إذا جاء أحد الناس وادعى أن الله اختاره واجتباه وارتضاه لأن يكون رسولا من عند الله تعالى إلى الناس فإن الناس لا يمكن أن يقبلوا قوله في بادئ الأمر- مهما كان حميد السيرة مرضي الخلق حسن العشرة بين قومه- إلا إذا جاء بدليل قاطع يثبت أنه حقا رسول الله إليهم، وهذا الدليل الذي يثبت رسالته لا بد من أن يكون صادرا من عند الله تعالى، فإذا جاء الدليل من الله تعالى يثبت رسالته وجب على المرسل إليهم اتباع رسولهم، وإلا نزل بهم عذاب الله ووعيده، لأنهم كذبوا المرسل إليهم بعد وجود دليل صدقه.
هذا الدليل الذي يثبت رسالة الرسول، وأنه موفد من عند الله هو المسمى (المعجزة).
تعريف المعجزة
فالمعجزة دليل حسي أو معنوي يعجز جميع البشر الموجودون عند إرسال الرسول عن الإتيان بمثله.
وعجز البشر دليل على أن المعجزة فعل الله القادر على كل شيء.
والله لا يفعل المعجزة إلا ليثبت للمرسل إليهم أنه تعالى هو الذي أرسل هذا الرسول إليهم وأنهم مكلفون باتباعه والعمل بما جاء به من دين وشرع.
وقد عرف العلماء المعجزة بالتعريف الآتي:
المعجزة: هي أمر يظهره الله بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرون عن الإتيان بمثله.
فشروط المعجزة حسب هذا التعريف هي:
[ ١٤٤ ]
١ - أن تكون المعجزة من الله تعالى دون غيره، لأنها تصديق منه لرسول فلا يصدقه بفعل غيره، سواء كان هذا الأمر (المعجزة) الذي يظهره الله قولا مثل القرآن، أم فعلا كفلق البحر لسيدنا موسى، أم تركا كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم ﵇.
٢ - أن تكون خارقة للعادة لأنها لو لم تكن كذلك لأمكن للكاذب ادعاء الرسالة، وخرج بهذا السحر والشعوذة والمخترعات الغربية.
٣ - أن تظهر على يد من يدعي النبوة ليعلم أنه تصديق له فخرج بهذا الكرامة والمعونة والإستدراج.
٤ - أن تكون مقرونة بدعوى النبوة ومصاحبة لها حقيقة أو حكما كما إذا تأخرت بزمن يسير وخرج بهذا الإرهاص.
٥ - أن تكون المعجزة موافقة للمطلوب، فإن جاءت مخالفة للمطلوب سميت إهانة كما حصل لمسيلمة الكذاب، فإنه تفل في عين لتبرأ فعميت السليمة.
٦ - أن لا تكون مكذبة للمدعي. فلو قال الإنسان: معجزتي نطق هذا الجماد فنطق الجماد مكذبا له فإن تكذيبه يعتبر دليلا على كذب المدعي.
٧ - أن تتعذر معارضة الأمر الخارق للعادة والإتيان بمثله لأن المعارضة لو أمكنت واستطاع أحد أن يأتي بمثل الأمر الخارق للعادة الذي جاء به النبي لأمكن لأي كاذب أن يدعي النبوة.
٨ - زاد بعضهم أن لا تحصل المعجزة زمن نقض العادات- وذلك كزمن طلوع الشمس من مغربها وتكلم الدابة، وظهور المسيح الدجال، فإن الخوارق فيه ليست معجزة.
الفروق بين المعجزة وبين غيرها من خوارق العادات
١ - هو: أن المعجزة أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة.
٢ - والكرامة: أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد صالح غير مدع للنبوة.
[ ١٤٥ ]
٣ - والمعونة: أمر خارق للعادة يظهر على يد بعض العوام تخليصا من شدة.
٤ - والإهانة: أمر خارق للعادة يظهر على يد كاذب مدع للنبوة خلاف مطلوبه كما حصل لمسيلمة الكذاب.
٥ - والإستدراج: أمر خارق للعادة يظهر على يد فاسق مدع للإلهية، كما يظهر على يد المسيح الدجال.
٦ - والإرهاص: أمر خارق للعادة يظهر على يد نبي قبل بعثته كتظليل الغمام لنبينا محمد ﵊.
٧ - والسحر: قواعد يقتدر بها على أفعال غريبة بالنظر لمن جهل قواعده ويمكن اكتسابه بالتعلم.
٨ - والشعوذة: خفة في اليد بوساطتها يرى الشخص أشياء على أنها حقيقية وليست كذلك في الواقع كما يفعل الحواة.
٩ - وغرائب المخترعات: هي الناشئة عن معرفة بعض خصائص المادة وأسرار الكون. مثل الراديو- والتلفزيون وسفن الفضاء وغيرها.
المعجزة