون يجتهدون ويستنبطون إلى يوم القيامة. فإن كتاب الله تعالى يكفي في عظمته وسموه ورفعته أنه كتاب الله، ولأنه كذلك عجز الإنس والجن عن أن يأتوا بسورة كأقصر سورة منه. لكن العقل الإنساني وإن عجز عن الإتيان بمثل القرآن فإنه لم يعجز عن المحاولات الكثيرة ليستشف بعض الأوجه في إعجاز القرآن الكريم. وساعد العقل على ذلك في صدر الإسلام تمكن العرب المسلمين من أساليب الفصاحة والبلاغة وبلوغهم فيها شأوًا بعيدًا، وساعده على ذلك بعد صدر الإسلام إلى يوم اطراد التقدم البشري في العلوم الكونية والإنسانية وغيرها مما جعل المسلمين المنصفين ينظرون إلى القرآن الكريم باعتباره الكتاب الإلهي الوحيد الذي (بقي) وسيظل شامخًا جامعًا شاملًا كل حاجات الإنسانية. فيجدون أن هذا القرآن الكريم يعايش الحياة كلها. أرضها وسماءها، محسوسها ومعنوياتها وأنه يجمع بين دفتيه علومًا لا حصر لها، وأن أي خطوة يخطوها الإنسان في اكتشاف أو اختراع أو تشريع أو تقنين عادل فإن القرآن الكريم يعتبر سابقًا بالإشارة أو العبارة كل ما يصل إليه البشر. ونحن حين نقدم للأمة بعض أوجه الإعجاز فإننا لا نريد الحصر بما نقدم. إنما نقدم الأهم الذي يفتح لك آفاق البحث والاستزادة إن أردت المزيد. فقد اقتصر بعض العلماء على أربعة أوجه لإعجاز القرآن، وأوصلها بعضهم إلى عشرة أوجه، وأوصلها آخرون إلى ستين وجهًا، وآخرون بلغوا بها أكثر من ذلك.