* وقد ترك الشيخ ﵀ تراثا ضخما، يتمثل في مكتبته الصوتية تلك التي بلغت أكثر من ألف شريط كاسيت وفيديو .. كذلك ضمّنها الشيخ الإسلام كله بكلياته وفروعه على شكل سلاسل صوتية رائعة ومن أمثلتها:
* سلسلة قصص الأنبياء: وقد حققت السلسلة شهرة واسعة لما تميزت بربط الواقع المعاصر بقصص الأنبياء في أسلوب رائع ضاحك مبك في نفس الوقت، لما يحمله من التهكم والسخرية والمرارة لما يمر به المسلمون في هذه المرحلة الخطيرة من الزمن.
* سلسلة الدار الآخرة: والتي كان لها تأثيرها البالغ في نفوس كل من سمعوها، لما تشعر في أسلوب الشيخ من صدق وإخلاص نحسبه كذلك والله حسيبه.
* كذلك فقد أسهم الشيخ بنصيب وافر في مجال الكتابة فألف مجموعة من الكتب تعتبر نسيج وحدها في أسلوبها وموضوعاتها.
ومن هذه الكتب
* فقه العبادات: وقد شرح فيه الشيخ العبادات في مجلد واحد في أسلوب سهل ممتنع لا تنقصه الرصانة العلمية والملكة الفقهية، ولم ينحاز الشيخ في كتابه لمذهب بعينه، بل ما ترجح بالدليل عنده هو ما يذهب إليه، وقد استفدت كثيرا من هذا الكتاب، في بحثي المعنون ب (ثبوت الهلال بين الرؤية البصرية والحسابات الفلكية).
* السلوك الاجتماعي في الإسلام.
* ومن أخطر كتبه التي أثارت ضجة كبيرة، كتابه: (تبسيط العقائد الإسلامية)،فقد رجح الشيخ حسن أيوب أن المصدق بقلبه ناجٍ عند الله وإن لم ينطق بالشهادتين، (تبسيط العقائد الإسلامية ٢٩ - ٣٢). ومال إليه البوطي (كبرى اليقينيات ١٩٦).
* وفي هذا مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ومخالفة لنصوص القرآن الكريم الكثيرة منها: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) .. عليه يكون إبليس من الناجين من النار لأنه من المصدقين بقلوبهم، وكذلك أبو طالب عم النبي ﷺ وغيرهم كثير.
* ويقول في نفس الكتاب: (أهل السنة هم أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي ومن سلك طريقهما، وكانوا يسيرون على طريقة السلف الصالح في فهم العقائد)، (تبسيط العقائد الإسلامية ٢٩٩)، ومخالفة هذا الكلام لعقيدة أهل السنة واضح بين، وليس هذا المقام مقام أخذ ورد.
* وبالرغم من خطورة هذا المعتقد الذي يمثل إلى حد كبير مذهب الأشاعرة، وكان هذا الفهم سببا أساسيا في خروج الشيخ من المملكة السعودية، إلا أني أقول: إنَّ الشيخ ﵀ من العلماء الذين اجتهدوا وحرصوا على إتباع الدَّليل من الكتاب والسُّنَّة، وله عناية في التحقيق في المسائل والاستدلال عليها بالكتاب والسُّنَّة والإجماع والمعقول، حيث يذكر الأدلَّة إجمالًا ثمَّ يفصِّلها، ويُبيِّن وجهَ الاستدلال، وهو مِمَّن رُزق فقهًا في الدِّين، وعناية في فقه الشريعة أصولًا وفروعًا، وهو كغيره يخطئ ويُصيب، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويُردُّ إلاَّ رسول الله ﷺ.
* وللشيخ أيوب آراء في مسائل يسيرة، بغض النظر عن هذه المسألة الخطيرة، يرى غيرُه أنَّ الصوابَ على خلاف ما قال، وقد يكون هو المصيب.
* ومن المعلوم أنَّ كلَّ مجتهد للوصول إلى الحقِّ لا يعدم الحصول على أجرٍ أو أجرَين، على أجرين إن أصاب، وأجرٍ واحد إن أخطأ؛ لقوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عمرو ابن العاص قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا حكم الحاكمُ فاجتهدَ ثمَّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمَّ أخطأ فله أجرٌ»، وهذا لفظ البخاري.
فقد قسم النَّبِيُّ ﷺ الحكَّام في هذا الحديث إلى قسمين: مصيب ومخطئٌ، فدلَّ على أنَّ الحقَّ يُصيبه من يُصيبه، ويخطئه مَن يخطئه، وأنَّه ليس كلُّ مجتهدٍ في اختلاف التضادِّ مصيبًا حقًّا، وإنَّما كلّ مجتهد مصيبٌ أجرًا، مع تفاوتِهم في الأجر كما هو واضح من هذا الحديث.
* والحاصلُ أنَّ الشيخَ ﵀ عالِمٌ كبيرٌ، وعلمُه غزيرٌ، وصوابُه كثير، ونفعُه عميم، فأوصي بالاهتمام بآثاره والاستفادة منها.
وكذلك من كتب الشيخ
* الجهاد والفدائية في الإسلام.
* رحلة الخلود.
* رسائل صغيرة في موضوعات مختلفة كالصلاة والحج وغير ذلك.
* الموسوعة الإسلامية الميسرة .. وهذه الموسوعة هي آخر ما كتب الشيخ وتبلغ حوالي خمسين جزءًا من القطع الصغير، وهي شاملة لكل كليات الاسلام وفروعه وعلومه ومعارفه المختلفة.
وقبل أن أختم مقالي أذكر بعض الآثار عن السلف والتي تدلُّ على مدى عِظم المصيبة بموت العالِم: - فعن سَلمان الفارسي قال: «لا يزال الناسُ بخير ما بقي الأول حتى يتعلَّم الآخِر، فإذا هلك الأوَّلُ قبل أن يتعلَّم الآخِر هلك الناس» رواه الدرامي في سننه - وعن ابن عباس ﵄ أنَّه لَمَّا مات زيد بن ثابت قال: «هكذا ذهابُ العلم، لقد دُفن اليوم علمٌ كثير» رواه الحاكم في المستدرك.
وعن الحسن قال: «موتُ العالِم ثلمه في الإسلام لا يسدُّها شيء ما طرد الليل والنهار» رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.
وعن أيُّوب السّختياني قال: «إنَّه ليَبلُغنِي موتُ الرَّجل من أهل السُّنَّة، فكأنَّما سقط عضوٌ من أعضائي» رواه أبو نعيم في الحلية.
وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (ص:٧٤): « لَمَّا كان صلاحُ الوجود بالعلماء، ولولاهم كان الناسُ كالبهائم، بل أسوأ حالًا، كان موتُ العالِم مصيبة لا يجبرها إلاَّ خلف غيرِه له، وأيضًا فإنَّ العلماءَ هم الذين يسوسون العبادَ والبلاد والممالك، فموتُهم فسادٌ لنظام العالَم، ولهذا لا يزال اللهُ يغرسُ في هذا الدِّين منهم خالفًا عن سالف يحفظُ بهم دينَه وكتابَه وعبادَه، وتأمَّل إذا كان في الوجود رجلٌ قد فاق العالَم في الغنى والكرم، وحاجتهم إلى ما عنده شديدة، وهو محسنٌ إليهم بكلِّ ممكن ثم مات، وانقطعت عنهم تلك المادة، فموتُ العالِم أعظمُ مصيبة من موت مثل هذا بكثير، ومثل هذا يموت بموته أممٌ وخلائق».
وقبل ذلك كلِّه ما قاله الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، في الحديث المتفق على صحَّته عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يَقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لَم يُبق عالِمًا اتَّخذ الناسُ رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأَضلُّوا»، وهذا لفظ البخاري.
ولا شكَّ أنَّ وجودَ العالِم المحقِّق بين الناس غنيمةٌ عظيمةٌ، يستفيدون من نُصحه، ويستضيئون بنورِ علمِه، فإذا فقدوه شعروا بالفراغ الواسع.
وفي هذا المعنى قال الشاعر:
خَبَتْ مصابيحُ كنّا نستضيء بها وطوّحَتْ للمغيب الأنجُمُ الزُّهُرُ
واستحكمتْ غُرْبَةُ الإسلام وانكسفتْ شمسُ العلومِ التي يُهدى بها البَشَرُ
وختامًا فقد ورد في صحيح مسلم من حديث أمِّ سلمة ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دعا لأبي سلمة عند موتِه فقال: «اللَّهمَّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجتَه في المهديِّين، واخلفه في عقِبِه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربَّ العالَمين، وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه».
ونحن نقول: اللَّهمَّ اغفر للشيخ حسن أيوب، وارفع درجتَه في المهديِّين، واخلفه في عقِبِه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربَّ العالَمين، وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه.
ونسألُ اللهَ أن يُوفِّقنا جميعًا لتحصيل العلمِ النافع، والعمل الصالِح، إنَّه سميعٌ مجيب.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كتبه خادم القرآن
أحمد زكريا عبد اللطيف (باحث شرعي)
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: المقال من شبكة الألوكة، نسخته هنا للفائدة
[ ٢ ]