فصل
وقول العراقي: (هذه الآية صحيحة لكن الفهم باطل) مما يدل على جهله المركب، وكثافة فهمه، فإن القرآن أغنى وأعلى وأجل وأعظم من أن يعبر عنه بهذه العبارة، أو يقسم إلى صحيح وغيره.
وإنما تستعمل هذه العبارة فيما يقبل القسمة من الأحاديث، لأنها تنقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع١. ولا يُصَحِّح٢ إلا من يضعف، ولا يحسّن إلا من يقبح.
وقد أنكر أبو حنيفة على رجل صار يحسن ما يسمع منه من الروايات، وزجره عن ذلك، وقال: "إنما يحسن من يقبح".
هذا في السنة ونحوها، فكيف بالقرآن الذي هو كله حق وهدى، تنزيل من حكيم حميد.
وقوله: (إن الدعاء هو السجود في هذه الآية، وأن نداء الصالحين ليس بعبادة) إلى آخر عبارته.
_________________
(١) ١ قال النووي في "تقريبه": "الحديث: صحيح، وحسن، وضعيف". قال السيوطي في شرح كلام النووي هذا: وإنما لم يذكر الموضوع لأنه ليس في الحقيقة بحديث اصطلاحًا، بل يزعم واضعه. اهـ من "تدريب الراوي" ١/ ٦٢. ٢ في "أ": " وموضوع، أما القرآن فكله حق وهدى، تنزيل من حكيم حميد" فعلى هذا يكون قد سقط من هذه النسخة أربعة أسطر.
[ ١٠٧ ]
فهذا الكلام نشأ عن جهله باللغة والشرع، وما جاءت به الأنبياء، فإن العبادة تتضمن غاية الخضوع والذل، ومنه طريق مُعَبَّد: إذا كان مذللًا قد وطئته الأقدام، هذا أصلها في اللغة.
وأما في الشرع فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. قاله شيخ الإسلام.
وقال بعضهم: هي ما أمر به شرعًا، من غير اقتضاء عقلي، ولا اطراد عرفي.
وقال بعضهم: هي فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.
فدخل في هذه التعاريف والحدود جميع أنواع العبادات، فلا يقصد بها غير الله، ولا تصرف لسواه.
وهذا الغبي لم يعرف من أفرادها غير السجود.
ودعاءُ المسألة من أفضل أنواعها، وأجلها، كما في حديث النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/ ٢٦٧-٢٧١-٢٧٦-٢٧٧، وأبو داود في سننه –كتاب الصلاة- ٢/ ١٦١، والترمذي في سننه –كتاب التفسير- ٥/ ٢١١، وفي –كتاب الدعاء- ٥/ ٤٥٦، وابن ماجه في سننه –كتاب الدعاء- ٢/ ١٢٥٨، وابن المبارك في الزهد ص ٤٥٩، والطيالسي في مسنده ص١٠٨، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٢٠٠، والبخاري في الأدب المفرد ٢/ ١٧٨، وابن جرير الطبري في تفسيره ٢٤/ ٧٨-٧٩، وابن حبان في صحيحه –الموارد- (ص٥٩٥) والطبراني في الصغير (٢/٩٧) والحاكم في مستدركه (١/ ٤٩٠-٤٩١)، والبغوي في شرح السنة ٥/ ١٨٤، وفي تفسيره
[ ١٠٨ ]
والحصر يقتضي الاختصاص الادعائي، والتمييز على سائر العبادات. قال بعض الشراح: هو كقوله: "الحج عرفة" ١. أي ركن العبادة الأعظم هو الدعاء.
_________________
(١) -حاشية ابن كثير- ٧/ ٣٠٩، والقضاعي في مسند الشهاب ١/ ٥١، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٢٠ جميعهم من طريق يُسَيْع بن معدان عن النعمان بن بشير مرفوعًا به وسنده صحيح. وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه النووي، كما في الأذكار، وقال الحافظ في الفتح: إسناده جيد. ١/ ٤٩. وحسنه السخاوي –كما في شرح الأذكار- لابن علاّن ٧/ ١٩١. والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور ٧/ ٣٠١ لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية ٨/ ١٢٠، والبيهقي في شعب الإيمان كلهم عن النعمان بن بشير به. وأخرجه الخطيب في تاريخه ١٢/ ٢٧٩، وابن مردويه –كما في الدر- ٧/ ٣٠١ وأبو يعلى –كما في شرح الأذكار-٧/ ١٩١ عن البراء بن عازب ﵁. ١ أخرجه أبو داود في كتاب الحج من "سننه" باب من لم يدرك عرفة ٢/ ٤٨٥، والترمذي في "سننه" كتاب الحج، باب من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج ٢/ ١٨٨ ط السلفية بالمدينة المنورة، والنسائي في باب من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة ٥/ ٢٦٤ من سننه، وابن ماجه في "سننه" كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع ٢/ ١٠٠٣ جميعهم عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يَعْمر: "أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة، فسألوه، فأمر مناديًا فنادى: "الحج عرفة " الحديث. قال الترمذي: قال ابن أبي عمر: قال سفيان بن عيينة: "وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري". اهـ. وقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: "ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه". وقال الحاكم في المستدرك ١/ ٤٦٤، ٢/ ٢٧٨: صحيح الإسناد وأقره الذهبي في التلخيص.
[ ١٠٩ ]
وفي حديث أنس: "الدعاء مخ العبادة" ١. ومخ الشيء خالصه ولُبُّه.
وكذلك قوله ﷺ: "الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين"٢. والعماد والعمود: ما يقوم به الشيء ويعتمد عليه، جعله عمادًا٣ لأنه لا يقوم إلا به. وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة دالة على الطلب والمسألة على اختلاف المطلوب والمسؤول.
وكان هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة في أكثر موارد القرآن والسنة.
ويشهد لهذا قوله ﷺ: "أفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه –كتاب الدعاء- ٥/ ٤٥٦ وقال: حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. اهـ. ٢ أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٢ من جهة محمد بن الحسن بن الزبير الهمداني ثنا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. قال الحاكم: هذا حديث صحيح، فإن محمد بن الحسن هذا هو التَّل، وهو صدوق في الكوفيين. اهـ. وأقره الذهبي في التلخيص. وذكر الذهبي الحديث في "الميزان" في ترجمة التَّل مثالًا على مناكيره وقال: "فيه انقطاع" ثم ذكر الحديث في ترجمة "محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني" وقال: "وفيه انقطاع" وعليه فليحرر من محمد بن الحسن في هذا السند. والحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده ١/ ٣٤٤ حدثنا الحسن بن حماد الكوفي حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني عن جعفر بن محمد . قال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١٤٧: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد وهو متروك اهـ. ٣ في ط: آل ثاني: "عماد".
[ ١١٠ ]
شيء قدير١. وقد سئل ابن عيينة عن معناه، فأنشد قول أمية في عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إنَّ شيمتَك الحياءُ
قال في "القاموس": الدعاء هو الرغبة إلى الله. انتهى.
وقال الحسين بن محمد النعمي: الدعاء في الأصل موضوع لأن يكون من فقير عاجز خاضع، لغني قادر عزيز قاهر. انتهى.
والدعاء يَرِدُ في الكتاب والسنة بمعنى الطلب والمسألة بامتثال الأمر واجتناب النهي، ويرد بمعنى المسألة والطلب بالصيغة القولية.
وقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . الآية [غافر:٦٠] بدعاء العبادة، وبدعاء المسألة، والقولان معروفان، والآية تشمل النوعين. قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وذكر أنهما متلازمان، فكل عابد سائل، وكل سائل عابد.
وقال ﵀: والدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة –وساق جملة من الآيات- ثم قال: ولفظ الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وسميت به لتضمنها معنى الدعاء دعاءِ العبادة والمسألة. ثم قال: فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه،
_________________
(١) ١ أخرجه العقيلي في "الضعفاء" في ترجمة فرج بن فضالة الحمصي، من طريقه عن يحيى بن سعيد، عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". قال العقيلي: لا يتابع عليه. اهـ ج ٣/ ٤٦٢. وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ج٢/ ٢٧٢: وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف جدًا. قال البخاري: منكر الحديث. اهـ.
[ ١١١ ]
ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال، وسمي الذكر دعاء لما فيه من التعريض بالمسألة.
قال: وهذه الصيغة صيغة الطلب والاستدعاء إذا كانت مما لا١ يحتاج إليه الطالب، أو ممن يقدر على قهر المطلوب منه ونحو ذلك، فإنها تقال على وجه الأمر، إما لما في ذلك من حاجة الطالب، وإما لما فيه من نفع المطلوب منه. وأما إذا كانت من الفقير من كل وجه، للغني من كل وجه، فإنها سؤال محض بتذلل وافتقار. انتهى.
قلت: وقد نص على ما ذكره الشيخ من الفرق علماء المعاني صاحب "المفتاح" وغيره. وفرقوا في الصيغة الواحدة نظرًا للمخاطب والمخاطِب –بكسر الطاء- فقالوا: هي من الأعلى أمر، ومن المساوي التماس، ومن دونه مسألة وطلب.
وقد فسر قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ . [الأعراف:٥٥] بدعاء المسألة، قاله العلامة ابن القيم، وقرر٢ أنه في هذه الآية أظهر. وذكر أن استعمال الدعاء في العبادة والمسألة من استعمال اللفظ في حقيقته الواحدة، ليس من المشترك، ولا المتواطئ، ولا المجاز.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ . [الإسراء:٦٧] ظاهر في دعاء المسألة لمناسبة الحال والواقع.
و٣في حديث عكرمة بن أبي جهل لما فرَّ يوم الفتح إلى السِّيْف، وركب البحر، جاءتهم ريح عاصف، وظنوا الهلكة، أخلصوا الدعاء لله،
_________________
(١) ١ في "أ": "مما يحتاج". ٢ في ط: آل ثاني: "وقوله". ٣ سقطت "و" من: "جـ" وط: آل ثاني.
[ ١١٢ ]
وصاروا يتواصون بذلك، ويقول بعضهم لبعض لا ينجي في مثل هذا إلا الله. فقال عكرمة: إن كان لا ينجي في الشدة إلا هوتعالى، فكذلك لا ينجي في الرخاء إلا هو. وقال: لئن أنجاني الله لأرجعن إلى محمد، ولأضعن يدي في يده، فكان ذلك، وأسلم وحسن إسلامه –﵀- والقصة معروفة عند أهل العلم١.
وفي الحديث: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه"٢ سماها دعوة، وهي سؤال وطلب، وتوسل بالتوحيد.
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة": وقد أخرج قصة مجيئه –أي عكرمة- موصولة: الدارقطني (انظر السنن ٣/ ٥٩ كتاب البيوع، و٤/ ١٦٧ في كتاب النذور) والحاكم (انظر المستدرك ٢/ ٥٤ كتاب البيوع) وابن مردويه، من طريق أسباط بن نصر عن السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: "لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله ﷺ الناسَ إلا أربعة نفر " انتهي. وقد أخرجه البيهقي في "سننه" كتاب الجزية، ٩/ ٢١٢، وكتاب المرتد ٨/ ٢٠٢، ٢٠٥. وأخرجه أيضًا في "دلائل النبوة" ج٥/ ٥٩، وانظر "الدلائل" أيضًا جـ ٥/ ٩٨ وقد نقله عنه ابن كثير في "السيرة النبوية" –المأخوذة من البداية والنهاية- ٣/ ٥٦٥. ٢ أخرجه الإمام أحمد في "المسند" ١/ ١٧٠، والترمذي في "الجامع" ٥/ ٥٢٩، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" ص٤١٦، وأبو يعلى في "مسنده" ٢/ ١١٠-١١١، والبزار –كما في كشف الأستار- ٤/ ٤٣، وأبو عبد الله الحاكم في "المستدرك" ١/ ٥٠٥، و٢/ ٣٨٢-٣٨٣-٥٨٣، والبيهقي في "الجامع لشعب الإيمان" ٢/ ٥٢١، والطبراني في "الدعاء" ٢/ ٨٣٨ جميعهم من طريق يونس بن أبي إسحاق حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد حدثني والدي محمد عن أبيه سعد قال: قال رسول الله ﷺ: "دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها مسلمٌ ربَّه في شيء قط إلا استجاب له". هذا لفظ أحمد، وألفاظهم متقاربة. وقد ساق قبله الإمام أحمد وأبو يعلى قصة. وفي لفظ الحاكم ١/ ٥٠٥ من هذا الطريق: "ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم
[ ١١٣ ]
والعراقي يقول: (لا تسمى دعاء وإنما هي نداء) وهذا رد على رسول الله، وتكذيب بآيات الله، وقول على الله بغير علم.
وفي السنن من حديث حصين بن عبد الرحمن الخزاعي أن النبي ﷺ قال له حين أسلم: "كم كنت تعبد؟ قال: سبعة، واحد في السماء، وستة في الأرض، قال: "فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء"١.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [الأنعام:٤٠] الآية. وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في "سننه" كتاب الدعوات، ٥/ ٥١٩ من طريق أبي معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين الحديث. وقال عقبه: هذا حديث غريب. وقد روى هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه. اهـ. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير من هذا الطريق أيضًا، واختصر المتن ٣/ ٣. وأخرجه أحمد في "المسند" ٤/ ٤٤٤ من طريق منصور عن ربعي بن حراش عن عمران بن حصين أو غيره الحديث، وليس فيه سؤال النبي ﷺ، وفيه زيادة في الدعاء الذي قاله النبي ﷺ له. وأخرجه الحاكم من هذا الطريق أيضًا، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. (المستدرك ١/ ٥١٠) . تنبيه: في الطبعة الأولى من هذا الكتاب –بتعليقي- حاشية على هذا الحديث فيها: (أخرجه الإمام أحمد ١/ ١٧٠) وهذا خطأ وذلك لأن هذا العزو لأحمد برقم هذه الصفحة وهذا الجزء إنما هو لحديث سعد بن أبي وقاص الذي تقدم تخريجه قبل هذا الحديث ص١١٣، فدمجه الطابع –هداه الله- مع تخريج هذا الحديث، مع أني قد رقمته بيدي في تخريج الحديث السابق، فلينتبه.
[ ١١٥ ]
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . [العنكبوت:٦٥] .
وما زال أهل العلم يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بدعاء الله، والنهي عن دعاء غيره، على المنع من مسألة المخلوق ودعائه، بما لا يقدر عليه إلا الله، وكتبهم مشحونة بذلك، لا سيما شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، اللذين١ يزعم هذا العراقي أنه على طريقتهما.
أيها المدَّعِي سُلَيْمى سفاهًا٢ لستَ منها ولا قلامةَ ظُفْرِ
إنما أنتَ من سُلَيْمى٣ كواوٍ ألحقت في الهجاء ظلمًا بعَمْرِو
يوضح هذا أن ما لا يقدر عليه إلا الله٤ من الأمور العامة الكلية لهداية القلوب، ومغفرة الذنوب، والنصر على الأعداء، وطلب الرزق من غير جهة معينة، والفوز بالجنة، والإنقاذ من النار، ونحو ذلك غاية في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل وإظهار الفاقة والعبودية، ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق، أو يقصد به غير الله. وهذا أحد الوجوه في الفرق بين دعاء المخلوق فيما يقدر عليه من الأسباب العادية الجزئية، وبين ما تقدم، مع أن سؤال المخلوق قد يحرم مطلقًا.
_________________
(١) ١ في ط: آل ثاني: "الذين". ٢ في "أ" و"جـ": (وصل ليلى) . ٣ في "أ" و"جـ": (ليلى) . ٤ سقطت: "إلا الله" من ط: آل ثاني.
[ ١١٦ ]
ومسألة المخلوق في الأصل محرمة، وإنما أبيحت للضرورة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ*وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . [الشرح:٧-٨] .
وثبت عنه ﷺ أنه بايع نفرًا من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا. فكان أحدهم يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنيه١.
وقد اشتهر عنه ﷺ أنه منع من تعليق الأوتار والتمائم، وأمر بقطعها، وبعث رسوله بذلك٢، كما في السنن وغيرها. وقال: "من
_________________
(١) ١ أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" كتاب الزكاة ٢/ ٧٢١ عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة. فقال: "ألا تبايعون رسول الله؟ " وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله؟ " فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: "ألا تبايعون رسول الله؟ " فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا –وأسرّ كلمة خفيفة- ولا تسألوا الناس شيئًا" فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه". ٢ أخرج البخاري في صحيحه –كتاب الجهاد- باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل، ٦/ ١٤١، ومسلم في صحيحه –كتاب اللباس والزينة- ٣/ ١٦٧٢-١٦٧٣، كلاهما من طريق عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره –قال عبد الله: حسبت أنه قال: والناس في مبيتهم –فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت". قال الإمام مسلم بعد إخراجه: قال مالك: أرى ذلك من العين. اهـ.
[ ١١٧ ]
تعلق شيئًا وكل إليه"١.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ٤/ ٣١٠-٣١١، والترمذي في "جامعه" كتاب الطب –باب ما جاء في كراهية التعليق- كلاهما من جهة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عيسى أخيه، قال: دخلتُ على عبد الله بن عُكيم أبي معبد الجهني أعوده، وبه حمرة، فقلنا: ألا تعلق شيئًاَ؟ قال: الموت أقرب من ذلك. قال النبي ﷺ: "من تعلق شيئًا وكل إليه". هذا سياق الترمذي، وقال عقب إخراجه: حديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي ﷺ، وكان في زمن النبي ﷺ يقول: كتب إلينا رسولُ الله ﷺ. اهـ. ونسبه المنذري في "الترغيب والترهيب" ٥/ ٢٦٨، والتبريزي في "مشكاة المصابيح" ٢/ ١٢٨٥، وابن الأثير في "جامع الأصول" ٧/ ٥٧٥، والشيخ سليمان بن عبد الله في "تيسير العزيز الحميد" ص ١٦٨: إلى أبي داود. وقد نفى المعلق على "جامع الأصول" وجود الحديث في أبي داود. ومما يؤيد ذلك أن المزي –رحمه الله تعالى- لم ينسبه إلى أبي داود في "التحفة" ٥/ ٣١٧، وقال الحافظ ابن مفلح في "الآداب" ٣/ ٧٧: وقال بعضهم: رواه أبو داود. اهـ. ووقع عند من نسبه إلى أبي داود: "عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله ". والصواب: عيسى بن عبد الرحمن. والحديث أخرجه –من طريق ابن أبي ليلى به- غير من تقدم: ابن أبي شيبة في "المصنف" كتاب الطب ٨/ ١٣، والحاكم في "المستدرك" كتاب الطب ٤/ ٢١٦، والبيهقي في "سننه" كتاب الضحايا –باب التمائم ٩/ ٣٥١، والطبراني في "المعجم الكبير" ٢٢/ ٣٨٥ في ترجمة أبي معبد الجهني، وقال الطبراني: وقد قيل إنه عبد الله بن عكيم اهـ. قلت: بذا جزم الحاكم وغيره. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه الطبراني في ترجمة أبي معبد الجهني، في الكنى، قال: وقد قيل: إنه عبد الله بن عكيم. قلت: فإن كان هو فقد ثبتت صحبته بقوله:
[ ١١٨ ]
_________________
(١) سمعت. وفي إسناده محمد بن أبي ليلى وهي سيئ الحفظ. انتهى كلام الهيثمي. قال كاتبه: لا يثبت سماعه من النبي ﷺ بمثل هذا السند الذي فيه ابن أبي ليلى، والذي عليه الأئمة أبو حاتم، والبخاري، وأبو نعيم، وأبو زرعة، وابن حبان وغيرهم: أنه لم يسمع من النبي ﷺ شيئًا. وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه النسائي في "سننه" كتاب تحريم الدم، باب الحكم في السحرة، من طريق عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه". قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٤/ ٣٢: رواه النسائي من رواية الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع منه عند الجمهور. اهـ. وقال العلامة الحافظ ابن مفلح –رحمه الله تعالى- في "الآداب" ٣/ ٧٨ بعد أن نقل عن الذهبي قوله في "الميزان٢/ ٣٧٨": لا يصح –أي هذا الحديث- للين عبّاد، ولانقطاعه. قال ابن مفلح: كذا قال، ويتوجه أنه حديث حديث حسن. اهـ. قلت: أي بشواهده. ومن شواهد الحديث: ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ١١/ ٢٠٩: أخبرنا معمر عن أبان عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: "من علق علقة وكل إليها". وأخرجه البيهقي في "سننه" ٩/ ٣٥١ من طريق جرير بن حازم قال: سمعت الحسن البصري قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. ومن شواهده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٨/ ١٧: حدثنا وكيع عن شعبة عن قتادة عن واقع بن سحبان قال: قال عبد الله: "من تعلق شيئًا وكل إليه". وأخرجه البيهقي في "السنن" ٩/ ٣٥١ من جهة شعبة عن قتادة عن واقع بن سحبان عن أسير بن جابر قال: قال عبد الله فذكره. وواقع بن سحبان هو أبو عقيل البصري، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" ٨/ ١٨٩ وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٤٩، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
[ ١١٩ ]
بل نهى عن قول الرجل: ما شاء الله وشئت. وقال لمن قال له ذلك: "أجعلتني لله ندًا" ١.
_________________
(١) وذكره ابن حبان في "الثقات" ٥/ ٤٩٨. وقد روى عنه: قتادة بن دعامة السدوسي، وثابت البناني، وحميد الطويل. وروى عن: أبي موسى، وعمران بن حصين، وأسير بن جابر. ولم يذكر من ترجمه أنه روى عن عبد الله بن مسعود، فلعل ما وقع في سند ابن أبي شيبة خطأ من الناسخ، فليحرر. ومن شواهده أيضًا ما رواه ابن حبان في "صحيحه" أخبرنا الفضل بن حباب، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: "أن رسول الله ﷺ رأى في يد رجل حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة. قال: ما تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك، فإنك إن تمت وهي عليك وكلت إليها". وأخرجه أيضًا من جهة أبي عامر الخزاز عن الحسن عن عمران به، وفيه "أيسرّك أن توكل إليها؟ ". قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٥/ ٢٦٨-٢٦٩ بعد أن عزا الحديث لأحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وبَيَّنَ ألفاظهم: رووهم كلهم عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن عمران. ورواه ابن حبان أيضًا بنحوه عن أبي عامر الخزاز عن الحسن عن عمران، وهذه جيدة، إلا أن الحسن اخنلف في سماعه من عمران، وقال ابن المديني وغيره: لم يسمع منه، وقال الحاكم: أكثر مشايخنا على أن الحسن سمع من عمران. والله أعلم. اهـ. وقال ابن مفلح في "الآداب" على هذا الحديث: " ورواه ابن ماجه من حديث وكيع عن المبارك. والمبارك مختلف فيه، وهو مدلس. وقال أحمد: ما روى عن الحسن لا يحتج به. اهـ. ١ أخرجه الإمام أحمد في "المسند" ١/ ٢١٤-٢٢٤-٢٨٣-٣٤٧، وابن ماجه في "السنن" ١/ ٦٨٤، والبخاري في "الأدب المفرد" ٢/ ٢٥٣ –مع شرحه- والنسائي
[ ١٢٠ ]
ومنع من التبرك بالأشجار والأحجار. وقال لأبي واقد الليثي وأصحابه من مسلمة الفتح لما قالوا له: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط: " قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ " ١.
_________________
(١) في "عمل اليوم والليلة" ٥٤٥-٥٤٦، وابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان" ص ٤١٤، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" ص ١٨٠-١٨١، رقم ٦٦٧، والطحاوي في "مشكل الآثار" ١/ ٩٠، والطبراني في "الكبير" ١٢/ ٢٤٤، والبيهقي في "السنن" ٣/ ٢١٧، وفي "الأسماء والصفات" ص ١٨٢، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٩٩، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٨/ ١٠٥، جميعهم من جهة الأجلح بن عبد الله عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس به. قال البوصيري في "الزوائد": وفي إسناده الأجلح بن عبد الله مختلف فيه، ضعفه الإمام أحمد، وأبو حاتم، والنسائي، وأبو داود، وابن سعد. ووثقه ابن معين، ويعقوب بن سفيان، والعجلي. وباقي الإسناد ثقات. اهـ. وقد لخص الحافظ ابن حجر أقوال أهل الجرح والتعديل فيه فقال: "صدوق" كما في التقريب. وكذا قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" ص ١٥. وعلى هذا قال العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني –حفظه الله تعالى- في "السلسلة الصحيحة" ١٣٩: إسناده حسن. ١ أخرجه الإمام أحمد في "المسند" ٥/ ٢١٨، والترمذي في كتاب الفتن من "جامعه" ٤/ ٤٧٥، والنسائي في الكبرى –كما في تحفة الأشراف ١١/ ١١٢، والاقتضاء لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٤٦، والشافعي "بدائع المنن" ٢٣، والطيالسي في "مسنده" ص ١٩١، وعبد الرزاق في "المصنف" ١١/ ٣٦٩، وابن أبي شيبة في "المصنف" ١٥/ ١٠١، والحميدي في "المسند" ٢/ ٣٧٥، وابن أبي عاصم في "السنة" ١/ ٣٧، والمروزي في "السنة" ص ١١-١٢، والطبراني في "الكبير" ٣/ ٢٧٥-٢٧٦، وابن حبان في "صحيحه" –الإحسان- ٨/ ٢٤٨، والبيهقي في
[ ١٢١ ]
ونهى عن الصلاة عند القبور وإن لم يقصدها المصلي. ولعن من فعل ذلك، وأخبر أنهم شرار الخلق عند الله١.
_________________
(١) "دلائل النبوة" ٥/ ١٢٤-١٢٥، وفي "المعرفة" ١/ ١٠٨، وابن إسحاق –كما في سيرة ابن هشام ٤/ ٧٠-٧١ والبداية والنهاية ٤/ ٣٦٢، وابن جرير الطبري في "تفسيره" ٩/ ٤٥-٤٦، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٥٤٤ –حاشية ابن كثير- جميعهم عن سنان بن أبي سنان الدؤلي عن أبي واقد الليثي به. ١ يشير المؤلف –رحمه الله تعالى- إلى عدّة أحاديث، فأما حديث النهي عن الصلاة عند القبور فتقدم. وأما حديث: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". فأخرجه الإمام أحمد ١/ ٢١٨-٦/ ٣٤-٢٢٨-٢٧٥، والبخاري في كتاب الصلاة من "صحيحه" ١/ ٥٣٢ – وفي المغازي ٨/ ١٤٠- وفي الأنبياء ٦/ ٤٩٤ – وفي اللباس ١٠/ ٢٧٧. ومسلم في كتاب المساجد من "صحيحه" ١/ ٣٧٧ جميعهم من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة وابن عباس قالا: الحديث. وأخرجه أحمد ٦/ ٢٧٤ عن عبيد الله عن عائشة به. وأخرجه الإمام أحمد أيضًا ٦/ ٨٠-١٢١-٢٥٥، والبخاري في كتاب الجنائز من "صحيحه" ٣/ ٢٠٠-٢٥٥ كلاهما عن عروة عن عائشة. وأخرجه الإمام أحمد ٦/ ١٤٦-٢٥٢ عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة به. وأخرجه أحمد أيضًا ٢/ ٢٨٤، ٢٨٥، ٣٦٦، ٣٩٦، ٤٣٥، ٤٥٤ ومسلم في "صحيحه" ١/ ٣٧٦ من طريق الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة. وأخرجه الإمام أحمد في "المسند" ٢/ ٢٤٦ عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم ١/ ٣٧٧ عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة. وللحديث طرق وشواهد غير ما ذكر. وأما الحديث الثالث الذي يشير إليه المؤلف، فأخرجه البخاري في "صحيحه" –كتاب الصلاة- ١/ ٥٢٣، ٥٢٤، ٥٣١، وفي كتاب الجنائز، ٣/ ٢٠٨، وفي كتاب مناقب الأنصار ٧/ ١٨٧-١٨٨.
[ ١٢٢ ]
ونهى عن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره١، حسمًا لمادة الشرك، وقطعًا لوسائله، وسدًا لذرائعه، وحماية للتوحيد، وصيانة لجانبه.
فمن المستحيل شرعًا وفطرة وعقلًا؛ أن تأتي هذه الشريعة المطهرة الكاملة بإباحة دعاء الموتى والغائبين، والاستغاثة بهم في المهمات والملمات، كقول النصراني: يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله، أو يا عيسى، أعطني كذا، وافعل بي٢ كذا، وكذلك قول القائل: يا علي، أو يا حسين، أو يا عباس، أو يا عبد القادر، أو يا عيدروس، أو يا بدوي، أو فلان وفلان: أعطني كذا، أو أجرني من كذا، أو أنا في حسبك، أو نحو ذلك من الألفاظ الشركية، التي٣
_________________
(١) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من "صحيحه" كلاهما عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: "أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات، بَنَوْا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". ١ يشير المؤلف –رحمه الله تعالى- إلى ما رواه أبو داود في سننه –كتاب الأيمان والنذور- ٣/ ٦٠٧ من جهة يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، قال حدثني ثابت بن الضحاك، قال: "نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا ببُوانة، فأتى النبي ﷺ فقال: إنى نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال النبي ﷺ: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا. قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ: "أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم". قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٤/ ١٩٨: "بسند صحيح". ٢ في ط: آل ثاني: "لي". ٣ في "أ": "اللتي".
[ ١٢٣ ]
تتضمن١ العدل بالله، والتسوية به تعالى وتقدس، فهذا لا تأتي شريعة ولا رسالة بإباحته قط، بل هو من شُعَب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار، ومقتِ العزيز الغفار.
وقد نص على ذلك مشايخ الإسلام، حتى ذكره ابن حجر في "الإعلام" مقررًا له.
وتأويل الجاهلين، والميل إلى شبه المبطلين، هو الذي أوقع هؤلاء وأسلافهم الماضين، من أهل الكتاب والأميين، في الشرك بالله رب العالمين.
فبعضهم يستدل على شركه بالمعجزات والكرامات.
وبعضهم برؤيا المنامات.
وبعضهم بالقياس على السوالف والعادات.
وبعضهم بقول من يُحَسِّن به الظن.
وكل هذه الأشياء ليست من الشرع في شيء، وعند رهبان النصارى وعباد الصليب والكواكب من هذا الضرب شيء كثير، وبعضهم أحذق من هذا العراقي وأمثاله، الذين لم يفهموا من العبادة سوى السجود، ولم يجدوا في معلومهم سواه، فأين الحب والخضوع، والتوكل والإنابة، والخوف والرجاء، والرغب والرهب، والطاعة والتقوى، ونحو ذلك من أنواع العبادة الباطنة والظاهرة؟ فكل هذا عند العراقي يصرف لغير الله، ولا يكون عبادة، لأن
_________________
(١) ١ في "أ": "تتظمن".
[ ١٢٤ ]
العبادة السجود فقط، بل عبارته تفهم أن السجود لا يحرم إلا على من زعم الاستقلال، وقد رأينا من المشركين، ولم نرَ مثل هذا الرجل في جهله ومجازفته وبلادته.
ولولا ما نقصده من انتفاع من اطلع على هذه الرسالة لم نتعرض لرد شيء من كلامه، لظهور بطلانه.
ويزيد هذا ظهورًا ما جاء في الحديث من قوله: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشًا أو خموشًا في وجهه يوم القيامة" ١. وقوله: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس على
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في "المسند" ١/ ٣٨٨-٤٤١، وأبو داود في "سننه" كتاب الزكاة -٢/ ٢٧٧-٢٧٨، والترمذي في "سننه" كتاب الزكاة -٣/ ٣١-٣٢، والنسائي في "سننه" كتاب الزكاة -٥/ ٩٧، وابن ماجه في "سننه" كتاب الزكاة -١/ ٥٨٩، جميعهم من طريق حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن. وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. اهـ. وقال أبو داود: قال يحيى-أي ابن آدم- فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير. فقال سفيان: فقد حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. اهـ. وقد ذكر هذه المحاورة النسائي وابن ماجه. وزبيد هو ابن الحارث بن عبد الكريم: ثقة ثبت عابد، فالإسناد صحيح من طريقه. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند ٥/ ٢٤٨: فقد ظهر مما روى أبو داود والترمذي عن سفيان أن الحديث صحيح من جهة زبيد اليامي، لم ينفرد به حكيم بن جبير. اهـ.
[ ١٢٥ ]
وجهه مزعة لحم" ١.
وقوله: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أَوْشَكَ ٢ له بالغنى: إما ٣ بموت عاجل، أو غنى عاجل" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب الزكاة –باب من سأل الناس تكثرًا- ٢/ ٥٣٦ ط مصطفى البُغا، ومسلم في "صحيحه" كتاب الزكاة ٣/ ٧٢٠ عن ابن عمر ﵄. ٢ في ط: آل ثاني: "أو شكر". ٣ في النسخ الخطية، والمطبوعة: "أو" والمثبت من مصادر الحديث. ٤ أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣٨٩، ٤٤٢: حدثني وكيع حدثني بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. ووقع في الموضع الأول من المسند: "بشر بن سليمان" وهو خطأ نبه عليه الشيخ أحمد شاكر. وبشير بن سلمان هو أبو إسماعيل الكندي وثقه أحمد وابن معين. وأخرج الحديث الترمذي فقال: عن بشير أبي إسماعيل، عن سيّار، عن طارق بن شهاب إلخ. "السنن ٤/ ٥٦٣". وأخرجه أبو داود فقال: عن بشير بن سلمان عن سيّار أبي حمزة عن طارق إلخ. "السنن ٢/ ٢٩٦". وقوله "عن سيار أبي حمزة" هو الصحيح، وما وقع في "المسند" خطأ نبه عليه غير واحدٍ من العلماء. قال عبد الله بن الإمام أحمد "المسند ١/ ٤٤٢": "حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي حمزة فذكره. قال أبي: وهو الصواب سيار أبو حمزة. قال: وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء". اهـ. قال الحافظ ابن حجر في "التهذيب" في ترجمة سيار أبي الحكم: "وروى أبو داود
[ ١٢٦ ]
_________________
(١) والترمذي حديث بشير بن إسماعيل ثنا سيار أبو الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته الحديث". قال أبو داود عقبه: هو سيار أبو حمزة، ولكن بشيرًا كان يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ. قال أحمد: هو سيار أبو حمزة، وليس قولهم: سيار أبو الحكم بشيء". اهـ. قلت: هكذا قال ابن حجر: والذي في سنن أبي داود المطبوعة –رواية اللؤلؤي- وكذا في "تحفة الأشراف" ٧/ ٦١: "عن سيار أبي حمزة" وليس لأبي داود كلام عقب هذا الحديث في النسخ المطبوعة التي بين يدي. ثم قال الحافظ: "وقال الدارقطني: قول البخاري: سيار أبو الحكم سمع طارق بن شهاب وهمٌ منه، وممن تابعه، والذي يروي عن طارق هو: سيار أبو حمزة، قال ذلك أحمد ويحيى وغيرهما". ثم قال الحافظ أيضًا: " وتبع البخاري في أنه يروي عن طارق مسلمٌ في الكنى، والنسائيُّ، والدولابيُّ، وغير واحد، وهو وهمٌ كما قال الدارقطني". اهـ كلام ابن حجر. وقال في "التقريب" في ترجمة أبي الحكم: وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب. اهـ. وفي ترجمة أبي حمزة منه: "ووقع في الإسناد عن سيار أبي الحكم عن طارق، والصواب: عن سيار أبي حمزة". اهـ. وقال –﵀- أيضًا في ترجمة "سيار أبي حمزة": قد ذكر الخطيب في التلخيص أن الثوري روى عن بشير عن سيار أبي حمزة عن طارق عن ابن مسعود حديثًا، واختلف فيه على سفيان، فقال عبد الرزاق وغيره عنه هكذا. وقال المعافى بن عمران عن سفيان عن بشير عن سيار أبي الحكم اهـ. وقد رجح الشيخ أحمد شاكر في التعليق على المسند ٥/ ٢٥٨ أن سيارًاَ هذا هو أبو الحكم، وعلى هذا صحح الإسناد. فإن أبا الحكم ثقة، وأبا حمزة مجهول. وقال الحاكم بعد إخراجه للحديث: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. وأقره الذهبي في التلخيص.
[ ١٢٧ ]
وقوله: "لا تحل المسألة إلا لثلاثة: الذي غرم مفضع، أو فقر مدقع، أو دم موجع" ١. هذا في سؤال الخلق ما يقدرون عليه من الأسباب الجزئية، فكيف ترى بما لا يقدر عليه إلا الله من الأمور العامة الكلية.
وعلى زعم هذا العراقي لا يكره شيء من ذلك ولا يمنع لمن قصد الصالحين ودعاهم.
وقوله: (على أنها أرباب) يريد به ما مَرَّ من أن دعاءها٢ ومسألتها بطريق السبب والشاعة لا يضر. وقد تقدم رد هذا بما يغني عن إعادته.
وقد عُلِّق على الحكم بالكفر وإباحة الدم والمال بنفس الشرك، وعبادة غير الله، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ . [التوبة:٣٦] . وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في "سننه" كتاب الزكاة –باب ما تجوز فيه المسألة ٢/ ٢٩٢، وابن ماجه في "سنن" كتاب التجارات –باب بيع المزايدة- ٢/ ٧٤٠-٧٤١ كلاهما من طريق الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك الحديث وفيه قصة. وأخرجه الترمذي في أبواب البيوع من "سننه" ٤/ ٢١٤ ط المكتبة الإسلامية-استانبول، والنسائي في البيوع من "سننه" باب البيع فيمن يزيد ٧/ ٢٥٩ كلاهما من طريق الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي عن أنس مختصرًا، ليس فيه موضع الشاهد. قال الترمذي عقبه: حديث حسن. اهـ. ٢ في "أ": "دعائها".
[ ١٢٨ ]
[الأنفال: ٣٩] . والفتنة: الشرك. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ . الآية [المائدة: ٧٢] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . [النساء:٤٨] .
ومن المشتهر عندهم أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعِلِّية. وهذا الأحمق زاد قيدًا فقال: "لا يشرك إلا من قصد واعتقد الاستقلال من دون الله". وفي تلبية المشركين في الجاهلية: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"١.
فهؤلاء لم يدَّعوا الاستقلال. وعلى زعم هذا ليسوا بمشركين.
وقوله: (وهذا نداء لا دعاء) من أدل الأشياء على جهله، وعدم ممارسته لشيء من العلم وإن قَلَّ، فإن النداء هو رفع الصوت بالدعاء، أو الأمر، أو النهي، ويقابله النجا الذي هو المسارَّة وخفض الصوت.
هذا بإجماع أهل اللغة، كما حكاه ابن القيم في "نونيته" وشيخ الإسلام في "تسعينيته" وليس قسيمًا للدعاء كما ظنه الغبي. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ﴾ . الآية [الكهف: ٥٢] . ما فعلوه عين ما أمروا به، وكفى بهذه الآية حجة على إبطال قوله. وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ . [الأنبياء:٨٣] .
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه –كتاب الحج- ٢/ ٨٤٣ عن ابن عباس –﵄- قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. قال: فيقول رسول الله ﷺ: "ويلكم قدِ قدٍ". فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت.
[ ١٢٩ ]
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ﴾ . [الأنبياء:٧٦] . ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ . [الأنبياء:٨٧] . وقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا*إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ . [مريم:٢، ٣] . وسمى هذا النداء دعاءً في كتابه العزيز. قال عن نوح ﵇ ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ . [القمر:١٠] . وقال: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ . [آل عمران:٣٨] .
وفي الحديث: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه" ١.
وفيه أيضًا: "لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا" ٢. يعني الشيطان الذي تفلت عليه ﷺ.
وفيه: "ألا أنبئكم بأول أمري وآخره: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى" ٣.
_________________
(١) ١ تقدم الكلام عليه، ص ٨٣. ٢ أخرج البخاري في صحيحه –كتاب التفسير- ٨/ ٥٤٦ من طريق شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجنّ تفلت عليَّ البارحة –أو كلمة نحوها- ليقطع علىَّ الصلاة، فأمكنني الله منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: "رَبِّ هَبْ لِيْ مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيْ". وأخرجه أيضًا في كتاب أحاديث الأنبياء من صحيحه ٦/ ٤٥٧ من هذا الطريق بهذا اللفظ. وأخرجه أيضًا مسلمٌ والنسائي من طريق شعبة به. وأخرج الحديث مسلمٌ في صحيحه –كتاب المساجد ومواضع الصلاة -١/ ٣٨٥ عن أبي الدرداء ﵁ به وفيه قصة. ٣ قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" ٤/ ٣٨٢ ط مكتبة النهضة: وقال محمد بن
[ ١٣٠ ]
يشير بدعوة سليمان إلى قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ . الآية [ص:٣٥] . وبدعوة إبراهيم إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ . [البقرة:١٢٩] . فسمى هذه المسألة دعوة، والتاء فيها للوحدة.
وقال معاذ –رضي الله تعالى عنه- في الطاعون: "إنه ليس برجز، إنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، ورحمة بكم" يشير إلى قوله: "اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون"١.
فانظر هذه النصوص، وما أفادت من إطلاق اسم الدعاء على المسألة والطلب. وقد تقدم بعض هذا، وكُرِّر تتميمًا للفائدة، وربما جَرَّ شأن شؤونًا.
وأما قول العراقي: (إن الشيخ ذكر هذا على سبيل التغليظ والزجر، وله مائة عبارة تنفي ذلك وتخالفه) فيكفي من هذا العراقي أن يصحح دعواه بعبارة واحدة، ولا نكلفه تصحيح المائة، لأنه أعجز وأقلّ.
_________________
(١) إسحاق حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: "يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قال: "دعوة أبي وبشرى عيسى " الحديث. وهذا إسناد جيد، وروي له شواهد من وجوه أُخَر ثم ساق ابن كثير رحمه الله تعالى شواهده في مسند أحمد فلينظر. ١ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ٣١٢: رواه أحمد ٤/ ٤١٧، والطبراني في "الكبير" ورجال أحمد ثقات. اهـ.
[ ١٣١ ]
وقد تقدم التنبيه على كذبه ومجازفته، وأنه وجد كتبًا وموادّ١ شَتَّت فهمه، وحجبت إدراكه وعلمه، فلم يزدد بها إلا حيرة وشكًاَ وما أحسن ما قيل:
جهد المغفَّل في الزمان مضيَّع وإن ارتضى أستاذَه وزمانَه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا يدري الطريقَ فلا يزالُ مكانَه
وعبارات الشيخ في هذا الباب –أعني: إنكار الشرك، وتكفير أهله، والحكم عليهم بما حكم الله به ورسوله في الدنيا والآخرة- موجود مشهور، لو تتبعناه لعزَّ حصره واستقصاؤه، ولكن نشير ببعضه٢ إلى ما وراءه.
قال ﵀: وما علمتُ عالمًا نازع في أن الاستغاثة بالنبي أو غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله لا تجوز. قال: وعلو درجته ﷺ بعد الموت لا تقتضي أن يسأل، كما لا تقتضي أن يستفتى، ولا يمكن أحدا أن يذكر دليلًا شرعيًا على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع، بل الأدلة على تحريم ذلك كثيرة.
وقال ﵀: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم: كفر إجماعًا.
قال البهوتي في شرحه على هذا الموضع: لأنه فِعْل عبّاد الأصنام القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . [الزمر:٣] .
_________________
(١) ١ في "أ" و"جـ": "موادًا". ٢ في ط آل ثاني: "لبعضه".
[ ١٣٢ ]
وقال –﵀- بعد أن سرد جملة من الآيات: وتفصيل القول: أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ﷾، ومثل أن يطلب شفاء مريض من الآدميين والبهائم، ووفاءَ دَينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، أو ما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه١، وغفران ذنبه، أو دخول الجنة، ونجاته من النار، أو أن يتعلم القرآن، أو٢ العلم، أو أن يصلح قلبه، أو٢ يحسن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك: فهذه الأمور لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقال لملك ولا نبي ولا شيخ سواء كان حيًا أو ميتًا: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشفِ٣ مريضي، ولا عافِ٤ أهلي ودوابي، وما أشبه ذلك. ومن سأل ذلك مخلوقًا كائنًا من كان، فهو مشرك بربه، من المشركين الذين يعبدون الملائكة والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى: المسيحَ وأمَّه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ . الآية [المائدة:١١٦]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيْحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية [التوبة:٣١] .
وقال -﵀-: وكثير من الناس يقع في الشرك والإفك
_________________
(١) ١ ما بعد: "وهداية قلبه" سقط من "جـ" إلى قوله: "ويحسن خلقه". ٢ في "أ": "و". ٣ في "أ": "اشفي". ٤ في "أ": "عافي".
[ ١٣٣ ]
جهلًا وضلالًا من المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع، والله ﷾ قد أرسل جميع رسله، وأنزل جميع كتبه: بأن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك، ولا نبي، ولا صالح، ولا تماثيلهم، ولا قبورهم، ولا شمس، ولا قمر، ولا كوكب، ولا ما صُنع من التماثيل لأجلهم، ولا شيئًا من الأشياء، وبَيَّنَ أن كل ما يعبد من دونه فإنه يضر ولا ينفع، وإن كان ملكًا أو نبيًّا، وأن عبادته كفر.
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ . إلى قوله: ﴿مَحْذُوْرًا﴾ . [الإسراء:٥٦-٥٧] . بَيَّن سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس ما يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا١، وأن هؤلاء المدعوين من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالًا من الجن، فآمنت الجن المعبودون، وبقي عابدوهم يعبدونهم، كما ذكر ذلك ابن مسعود.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ .إلى قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . [سبأ:٢٢-٢٣] . بَيَّنَ سبحانه أن كل ما يدعى من دونه، من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السموات والارض، ولا لهم نصيب فيهما، وليس لله ظهير يعاونه من خلقه.
_________________
(١) ١ في "أ": "كشف الضر ولا تحويله".
[ ١٣٤ ]
وهذه الأقسام الثلاثه هي التي تحصل مع المخلوقين، إما أن يكون لغيره ملك دونه، أو يكون شريكًا له، أو يكون معينًا وظهيرًا له، والرب تعالى ليس من خلقه مالك، ولا شريك، ولا ظهير له١، لم يبق إلا الشفاعة، وهو دعاء الشافع وسؤاله لله في المشفوع له، فقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . [سبأ:٢٣] .
ثم إنه خص بالذكر الملائكة والأنبياء في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ -إلى قوله- بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . [آل عمران:٧٩-٨٠] بين أن اتخاذهم أربابًا كفر.
وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ -إلى قوله - وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [المائدة:١٧] . وقد بين أن من دعا المسيح وغيره، فقد دعا ما لا يملك له ضرًا ولا نفعًا.
وقال لخاتم الرسل: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ . [الأنعام: ٥٠]، وقال: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ . الآية [الأعراف:١٨٨] . وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ . [الجن:٢١] . وقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ*لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . [آل عمران:١٢٧-١٢٨] . وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ . [القصص:٥٦] .
_________________
(١) ١ سقطت: "له" من "أ" و"جـ".
[ ١٣٥ ]
وقال: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ . [النحل:٣٧] انتهى.
وكلامه في هذا المعنى يعزُّ حصره أو يتعذر. وكذلك صاحبه شمس الدين ابن القيم. كلامه في هذا الباب أشهر من أن يذكر، وأكثر من أن يحصر، إلا بكلفة ومشقة، وتقدم قوله في "المدارج".
وقال أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغام، عدلوا عن أوضاع الشرع١ إلى تعظيم أوضاع وضعوها هم لأنفسهم، فسهلت عليهم٢، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر٣ غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل خطاب الموتى بالحوائج، ودَسِّ الرقاع في قبورهم، فيها: يا مولاي، افعل بي كذا وكذا، وتعليق الستور على القبور اقتداءً بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يحضر مشهد الكف٤، أو لم يَعْقِد على قبره، أو قبر أبيه بالآخر، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر وعمر. انتهى.
والمقصود أن النصوص بهذا المعنى كثيرة شهيرة، والعاقل يسير فينظر.
ويكفي المؤمن أن دعاء الموتى والغائبين لا يُعْرَف عن أحد من أهل العلم والإيمان الذين لهم لسن صدق في الأمة، ولم تأتِ به
_________________
(١) ١ في ط: آل ثاني: "الشرك" وهو خطأ فاحش. ٢ في ط: آل ثاني: "غيرهم". ٣ سقطت: "أمر" من ط: آل ثاني. ٤ في ط: آل ثاني: "الكفر".
[ ١٣٦ ]
شريعة من الشرائع، بل المنقول عن جميع الأنبياء يرده ويبطله، فإن الله حكى أدعيتهم وتوجهاتهم، وما قالوه وأمروا به، وندب عباده إلى الاقتداء بهم فقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ . [الأنعام:٩٠] .
وقد أجمع المسلمون على ذم البدع وعيبها. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ . [الشورى:٢١] . وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [الأحقاف:٤] .
وفي حديث العرباض بن سارية: "إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ١.
وهذا الوجه كافٍ٢ في الجواب، للاتفاق على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٨٤. ٢ في "أ" و"جـ": "كافي".
[ ١٣٧ ]