سابعا: هل يُشْتَرَطُ استحلال القلب واعتقاده أن سب الله ورسوله ودينه حلال لثبوت حكم الله فيمن سَبَّ واستهزأ بالله ورسوله ودينه أم لا؟
ثامنا: الأسباب الحاملة على السب والاستهزاء.
تاسعا: أمثلة للسب والاستهزاء واللعن المُخْرِجُ من الملة.
عاشرا: هل من توبة قبل الموت من سب الله رب العالمين والاستهزاء بدينه؟
[ ٥ ]
أولا: مقدمة عن عِظَمِ شأن الكلمة في دين الله
إن الكلمة في دين الله لها شأن عظيم، فالركن الأول من أركان الإسلام هو التلفظ بكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله مما يدل علي أنه كما يَدْخُلُ العبد الإسلام بكلمة فإنه يخرج بكلمة تناقضها، وقد دلَّ الدليل الشرعي على أن الكلام من أعمال العبد التي تُحْصَى عليه ويترتب عليه إيمان وكفر وبالتالى ثواب وعقاب
فقد قال ﷿ " لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق " آية آل عمران ١٨١، وقوله ﷿
[ ٦ ]
" لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم" آية المائدة ١٧، وقال" يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم" آية التوبة ٧٤.
أما في السنة فعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " وهل يُكَبُّ الناس في النار علي وجوهم أو علي مناخرهم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم " أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٢٠٥، وقال أيضا " إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يَرَي بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار " أخرجه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ١٦١٨،
[ ٧ ]
وقال أيضا " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يَظُنُّ أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلي يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلي يوم يلقاه " أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ١٦١٩.
وقد تكون الكلمة سببا في إحباط عمل المرء، ويُبَيِّنُ لنا هذا المعني رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث جُنْدُب بن عبد الله قال " قال رسول الله ﷺ:
[ ٨ ]
قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله ﷿: من ذا الذي يَتَأَلَّى علي أني لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك " يتألي: من الأَلية وهي اليمين "
والنصوص من القرآن والسنة كثيرة جدا في إثبات أن المسلم قد يَخْرُجُ من دينه ويُحْبَطُ عمله بسبب قَوْلَةً يقولها أو كلمة يسمعها ويُقِرُّهَا فيرضى بها ولا يُنْكِرُها.
ومما نراه ونسمعه ليلا ونهارا من سب الله أو سب رسوله أو سب الدين أو الاستهزاء بشيء من الدين أمر لابد أن نقف معه وقفة لظهوره ولخطورته.
[ ٩ ]
فإن سأل سائل: ما معني كل من السب والاستهزاء وهل هو مقتصر علي صيغ معينة مثل اللعن؟
اعلم - هداني الله وإياك - أن السب في اللغة: الشتم والقطع والطعن قاله صاحب مختار الصحاح، ومعني الاستهزاء: السخرية.
فالسب والاستهزاء ليس مقتصرا على صيغ معينة، ولا على ألفاظ معينة، بل السب والاستهزاء يكون بكل لفظ يؤدي إلى هذه المعاني.
وانتبه رحمك الله إلى أن أدلة حكم الاستهزاء الآتية هي نفس أدلة حكم السب، لكن السب أشد إثما وشناعة واستكبارا على رب العالمين من الاستهزاء.
[ ١٠ ]
فإن قلت: أنا لا أقصد بسبِّ الدين دين الإسلام بل سبَّ أخلاقه فهل عليَّ ذنب؟
أقول وبالله تعالى التوفيق والهدى: هذا الكلام صحيح لو كان المتعارف عند أهل المدينة التي تعيش فيها أن كلمة الدين المقصود بها أخلاق الشخص، وهو ما يطلق العلماء عليه الحقيقة العرفية، لكن عندنا في مصر المتعارف عندنا أن كلمة الدين المقصود بها دين المسلمين بدليل أنك لو سألت السابَّ نفسه ماذا تقصد بسب الدين؟ لقال لك: أقصد دين الشخص نفسه أي ملته لا أخلاقه وهو يعلم أن ذلك حرام بل كفر.
[ ١١ ]
فإن قلت (١): هل إذا قال قائل وهو لا يقصد: " يلعن دينك - يحرق دينك - يا أولاد دين الكلب، أو ذكر الخالق أو رسوله أو دينه بشيء من السخرية مثل لوقال " لو ربنا نزل إلي فلن أُغَيِّرَ رأيي - لو النبي كان حَيًَّا كان شاهد السينما،
_________________
(١) - أستغفر الله وأتوب إليه من إيراد هذه الأقوال الكفرية لكن هذا من مقتضى التعليم وإنكار المنكر حتى يقف الناس على صور السب والاستهزاء المُخْرِجَة من الملة والمنتشرة بيننا ولكي نُسْقِطَ الحكم الشرعي عليها، والإجماع قد جاء بجواز حكاية أقوال الكفر.
[ ١٢ ]
أو قال على منتقبة " أنها مثل الخيمة "
هل يُعْتَبَرُ مسلما أم مرتدا عن الإسلام أم عاصيا؟
اعلم - وفقني الله وإياك - أن الله لم يترك حدود الإسلام والكفر لأحد، بل بَيَّنَ الله ورسوله ﷺ في الكتاب والسنة الاعتقادات والأقوال والأفعال التي يكون العبد بها مسلما أو مرتدا عن إسلامه، كما جاء الإجماع عن علماء الأمة بذلك أيضا.
فإن ما ذكرت هي مما حكم الله ورسوله ﷺ وأجمع المسلمون على كفر قائله أو سامعه بدون إنكار بلسانه ولا قلبه مُقِرًَّا بذلك ونُدَلِّلُ على ذلك بما يلي:
[ ١٣ ]