فصل
قال العراقي: "والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . [المائدة:٣٥] .
قلت: يريد العراقي أن الآية أصل في دعاء الصالحين، والتوجه بهم إلى الله وجعلهم وسائط بين العباد وبين الله، ووسائل إليه في قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم.
والجواب: أن هذا القول صدر عن جهل بمسمى الوسيلة شرعًا، فإن الوسيلة في شرع الله الذي شرعه على ألسن جميع رسله، هي عبادته وحده لا شريك له، والإيمان به، وبرسله، والأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، كما في البخاري وغيره من حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في غار، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة من البر والعفة والأمانة١. وكذلك ما شرع من واجب أو مستحب.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . [الإسراء:٥٧] وابتغاؤها بالقيام بما أمر به، وأحبه ورضيه، من الأعمال الصالحة.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه –كتاب الإجارة- باب من استأجر أجيرًا فترك أجره ٤/ ٤٤٩. ومسلم في صحيحه، كلاهما عن ابن عمر ﵄.
[ ١٣٨ ]
وأما دعاء غير الله فليس وسيلة١ شرعية، بل هو وسيلة أهل الشرك والجاهلية، من أعداء الرسل في كل زمان ومكان، والله لا يأمر بالشرك ولا يرضاه ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . [الأعراف:٢٩] .
فكيف يتوسل إليه بالشرك به الذي هو أظلم الظلم، وضد القسط، والذي يمنع من إقامة الوجوه له عند المساجد، وهو –أي الشرك- حقيقة التوسل الذي قصده المشركون. قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ . [الأحقاف:٢٨] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . [الزمر: ٣] فهذا قد يسمى توسلًا، فإن لفظ التوسل صار مشتركًا، فيطلق شرعًا على ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، ويطلق على التوسل بذوات الصالحين ودعائهم واستغفارهم، ويطلق في عرف عباد القبور على التوجه إلى الصالحين ودعائهم مع الله في الحاجات والملمات.
والمراد بالآية هو٢ الأوَّل عند أهل العلم والمفسرين.
وأما التوسل بذوات الأنبياء والصالحين بدون طاعتهم وبدون استغفارهم فهذا لم يشرع٣، ولا أصل له٤، فإن التوسل بالأنبياء
_________________
(١) ١ في "أ" و"جـ": "بوسيلة". ٢ سقطت: "هو" من ط: آل ثاني. ٣ في ط: آل ثاني: "يشرح". ٤ سقط ما بعد قوله "ولا أصل له" من "أ" إلى قوله "وأكبر منه من يدعوهم".
[ ١٣٩ ]
مع معصيتهم ومخالفتهم في الدين والملة، قد دلت آية سورة التحريم على المنع منه، وعدم الانتفاع بالتعلق والقرابة والنسب والتوسل بذلك لمن لم يؤمن بما جاؤوا به من الهدى ودين الحق.١وكذلك في الحديث لما أنزل عليه قوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ . [الشعراء:٢١٤] قال: "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا" ٢.
وأكبر من٣ هذا من يدعوهم، ويستغيث بهم، ويتقرب إليهم بعبادتهم على أنها وسيلة له، وشفعاء، فإن هذا هو عين الشرك الذي ذمه القرآن وعابه، وإن سمي توسلًا.
وأما ما ذكره بعد هذا الكلام من نسبة الذي ينهى عن دعاء غير الله إلى الجهل وعدم الفهم، فهذا يتناول كل من نهى عن دعاء الأنبياء والصالحين، ومعلوم أن الرسل نهت عن دعاء غير الله بما لا يقدر عليه إلا الله، بل وفيما لا تدعو٤ إليه حاجة ولا ضرورة من جنس المسألة، فلازم كلامه مسبة الأنبياء، وأتباعهم إلى يوم القيامة، فنعوذ بالله من حال أهل الجهالة والسفاهة.
_________________
(١) ١ سقط الحديث من "جـ". ٢ البخاري في صحيحه –كتاب التفسير- تفسير سورة الشعراء، باب ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٨/ ٥٠١. ٣ في "أ": "وأكبر منه من يدعوهم". ٤ في "أ" و"جـ": "تدعوا".
[ ١٤٠ ]