الفصل الأول: عصر المؤلف
الحالة السياسية في عصره:
إذا اعتبرنا أن حياة المؤلف قد كانت بين سنتي بضع وسبعين ومائة وألف (١١٧٢ هـ) وبضع وستين ومائتين وألف (١٢٦٢ هـ١) فإن الفترة الواقعة بين هذين التاريخين كانت مليئة بالأحداث السياسية فقد كان الصراع محتدما في المنطقة على الإمارة، وقبائل عسير كغيرها من القبائل في تلك الفترة من الزمن كان يحكمها أمراء ورؤساء القبائل المحليون٢.
فقد كانت عسير تابعة للإدارة المركزية بمكة المكرمة أيام الخلافة الإسلامية. ولما ضعفت الدولة الإسلامية وكان الحكم للأتراك وكثر الخارجون عليهم، كانت تلك القبائل تخضع في الأعم لصاحب النفوذ القوي من حكام الأقاليم المجاورة٣.
ولما ظهرت دعوة التوحيد في الجزيرة العربية على يد المصلح الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقامت بنصرتها الدولة السعودية الأولى فرفعها الله بها وامتدت إلى جهات كثيرة، كانت عسير من تلك الجهات التي دخلت في تلك الدولة.
_________________
(١) توصلت إلى ذلك من خلال دراستي لحياة المؤلف في الفصل الآتي بعد هذا: ص ٤٣ - ٥٤.
(٢) انظر: «في ربوع عسير» لمحمد رفيع: ص ١٧٧.
(٣) انظر: «تاريخ عسير في الماضي والحاضر» لهاشم بن سعيد النعمي: (١/ ١٣١) .
[ ١ / ٢١ ]
وقد كانت البلاد التي تَنْضَمُّ لتلك الدولة - وبالتالي لدعوة التوحيد - تقوم بدورها بدعوة البلاد المجاورة إلى التوحيد - وبالتالي إدخالها في طاعة الدولة السعودية.
ولهذا كانت عسير قاعدة لتوسع الدولة السعودية في جنوب الجزيرة حيث امتدت من خلالها إلى الدرب والشقيق وبيش وصبيا وأبو عريش وما حول تلك البلاد.
بداية دخول عسير في الدولة السعودية الأولى:
ففي عام ١٢٠٥ هـ وصلت أخبار الدعوة السلفية وما يحققه المنتسبون إليها من النصر إلى عسير، فبقي الناس في تشوق لها ومالت نفوسهم وأرواحهم لذلك الخير فهاجر إلى الدرعية اثنان منهم عام ١٢١٣ هـ وهما محمد بن عامر المتحمي وأخوه عبد الوهاب، وأخذا مبادئ تلك الدعوة وعادا لتطبيقها على قومهما فتمكنا بإعانة الدولة السعودية لهما من السلطة والسيادة على قبائل عسير١ فقد أرسل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود معهما سرية لغزو عسير فلم ينتصف عام ١٢١٥ هـ حتى دخل سائر أهل عسير السراة في طاعة الدولة السعودية آنذاك٢.
_________________
(١) انظر: «الظل الممدود» لمحمد بن هادي (والد المؤلف): ص ٢٣، و«نفح العود في الظل الممدود» لمحمد بن أحمد الحفظي (مخطوط): ق ٢، و«في ربوع عسير» لمحمد عمر رفيع: ص ١٧٧.
(٢) انظر: «في ربوع عسير» لمحمد عمر رفيع: ص ١٧٧،و«تاريخ المخلاف السليماني» لمحمد أحمد العقيلي: (٤٣٩) .
[ ١ / ٢٢ ]
إمارة آل المتحمي:
ومن هنا بدأت في عسير إمارة آل المتحمي التابعة للدولة السعودية آنذاك، وكان الأمير الأول محمد بن عامر المتحمي الذي عرف بلقب (أبو نقطة) وقد حكم سنتين، ثم خلفه أخوه عبد الوهاب الذي سار على نهجه في نصر الدعوة وتوسيع رقعة الدولة السعودية١ فقد قام عبد الوهاب بفتح مدينة (أبو عريش) وما حولها بعد قتال كبير مع الشريف حمود وأتباعه وكان ذلك سنة ١٢١٧ هـ٢.
وقد كان المؤلف وأبوه وإخوانه وأسرته ممن يترقبون ويعايشون تلك الحروب قائمين بما يمكنهم القيام به لمناصرة الحق من مشاركة فعلية في تلك الحروب أو القيام بأعمال الدعوة والتدريس.
فقد كان أبو المؤلف (محمد بن عبد الهادي) بصحبة ذلك الجيش فكان مع الأمير في خيمته٣.
وكان المؤلف عبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي قاضيا في تلك السنة٤ فلعله كان قائما بالقضاء محل أبيه فقد عرف أن أباه كان قاضيًا أيضًا٥.
وبهذا الفتح طالب الأشراف بالأمان ودخلوا ضمن الدولة السعودية، فأصبحت أبو عريش وصبيا وما حولهما تابعة للدولة السعودية، والتزم
_________________
(١) انظر: «الظل الممدود» لمحمد بن هادي: (ص ٢٤) .
(٢) انظر: «نفح العود» للبهكلي: ص ١٧٢- ١٧٤.
(٣) انظر: «الظل الممدود» لمحمد بن هادي: ص ٢٤.
(٤) انظر: «تاريخ عسير في الماضي والحاضر» لهاشم بن سعيد النعمي: ص ١٣٣.
(٥) انظر: كتاب «في بلاد عسير» لفؤاد حمزة: ص ١٥٤، ومقدمة «الظل الممدود»: ص ١٠.
[ ١ / ٢٣ ]
الأشراف بقيادة حمود نصر الدعوة، فقاتلوا كثيرًا من البلاد اليمنية وأدخلوها في دولة التوحيد١.
ويستمر الجهاد من أهل تلك البلاد مع الدولة السعودية فيصدر الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أمره إلى عبد الوهاب في شهر ذي الحجة من سنة ١٢١٧هـ٢ أن يتوجه بجيش إلى مكة لملاقاة جيش يقوده سعود ويصل الجيشان إلى مكة ويتم لهما النصر على الشريف غالب، ويعود كل جيش إلى دياره بعد أن يخلف حامية هناك وذلك في أوائل سنة ١٢١٨ هـ٣.
وفي شهر رجب من تلك السنة يصل الخطاب من الإمام عبد العزيز إلى عبد الوهاب بالمسير مرة أخرى إلى مكة، وكذلك وصلت خطابات أخرى لأمراء تهامة لنفس الغرض ليجتمعوا بعبد الوهاب ويسيروا سويًّا ليلتقوا جميعًا في الطائف ويسيروا منها إلى مكة٤ وقد كان بصحبتهم أبو المؤلف (محمد بن عبد الهادي) داعيا وموجها، وكذلك أخوه إسماعيل بن محمد٥.
ولما وصلوا كانت الأمور قد تغيرت فقد مات الإمام عبد العزيز وخلفه ابنه سعود فلم يصل الجيش من هناك، وكذلك فإن شريف مكة قد وصله مدد كبير من اليمن فاكتفى عبد الوهاب بإرسال خطاب للشريف
_________________
(١) «نفح العود» للبهكلي: ص ١٧٣.
(٢) انظر: «الظل الممدود» لمحمد بن هادي: ص ٢٩، و«نفح العود» للبهكلي: ص ١٧٤، ١٧٦.
(٣) انظر: «الظل الممدود» لمحمد بن هادي: ص ٣٠.
(٤) انظر: نفس المصدر السابق: ص ٣٢، و«نفح العود» للبهكلي: ص ٢١١.
(٥) انظر: «الظل الممدود» لمحمد بن هادي: ص ٣٦- ٣٧.
[ ١ / ٢٤ ]
غالب ينذره فيه ويحذره ويدعوه للتسليم بعد أن حصلت بينهما بعض المناوشات١ ثم توجه عبد الوهاب ومن معه إلى الدرعية والتقوا بالإمام سعود وإخوانه وأولاده والمشايخ والعلماء.
وتواعد عبد الوهاب مع سعود أن يكون اللقاء بينهم في هلال رمضان من سنة ١٢١٩ هـ ليقوموا بإيصال الدعوة إلى الأماكن المقدسة في مكة المكرمة ثم رجع عبد الوهاب بمن معه إلى الأوطان٢.
وبدأ بعد عودته الاستعداد للرحلة والموعد الجديد وكان من ذلك الإعداد أن استلحق قبائل بللحمر وباللسمر وأهل العرضية وأهل الساحل والشريف حمود أمير (أبو عريش) والشريف منصور أمير (صبيا)، وعرار أمير (الدرب) ٣.
وكان قد وصل إلى الأميرين منصور صاحب صبيا، وعرار صاحب الدرب كتابان من سعود يأمرهما بالمسير مع عبد الوهاب فجهزا جيشين وأمرا عليهما فلحقا عبد الوهاب في الطريق، وكأن جيش عرار قد تأخر فلم يلحق بعبد الوهاب إلا في أطراف الليث فوبخهم عبد الوهاب على التراخي وعاقبهم بأخذ الخيل والحلقة إذا عادوا بعد القتال٤ ولعل هذا الفعل كان سببا فيما حدث من خلاف وقتال بين عبد الوهاب من جهة وعرار ورجال ألمع من جهة ثانية فيما بعد.
_________________
(١) نفس المصدر السابق: ص ٣٧- ٣٩.
(٢) نفس المصدر السابق: ص ٤٢.
(٣) نفس المصدر السابق: ص ٤٢.
(٤) «نفح العود» للبهكلي: ص ٢١١.
[ ١ / ٢٥ ]
وقد ذكر ابن عبد الهادي أنه لما وصل عبد الوهاب بمن معه إلى السعدية في ست بقين من رمضان، وكتب إلى الشريف غالب أمير مكة ينذره ويحذره ويقيم عليه وعلى قومه الحجة، كان الرد أن قدم غالب عليه بجنود وعساكر من الترك والمغاربة والمصارية وأشراف مكة وهذيل والمجاورين لمكة ممن هم في قبضة غالب، فتقاتل الجيشان وغنم عبد الوهاب ومن معه منهم غنائم كثيرة ثم رجع غالب إلى مكة وقفل عبد الوهاب إلى وطنه بعد هذا النصر١.
وعندما عاد عبد الوهاب حصل الخلاف بينه وبين الأمراء عرار أمير (الدرب) وحمود أمير (أبو عريش) ومنصور أمير (صبيا) ومعهم بعض رجال ألمع. وكان أول هذا الخلاف والقتال بين بعض رجال ألمع وعبد الوهاب بسبب ميلهم لعرار، وأخيرًا ألزمهم عبد الوهاب أن يذعنوا لطاعته، وخطب الفقهاء في الأسواق بحفظ عهد عبد الوهاب والصراحة ببغي عرار وأنه ممن يسعى في الأرض بالفساد٢.
ولابد أن المؤلف قد شهد تلك الحادثة، ولعله من الفقهاء الذين قد عالجوا الأمور والأحداث، فقد كان قاضيًا في البلد وعمله يحتم عليه ذلك. ولما بلغت هذه الأحداث سعودًا أرسل لجنة من ثلاثة رجال لتنظر في الخلاف الدائر بين أمراء الجنوب وتقوم بحله، فأمرتهم بأن يتوجهوا جميعًا إلى الدرعية فسار عبد الوهاب ومنصور وعرار واعتذر حمود،
_________________
(١) «الظل الممدود» لمحمد بن هادي: ص ٤٤- ٤٥، و«عنوان المجد في تاريخ نجد»: (١/ ١٣٤-١٣٥) .
(٢) انظر: «نفح العود» للبهكلي: ص ٢١٣.
[ ١ / ٢٦ ]
وأرسل بدلًا عنه ابنه بصحبة وزيره الحسن بن خالد الحازمي١.
فذهب ذلك الوفد ثم عاد، وقد تبين من خلال المحاكمة بينهم عند سعود أن الحجة قد ظهرت لعبد الوهاب، وانجلت تلك المحاكمة على إطفاء نار المخاصمة، وأوضح سعود للأشراف أن الحجة عليهم قد قامت بالمخالفة ولكنه يعفو ويصفح٢.
وانطلقت وفود جديدة للدعوة والجهاد بقيادة عبد الوهاب إلى نجران في سنة ١٢٢١ هـ، وقد أقام بها نحو شهر وبنى فيها قلعة عظيمة٣.
وفي سنة ١٢٢٢ هـ أمر سعود عبد الوهاب بن عامر بالتقدم على الشريف حمود والاستيلاء على ممالكه بعد أن تواترت إليه أخبار مخالفاته، وأمر أمير قحطان وأمير شهران بالمسير معه وعين بعض رجالاته ليكونوا معه٤.
وبعد ترتيبات وتحريات ومراسلات تم العقد على تقدم عبد الوهاب ابن عامر على حمود، وفي شهر ربيع الثاني من سنة ١٢٢٤ هـ وصلت الأخبار إلى الشريف حمود بأن عبد الوهاب قادم; فجهز جيشا استنفر فيه كل من أطاعه.
وقدم جيش عبد الوهاب في جمادى الآخرة من تلك السنة، ونشبت المعركة فولى أصحاب الشريف الأدبار، ولكن عبد الوهاب قتل في تلك المعركة، وعاد حمود إلى (أبو عريش) وصارت الحرب بينه وبين جيوش عسير سجالًا٥.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢١٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٢٥.
(٣) «نفح العود» للبهكلي: ص ٢٤١.
(٤) نفس المصدر: ص ٢٧٨.
(٥) انظر: نفس المصدر السابق: ص ٢٨٢- ٢٩٣.
[ ١ / ٢٧ ]
وعين طامي بن شعيب أميرًا بدلًا من عبد الوهاب، وجاءت الأوامر من سعود إلى أمير مكة من قبله بأن يتجه إلى اليمن ومعه خمسة آلاف، وأن يمر على طامي ابن شعيب وقومه وعددهم ثلاثة آلاف وينضم إليهم رجال شهران وغيرهم نحو الألف، واتجهوا جميعا إلى اليمن ثم عادوا على الشريف حمود في (أبو عريش) وحصلت بينهم مقتلة هزم فيها حمود وعاد إلى (أبو عريش) .
وفي سنة ١٢٢٦ هـ أجمع أمراء الترك على المسير إلى الحجاز بعددهم وعتادهم بقيادة محمد علي باشا، فوصل بعضهم سنة ١٢٢٧ هـ إلى ينبع، ومنها ساروا إلى القرى والبوادي حتى وصلوا إلى المدينة النبوية، وقد كان بها جيش كبير لسعود يبلغون سبعة آلاف، كان من بينهم عدد كبير من رجال عسير وأهل بيته وأهل الجنوب ونجد، وقد حصرهم الترك وأعملوا فيهم القتل حتى انتشرت بينهم الأمراض والأوبئة والهلاك١.
ومن هنا بدأت الدولة السعودية في حروبها مع جيوش محمد علي باشا، وبدأ الضعف فيها، وبدأ جزرها عن عسير واليمن، ففي سنة ١٢٢٩ هـ توجهت الجيوش التركية إلى عسير واليمن فتجهز لهم طامي بن شعيب ولاقاهم في القنفدة واقتتل معهم وانتصر عليهم٢.
وفي شهر شوال من تلك السنة سار طامي بن شعيب برعاياه من عسير وألمع وغيرهم نحو عشرة آلاف مقاتل إلى أودية زهران حيث قد تجمع
_________________
(١) انظر: «عنوان المجد»: (١/ ١٥٧- ١٦١) .
(٢) المصدر السابق: (١/ ١٧٩) .
[ ١ / ٢٨ ]
نحو عشرين ألفا من الترك والمغاربة فتقاتل الجيشان وانتصر طامي عليهم وغنم منهم الكثير١.
وفي سنة ١٢٣٠ هـ انضم طامي بن شعيب ومن معه من عسير وألمع إلى جيوش فيصل بن سعود لقتال الترك في تربة قرب الطائف وقد تغلب عليهم الترك وتفرق جندهم.
ثم إن الجيوش التركية واصلت سيرها إلى الجنوب فوصلوا بيشة ثم إلى تبالة٢ حتى وصلوا إلى بلاد طامي بن شعيب ورعاياه من عسير وألمع ورفيده، وقد قاومهم طامي بما استطاع ولكنه عجز وهرب أخيرًا إلى شعوف الجبال، وما زال في توجه إلى الجنوب حتى وصل إلى صبيا حيث استدعاه الحسن بن خالد الذي كان وزيرًا لحمود الشريف، ثم سلمه للأتراك الذين كانوا في بحث عنه فبعثوا به إلى محمد علي الذي سيره إلى مصر حيث قتل وصلب فيها٣.
وبهذا دخلت عسير في الحكم التركي، وانكمشت عنها الدولة السعودية فأصبح النفوذ والقوة للأتراك، وبهذا ضعف دور العلماء سيما البكريون٤ الذين كانوا يتولون القضاء والتوجيه في البلاد وإعانة أمرائهم في نشر دعوة التوحيد.
_________________
(١) نفس المصدر: (١/ ١٨٠) .
(٢) تَبَالة بلد يقع إلى جنوب الطائف، وتبعد عن بيشة بما لا يزيد عن ٣٠ كم، وهناك تباله أخرى في بلاد زهران، وذكر أيضًا أن صنم دوس بها، قال ابن بشر في «عنوان المجد»: (١/ ١٨٢)، بأنها البلد التي هدم فيها المسلمون زمن عبد العزيز بن محمد (ذا الخلصة) وهو الصنم الذي كان قد بعث إليه رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه فلما طال الزمان أعادوه.
(٣) انظر: «عنوان المجد»: (١/ ١٨٣) .
(٤) وهي الأسرة التي ينتمي إليها المؤلف كما سيأتي بيانه ص ٤٣.
[ ١ / ٢٩ ]
ولقد كان (المؤلف) وأبوه وإخوانه من أعيانهم الذين كان لهم دورهم في التوجيه والدعوة.
وفي سنة ١٢٣٠ هـ تولى إمارة عسير محمد بن أحمد المتحمي (الرفيدي) وهو من قرابة طامي، وبعد أيام من توليه قضى على قوات محمد علي وتولى الحكم واجتمع على طاعته أهل السراة رغبة ورهبة١.
وفي سنة ١٢٣١ هـ جمع الجيوش لقتال الشريف حمود لما اجتمع في نفسه عليه من إسلام قريبه طامي للأتراك، ولما سبق من خروج صبيا ومخلافها من أيديهم إليه، وكذلك فعل الشريف حمود.
وفي الثامن عشر من شهر رجب من تلك السنة اقتتل الجيشان في درب بني شعبة، وكانت الغلبة للشريف حمود، ورجع كل إلى بلده.
وفي السنة التي تليها سنة ١٢٣٢ هـ هَمَّ كلٌّ بغزو الآخر، وفي تلك السنة جاء الأتراك إلى عسير واستولوا عليها مرة أخرى، واستعادوا الحكم فيها فاختفى محمد ابن أحمد في جبل، ولما ذهبت القوات خرج ونادى بالجهاد ولكنه لم يوفق، فاتفق مع علي بن مجثل أن يطلبا من الشريف حمود أن يتقدم للاستيلاء على عسير فوافق ذلك رغبة عنده ففعل وملكها بعدما لاقى في ذلك ما لاقى٢. وفي سنة ١٢٣٣ هـ والناس يدخلون في طاعة الشريف حمود في جبال السراة ورجال ألمع جاءت الجيوش التركية لتعيد ما كان تابعا لها من قبل
_________________
(١) انظر: «تتمة نفح العود» لعاكش: ص ٣٣٠ مع «النفح»، و«تاريخ المخلاف السليماني» لمحمد بن أحمد العقيلي: (١/ ٥٣٠) .
(٢) انظر: «تتمة نفح العود مع النفح»: ص ٣٣٤- ٣٣٥، و«تاريخ المخلاف السليماني»: (١/ ٤٧٤-٤٧٥، ٥٣٠-٥٣١) .
[ ١ / ٣٠ ]
ولتدفع من أراد تملكها، فعبأ الشريف جنوده ولاقاهم وانتصر عليهم١.
وتم للقوات التركية القبض على محمد بن أحمد وأسروه ثم قتلوه٢.
وبعد سنة ١٢٣٣ هـ توالت الحملات التركية بالتعاون مع أمير مكة محمد بن عون على بلاد عسير ودفعهم سعيد بن مسلط الذي نصب نفسه أميرًا على عسير إثر انتصارات أحرزها ضدهم واستمرت تلك الحملات حتى توفي سعيد بن مسلط سنة ١٢٤٢ هـ٣. ثم تولى الإمارة بعده ابن عمه علي بن مجثل الذي كان متشبعًا بالدعوة الإصلاحية السلفية فأخذ بالعمل في إمارته على غرار آل سعود من التقدير لرجال العلم وقد خص علماء الحفاظية بالمكان الأول في إمارته.
ومن هنا فإن المؤلف، وهو من الحفاظية كما سيأتي بيانه٤ إن كان قد أدركته إمارة ابن المجثل فإنه سينال اهتمامًا وسيجد حرية في نشر العلم والدعوة.
وقد استمرت إمارة علي بن مجثل من سنة ١٢٤٣ هـ إلى سنة ١٢٤٩ هـ امتدت إمارته خلال تلك السنوات إلى الجنوب حتى ضمت إليها صبيا وأجزاء من اليمن.
وقد ساعد علي بن مجثل في قيام إمارته وقوتها انشغال محمد علي باشا بحروبه في نجد وسوريا، واختلاف أمراء مكة على السلطة٥.
_________________
(١) المصدر السابق «تتمة النفح»: ص ٣٣٨- ٣٣٩، و«تاريخ المخلاف»: (١/ ٤٧٦) .
(٢) «تاريخ المخلاف السليماني» للعقيلي: (١/ ٥٣٢) .
(٣) المصدر السابق: (١/ ٥٣٢- ٥٣٥) .
(٤) انظر: ص ٤٤.
(٥) انظر: «تاريخ المخلاف السليماني» للعقيلي: (١/ ٥٣٧- ٥٤١) .
[ ١ / ٣١ ]
ولما قاربت وفاة علي بن مجثل عهد إلى الأمير عائض بن مرعي المغيدي فحكم عسير من سنة ١٢٥٠ هـ إلى سنة ١٢٧٣ هـ.
وقد تقدمت في أثناء إمارته جحافل تركية للاستيلاء على عسير إلا أنها صدت من قبل قبائل عسير التي اتحدت والتفت حول أميرها، إضافة إلى ما حصل من اختلاف بين قواد الأتراك وأمراء مكة.
وقد كان ذلك الخلاف سببًا من الأسباب التي هيأها الله لتقوية حكم عائض فتفرغ لشئون إمارته والإصلاحات المحلية، وخصوصًا التشجيع على التفقه في الدين والذي كان للحفاظية الذين ربما كان (المؤلف) من بينهم - دور كبير فيه١.
_________________
(١) انظر: نفس المصدر السابق: (١/ ٥٤١-٥٤٤) .
[ ١ / ٣٢ ]
الحالة الدينية والعلمية في عصره:
لقد كان للحركة العلمية والدينية في عصر المؤلف ارتباط وثيق به وبأسرته فقد قام البكريون أو الحفاظية١ بنشاط كبير في نصرة الدعوة السلفية، سواء كان ذلك بتآليفهم أو خطبهم أو مشاركتهم في حملات الدعوة التي كان يقوم بها الأمراء الذين نصروا الدعوة السلفية هناك في أول ظهورها٢، وأصبحت بذلك مدينة رجال ألمع مركزًا فكريًّا مهمًّا يَضُمُّ عددًا من المفسرين والمحدثين والمؤلفين والدعاة والشعراء والكتاب٣.
وقد كان من البكريين أو الحفاظية - الدعاة والوعاظ والقضاة - فأصبحوا مع أمرائهم محال الشيخ مع أمراء آل سعود٤.
وقد كان من أشهر العلماء القائمين بتلك النهضة العلمية والدينية أحمد بن عبد القادر الحفظي، ومحمد بن أحمد الحفظي وإبراهيم بن أحمد الزمزمي ومحمد بن عبد الهادي (أبو المؤلف) وعبد الهادي بن محمد (المؤلف) وإسماعيل بن محمد (أخو المؤلف) وإسماعيل بن إبراهيم الزمزمي وعبد القادر بن أحمد الحفظي٥.
فقد خالطت قلوب هؤلاء العلماء بشاشة التوحيد فناصروا دعاتها بأشعار الحماسة والأقوال في الرسائل وغيرها، ومن أجل هذا فقد كان لهم ولمن استفاد منهم أثر كبير في تعليم الناس وتوجيههم.
_________________
(١) سيأتي بيان معنى التسميتين: ص ٤٤.
(٢) انظر مزيدا من ذلك في الناحية السياسية: ص ٢١- ٣٢.
(٣) انظر: «نفحات من عسير»: ص ١٨.
(٤) انظر: «في ربوع عسير»: ص ٢١٦.
(٥) انظر: «نفح العود» للبهكلي: ص ١٦٧.
[ ١ / ٣٣ ]
ومن أهم الدعائم التي كانت سببًا في زوال الجهل وانقياد الناس للخير وتعظيم العلم والعلماء ما كان يتمتع به أولئك العلماء مع أمرائهم من الاتفاق على كلمة واحدة في نصر الدين ورفع راية التوحيد، فقد كانوا يصحبون الأمراء في غزواتهم وجهادهم المستمر من أجل الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر١.
ولقد كان لمسجد بلدة رجال ألمع التي تربى هؤلاء العلماء والمشايخ فيها أثر كبير في ثقافتهم، فقد كان منبرًا من منابر العلم يشع نوره في جميع أرجاء منطقة عسير.
ثم زاد ذلك النور عندما قام الشيخ محمد بن أحمد الحفظي وصنوه إبراهيم بتأسيس مدرستين لطلبة العلم، فأصبحت تلك البلاد منارًا للعلم يقصد، ومنهلًا من مناهل المعرفة يورد، تضرب إليها أكباد الإبل، وتستقبل طلاب العلم من مختلف الجهات، فيعودون إلى أوطانهم يحملون العلم والنور٢.
وقد كان من مظاهر الحركة الدينية والعلمية في تلك الفترة من الزمن المؤلفات التي ألفت لتوعية الناس ونقلهم من الظلمة والجهل والشركيات إلى التوحيد والاستنارة بدعوته.
_________________
(١) انظر: «عسير في ظلال الدولة السعودية الأولى» للدكتور/ أبو داهش: ص ٤٠.
(٢) انظر: «نفحات من عسير» جمع محمد زين العابدين الحفظي: ص ١٩.
[ ١ / ٣٤ ]
ومن أمثلة تلك المؤلفات:
١- كتاب "الظل الممدود في الوقائع الحاصلة في عهد ملوك آل سعود الأولين" وهو لوالد المؤلف محمد بن هادي، وقد أوضح خلال ذكره لتلك الوقائع ما كان يتمتع به أصحاب تلك الدعوة من قوة في التمسك بالتوحيد، وما كانت عليه أكثر البلاد في تلك المناطق من ترك للتوحيد وتعلق بغير الله تعالى، وما كان يقوم به هو وأمثاله من العلماء في الغزوات من إقامة الحجة للمدعوين قبل حربهم.
٢- كتاب "نفخ العود في الظل الممدود" لمحمد بن أحمد الحفظي وقد احتوى تقريبًا على بعض ما احتوى عليه سابقه، وفيه مفاهيم الدعوة إلى التوحيد ما في الكتاب الأول وهو لا يزال مخطوطًا١.
٣- ومنها كتاب "اللجام المكين والزمام المتين" لمحمد بن أحمد الحفظي أيضًا، وهو مطبوع وقد ذكر فيه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان من المجددين وذكر فيه أنهم - يعني: الحفاظية - لدعوته من المحبين ولفتاويه من المطيعين٢.
ومما يحتوي عليه هذا الكتاب التناصح مع الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود، والطلب منه ومن المشايخ أن يبينوا للدعاة الحاملين لراية الأمير الأخطاء التي يقعون فيها والتي كانت سببًا في وصف دعوة الشيخ بغير ما كانت تتصف به٣
_________________
(١) وقد بلغني بأن الدكتور/ محمد بن عبد الله آل زلفة، في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود يحققه.
(٢) انظر ذلك الكتاب: ص ٣٨، ٣٩، ٤٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٨- ٥٨.
[ ١ / ٣٥ ]
٤- كتاب "تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد" وهو الكتاب الذي بين أيدينا لمؤلفه عبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي، وسيأتي التعريف به في الباب الثاني من هذه الدراسة١.
٥- وهناك مؤلفات ورسائل وشروحات وقصائد كلها أسهمت في تكوين حركة علمية ودينية عمت بلاد عسير واستفاد منها خلق كثير. كما أن من المظاهر الدالة على شهود المنطقة حالة دينية وعلمية في تلك الفترة من الزمن ما يحصل من مراسلات بين أهل العلم والأمراء في تلك البلاد وبين العلماء والأمراء في الدرعية من أمثلة ذلك:
١- رسالة وجهت من الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى محمد بن أحمد الحفظي جوابًا عن أسئلة تتعلق بالبناء على القبور، وعن الحدود، وعمن صدر منه كفر من غير قصد منه٢.
٢- رسالة من الشيخ عبد الله أيضا إلى الأمير عبد الوهاب أبو نقطة أجابه فيها على أسئلة عمن قال: يعلم الله كذا وهو كاذب، وعن قول القائل: من صلى على النبي عشرًا صلى الله بها عليه مائة، ومن صلى مائة صلى الله عليه بها ألفًا، وعن التلفظ بالنية٣.
_________________
(١) انظر: ص ٤٣-٤٥.
(٢) انظر: «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية»: (١/ ٢٤٥- ٢٤٨) .
(٣) المصدر السابق: (١/ ٣١٠- ٣١١) .
[ ١ / ٣٦ ]
دور الحفاظية في إقامة دولة التوحيد في بلادهم:
لقد كان لعلماء الحفاظية دورٌ كبيرٌ في قيام ذلك النظام السياسي والديني في أرجاء عسير في تلك الفترة من الزمن بسبب توليهم لأهم المناصب في ذلك الوقت من قضاء وإرشاد وفتوى، ولم يكونوا ليحصلوا على هذه الدرجة لولا إيمانهم بمبادئ الدعوة إلى التوحيد وتعمقها في نفوسهم فنصروها وأيدوها بكل ما أوتوا من قوة في العبارة وجهاد بالنفس والمال، ومن الأمثلة الحية الدالة على شغف قلوبهم بدعوة التوحيد والقائمين عليها تلك الخطبة التي ألقاها الشيخ محمد بن هادي (أبو المؤلف) لما بلغته وفاة الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود١.
وفي هذه الخطبة تظهر المحبة البالغة التي كان يكنها العلماء الحفاظية لدعوة التوحيد وعلمائها وأمرائها ومن تلك الخطبة قوله: (ألا وإن إمام زماننا ومحيي موات ديننا الذي جمع شمل الأمة على كلمة التوحيد وشيد حصن لا إله إلا الله على أرسخ أساس، وأرفع تشييد، وجدد دين الله بعد اندراسه وبين حق الله على العبيد، من نفى بأسياف عزمه الشرك والطواغيت والجحود، الداعي إلى الله المجدد لدين الله عبد العزيز بن محمد بن سعود قد قتل شهيدًا ولقي ربه حميدًا) .
ومن الأمثلة الدالة على منافحتهم عن دعوة التوحيد وبيانها للناس تلك القصيدة٢ التي أرسلها الشيخ محمد بن أحمد الحفظي إلى حاكم المخلاف السليماني الشريف علي بن حيدر وقاضيه عبد الرحمن البهكلي
_________________
(١) انظر: كتاب «الظل الممدود»: ص ٣٣.
(٢) انظر: «نفحات من عسير»: ص ٥٨، و«المخلاف السليماني» للبهكلي (مخطوط): ق٢.
[ ١ / ٣٧ ]
وعلماء تلك المنطقة، التي يدعو فيها إلى قبول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويدفع عنها ما علق في أذهانهم عنها حيث يقول في مطلعها:
هام الشجا وهاج شوق الممتلى وبدت صبابات الغرام الأول
ثم يقول في أبيات منها:
واستشهد الأيام وانظر شأنها وارمق عواقب حالها المتحول
والحق أولى أن يجاب وإنما لم أدر ما حيلولة المتحيل
إن كان ظنًّا أن ذاك مخالف فهو البريء من الخلاف المبطل
بل قام يدعو الناس بالتوحيد والتجريد والتفريد للرب العلي
ويذب عن شرع النبي محمد ويذم من يدع النبي أو الولي
أو كان ظنًّا أن فيه غلاظة وفضاضة وشكاية لم تحمل
فأقول حاشا إن فيه ليونة وبشاشة للمقبل المستقبل
لا يطلب الأموال من خزانها أو يقتل الأبطال إن لم تبطل
بل قصده التوحيد في أفعالنا ثم اتباعًا للنبي المرسل
ومن الأدلة على ارتباط تلك الأسرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وعلمائها وأمرائها تلك الرسائل المتبادلة بين الطرفين التي يظهر منها عبارات التقدير والاحترام والتواصي بالخير وعرض كل طرف على الآخر ما فيه مصلحة الدعوة وتقدمها وتلافي ما يؤدي إلى إضعاف تقدمها.
[ ١ / ٣٨ ]
ومن تلك الرسائل:
١- رسالة وجهت من حسين وعبد الله ابني الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى محمد ابن أحمد الحفظي.
ومما قالا فيها: ( وقد وصل إلينا كتابك وفهمنا ما حواه من حسن خطابك، وتذكر أنك على هذا الدين الذي نحن عليه من إخلاص الدين لله تعالى، وترك عبادة ما سواه وأنك لا ترضى بالإشراك والتخلف عن التوحيد ولو قدر فواق، فالحمد لله الذي مَنَّ علينا وعليك، وهذا هو أفرض الفرائض على جميع الخلق ) . ومما أوصياه به قولهما له: "والذي نوصيك به ونحضك عليه التفقه في التوحيد ومطالعة مؤلفات شيخنا - رحمه الله تعالى - فإنها تبين لك حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ وحقيقة الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله".
ومما حذراه منه قولهما: (فإياك أن تغتر بما أحدثه المتأخرون وابتدعوه كابن حجر الهيتمي وأشباهه، واعتمد في هذا الأصل على كتاب الله الذي أنزله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وعلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا تغتر بما حدث بعدهم من البدع المضلة في أصول الدين وفروعه) ١.
٢- ومنها رسالة من عبد العزيز بن محمد إلى الشيخ محمد بن أحمد الحفظي وفيها يشرح له معاملتهم للناس حيث قال: (فإذا جاءنا من
_________________
(١) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية»: (٥/ ٤/ ٥٤٢-٥٤٥) .
[ ١ / ٣٩ ]
يقول أنا أريد أن أبايعكم على دين الله ورسوله وافقناه وبايعناه وبينا له الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ ونأمره بذلك ونحضه على القيام به في بلده ودعوة الناس إليه وجهاد من خالفه، فإذا خالف ذلك وغدر فالله حسيبه ) .
وقال فيها أيضًا: (وأما الجيوش والأجناد الذين نجهزهم من الوادي وأتباعهم فنأمرهم بقتال كل من بلغته الدعوة وأبى عن الدخول في الإسلام والانقياد لتوحيد الله وأوامره وفرائضه ) ١.
٣- ومنها رسالة من الأمير عبد الله بن سعود إلى والد (المؤلف) محمد بن عبد الهادي وأولاده الذين كان من أشهرهم المؤلف قال فيها: من عبد الله بن سعود إلى الأخ محمد بن عبد الهادي وأولاده سلمهم الله تعالى:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
وصل الخط وصلكم الله إلى رضوانه وما ذكرتم من نصر الله للإسلام وأهله فإنه المحمود على ذلك ووعد الله يتم ثم طلب الأمير من الشيخ أن يلازم عبد الوهاب الأمير هناك ويناصره إذ قال: (ويذكر لنا أن ديرتكم متشطره٢ عن عبد الوهاب والذي مثل عبد الوهاب يشره٣ عليكم بالملازمة والمعاضدة في أمور دينه ودنياه ثم قال: فنحن نلزم عليكم ونعزم أنكم تنتقلون
_________________
(١) انظر هذه الرسالة في كتاب «عسير خلال القرنين»: ص ٤١، وقد أحالها مؤلفه إلى دار الوثائق القومية بالقلعة في القاهرة.
(٢) متشطره، يعني: بعيده.
(٣) يشره، يعني: يؤاخذكم.
[ ١ / ٤٠ ]
يم١ عبد الوهاب وواجبكم نقوم به إن شاء الله والمأمول فيكم الامتثال ساعة يجيكم الكتاب وأنتم بحفظ الله وأمانه والسلام) ٢.
وهناك رسائل كثيرة في "مجموعة الرسائل" وفي كتاب "أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" وكتاب "عسير خلال قرنين" كلها تدل على الصلة القوية بين أسرة (المؤلف) البكريين أو (الحفظيين) مع علماء الدعوة إلى التوحيد في الدرعية.
ولم يقتصر دورهم في نصر الدعوة على الإسهام بالخطبة والكتاب والدروس بل تعدى ذلك إلى المشاركة بالنفس: فإن أبا المؤلف محمد بن عبد الهادي كان قد صحب أحد الجيوش بنفسه وهو شيخ كبير كما يدل عليه قوله في تاريخه "الظل الممدود" (ثم حصل للفقير إلى الله تعالى العزم على السفر للمعاونة في الجهاد وإن كان الحال يقصر والعذر واسع والعجز ظاهر) ٣.
وكذلك محمد بن أحمد الحفظي كان يشارك في حضور الغزوات استجابة لدعوة الحق والهدى ويرسل إلى العلماء الكتب والقصائد ليقنعوا من وراءهم بقبول الدعوة كما حصل مع حكام المخلاف السليماني٤.
_________________
(١) «يم»، بمعنى: نحو، أو إلى. وأصلها من يمم بمعنى اتجه، يقال: يمم وجهه نحوه: اتجه إليه.
(٢) انظر هذه الرسالة خلف هذه الورقة، وفي كتاب «الظل الممدود»: ص ١٧.
(٣) «الظل الممدود»: ص ٣٥.
(٤) انظر: «نفح العود» (مخطوط): ق ٤، و«المخلاف السليماني» لعاكش (مخطوط): ق ١٤، و«نفحات من عسير»: ص ٤٤، ٥٨.
[ ١ / ٤١ ]
الضيف يمر بك فتكرمه وتحسن١ إليه. وعن أبي٢ شريح٣ خويلد بن عمرو العدوي﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "م ن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه "٤ أخرجاه٥.
_________________
(١) «تفسير الطبري»: (٤/ ٥/ ٨٣)، و«تفسير البغوي»: (١/ ٤٢٥)، و«تفسير ابن الجوزي»: (١/ ١٧٩)، وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ في ابن السبيل ثلاثة أقوال:
(٢) الضيف: قاله سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل والفراء وابن قتيبة والزجاج.
(٣) المسافر: الذي يمر بك، قاله الربيع بن أنس ومجاهد وقتادة.
(٤) الذي يريد سفرًا ولا يجد نفقه، ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي. وقال ابن الجوزي: روي عن الإمام أحمد أنه قال: هو المنقطع به يريد بلدًا آخر، وهذا اختيار ابن جرير وأبي سليمان الدمشقي والقاضي أبي يعلى. قال: ويحققه أن السبيل الطريق، وابنه صاحبه الضارب فيه.
(٥) في «ر»: (ابن أبي شريح)، وهو خطأ من الناسخ.
(٦) في «الأصل»: (أبي شريح ابن خويلد)، وهو خطأ، وهو: خويلد بن عمرو بن صخر ابن عبد العزى أبو شريح الخزاعي صحابي جليل، كان من عقلاء الرجال، روى عن النبي ﷺ قوله: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة. . .» الحديث، توفي -﵁- سنة ٦٨ هـ. انظر ترجمته في: «الإصابة «: (١١/ ١٩٢)، «أسد الغابة»: (١/ ٦٢٩)، «الطبقات» لابن سعد: (٥/ ٤٦٠) .
(٧) البخاري: الأدب (٦٠١٩)، ومسلم: اللقطة (٤٨)، والترمذي: البر والصلة (١٩٦٧)، وأبو داود: الأطعمة (٣٧٤٨)، وأحمد (٦/٣٨٥)، ومالك: الجامع (١٧٢٨) .
(٨) [١٧ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٠/ ٤٤٥، ح ٦٠١٩)، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. و«صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٢ ١/ ٢٧٣، ح ٤٨)، كتاب اللقطة، باب الضيافة ونحوها. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
[ ١ / ٤١ ]
الجائزة: العطية، أي: يقري الضيف ثلاثة أيام ثم يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل١ وقيل: هو أن يكرم الضيف ثلاثة أيام٢ فإذا سافر أعطاه ما يكفيه يوما وليلة حتى يصل إلى موضع آخر٣.
العاشر: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: المماليك، فأحسنوا إليهم والإحسان إليهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقون، ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، وأن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه بقدر الكفاية. وعن علي بن أبي طالب﵁- قال: " كان آخر كلام النبي ﷺ الصلاة، الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم "٤ أخرجاه٥.
_________________
(١) المنهل: المشرب ثم كثر ذلك حتى سميت منازل السفار على المياه مناهل، فيطلق المنهل على المشرب والشرب، والموضع الذي فيه المشرب والمنزل يكون بالمفازة. انظر: «لسان العرب»: (١١/ ٦٨١)، مادة: «نهل»، و(القاموس المحيط): (ص ١٣٧٧)، مادة: «نهل» .
(٢) قوله: (ثم يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل، وقيل: هو أن يكرم الضيف ثلاثة أيام) سقط «ش» .
(٣) انظر: (فتح الباري): (١٠/ ٥٣٣)، و«النهاية في غريب الحديث»: (١/ ٣١٤) .
(٤) في «ر»: (اتقوا الله وما ملكت أيمانكم) .
(٥) [١٨] لم أجد بعد البحث أن البخاري أو مسلمًا قد أخرجا هذا الحديث في صحيحيهما، ولعل الشيخ نظر إلى قول الحاكم بعد هذا الحديث المروي عن أنس وهو قوله: (قد اتفقا على إخراج هذا الحديث)، فحكم به، إلا أن هذا القول قد تعقبه الذهبي بقوله للحاكم: (فلماذا أوردته؟) . انظر: «المستدرك»: (٣/ ٥٧) . وإنما رواه البخاري في «الأدب المفرد»: (ص ٦٨- ٦٩، ح ٥٨ ١)، والحديث في «سنن أبي داود»: (٥/ ٣٥٩، ح ٥١٥٦)، كتاب الأدب، باب في حق المملوك، وفي «سنن ابن ماجه»: (٢/٩٠١، ح٢٦٩٨)، كتاب الوصايا، باب هل أوصى رسول الله ﷺ. والحديث صححه ابن حبان: «الإحسان»: (٨/٢٠٥، ح٦٥٧١)، وصححه الحاكم في «المستدرك»: (٣/٥٧) . وصححه الألباني. انظر: «صحيح سنن أبي داود»: (٣/٩٦٩، ح٤٢٩٥)، و«صحيح سنن ابن ماجه»: (٢/١٠٩-١١٠، ح٢٨٤)، «إرواء الغليل «: (٧/٢٣٧، ح٢١٧٨) . انظر تفصيل التخريج في الملحق.
[ ١ / ٤٢ ]
عن المعرور بن سويد١ ﵁ قال: " رأيت أبا ذر﵁- وعليه حلة، وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله ﷺ فعيره بأمه فأتى الرجل إلى النبي ﷺ فذكر ذلك، فقال له النبي ﷺ إنك امرؤ فيك جاهلية [قال] ٢ ساعتي هذه من كبر السن قال: نعم هم إخوانكم وخولكم٣ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم " أخرجاه٤.
_________________
(١) هو: معرور بن سويد- أبو أمية- الأسدي الكوفي، تابعي عاش ١٢٠ سنة، أدرك بعض الصحابة، وقد روى عن عمر وأبي ذر وابن مسعود، توفي سنة بضع وثمانين هجرية. انظر ترجمته في: «السير» للذهبي: (٤/ ١٧٤)، «الطبقات» لابن سعد: (٦/ ١١٨)، «تذكرة الحفاظ»: (١/ ٦٧)، «تهذيب التهذيب»: (١٥/ ٢٣٠) .
(٢) في «الأصل»: (قلت)، وفي بقية النسخ: (قال) .
(٣) الخول: جمع خولي، وهو الراعي الحسن القيام على المال والغنم، كعربي وعرب. انظر: «لسان العرب»: (١١/ ٢٢٥) .
(٤) [١٩ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١/ ٨٤، ح ٣٠)، كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية. «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١٤٣/١١- ١٤٤، ح ٣٩، ٤٠/ ١٦٦١)، كتاب الإيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس. جاءت الرو، الآية في «صحيح مسلم» قال: قلت: على حال ساعتي من الكبر، قال: نعم. وفي رو، الآية أبي معاوية: نعم على حال سعتك من الكبر. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
[ ١ / ٤٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ١ المختال٢ المتكبر العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق الناس، والفخور هو الذي يفخر على الناس، ويتطاول عليهم، ختم الله هذه الآية الكريمة٣ بهذين الوصفين المذمومين; لأن المختال والفخور يأنف من أقاربه الفقراء ومن جيرانه الضعفاء، فلا يحسن إليهم، ولا يلوي بنظره عليهم، ولأن المختال هو المتكبر، ومن كان متكبرًا فلا يقوم بحقوق الناس.
عن ابن عمر - ﵄- أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء "٤.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينظر الله
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٣٦.
(٢) كلمة: (المختال) سقطت من «ر» .
(٣) قوله: (ختم الله هذه ال، الآية الكريمة) بيض له في «ر» .
(٤) [٢٠ ح] هو بهذا اللفظ في «سنن الترمذي»: (٤/ ٢٢٣، ح ١٧٣٠)، كتاب اللباس، باب ما جاء في كراهية جر الثوب. وأخرجه البخاري في «صحيحه»، انظر: «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٠/ ٢٥٨، ح ٥٧٩١)، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه خيلاء. وأخرجه مسلم في «صحيحه» - أيضا-، انظر: «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١٤/ ٣٠٤، ح ٤٢/ ٢٠٨٥)، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب. انظر التفصيل في الملحق.
[ ١ / ٤٤ ]
يوم القيامة إلى من جر إزاره خيلاء "١٢.
وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل شعره، يختال في مشيته، إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة "٣.
وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الفخر والخيلاء في الفدادين من أهل/ الوبر، والسكينة في أهل الغنم "٤ الفدادون: الحراثون وأصحاب الإبل والبقر، المتكبرون على الناس بها٥.
_________________
(١) في «ر»، و«ش»: (من جر إزاره بطرا)، وفي «ع» سقطت رو، الآية أبي هريرة هذه.
(٢) [٢١ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٠/ ٢٥٧، ح ٥٧٨٨)، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء. «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١٤/ ٣٠٤، ح ٤٨/ ٢٠٨٧)، كتاب اللباس، باب تحريم جر الثوب خيلاء.
(٣) [٢٢ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٠/ ٢٥٨، ح ٥٧٨٩)، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه خيلاء. «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١٤/ ٣٠٨، ح ٤٩/ ٢٠٨٨)، كتاب اللباس، باب تحريم التبختر في المشي. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٤) [٢٣ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (٦/ ٣٥٠، ح ٣٣٠١)، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال. «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٢/ ٣٩١، ح ٨٥/ ٥٢)، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٥) انظر التوسع في بيان معنى الفدادين في: «لسان العرب»: (٣/ ٣٣٠)، مادة: «فدد» .
[ ١ / ٤٥ ]
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت رديف النبي ﷺ على حمار
_________________
(١) ﴿عن معاذ بن جبل١﴾ الأنصاري ﵁ قال: " كنت رديف النبي ﷺ على حمار "٢ وفي رواية: "ردف"، الردف والرديف: الراكب خلف الراكب، قال النبي ﷺ " صاحب الدابة أحق بصدرها "٣ وقد أفرد ابن منده٤ أسماء من أردفه النبي ﷺ خلفه فبلغوا ثلاثين
(٢) هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي - أبو عبد الرحمن - صحابي جليل كان فقيهًا مقرئًا، بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن داعيًا ومعلمًا، توفي سنة ١٨هـ. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (٤/ ٤١٨-٤٢١)، «الإصابة»: (٩/ ٢١٩) .
(٣) البخاري: الجهاد والسير (٢٨٥٦)، ومسلم: الإيمان (٣٠)، وأبو داود: الجهاد (٢٥٥٩)، وأحمد (٥/٢٣٦) .
(٤) [٢٤ ح] «سنن أبي داود»: (٣/ ٦٢، ح ٢٥٧٢)، كتاب الجهاد، باب رب الدابة أحق بصدرها. «سنن الترمذي»: (٥/ ٩٩، ح ٢٧٧٣)، كتاب الأدب، باب ما جاء أن الرجل أحق بصدر دابته. والحديث ذكره البخاري تعليقا. انظر: «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٠/ ٣٩٦)، كتاب اللباس، باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه. والحديث مروي عن بريدة -﵁-. والحديث: قال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٢/ ١١٤٦، ح ٣٩١٨)، كتاب الجهاد: إسناده صحيح، وفي «صحيح أبي داود»: (٢/ ٤٨٩، ح ٢٢٤٢)، قال: حسن صحيح. انظر التفصيل في تخريجه في الملحق.
(٥) هو: محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده الأصبهاني -أبو عبد الله- إمام حافظ، نقل الذهبي عن أبي نعيم أنه قال عن ابن منده: أنه تخبط في أماليه، ونسب إلى جماعة أقوالًا في المعتقدات لم يعرفوا بها، وعن ابن منده أنه حط على أبي نعيم من أجل العقيدة، وقد قال الذهبي عنهما: (لا يعبأ بقولك في خصمك للعداوة المشهورة بينكما كما لا يعبأ بقوله فيك) . قال: وكل منهما صدوق غير متهم في الحديث بحمد الله. انظر ترجمته في: «تذكرة الحفاظ»: (٣/ ١٠٣١- ١٠٣٦)، «شذرات الذهب»: (٣/ ١٤٦)، «الأعلام» للزركلي: (٦/ ٢٩) .
[ ١ / ٤٦ ]
نفسًا١ قيل: إن حمار النبي ﷺ أهداه٢ المقوقس صاحب مصر الذي أهدى مارية القبطية٣ أم إبراهيم، وقيل: أهداه فروة٤ بن عمرو الجذامي٥ وقيل: أصابه يوم خيبر، وسماه يعفور، وكان يركبه في حاجته، ويبعثه في حاجته، ويبعثه إلى باب الرجل فيأتي الباب فيضربه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار، أومأ إليه برأسه فيأتي إلى النبي ﷺ فلما قبض النبي ﷺ جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان٦ فتردى فيها
_________________
(١) ذكره ابن حجر في «الفتح»: (١٠/ ٣٩٨) .
(٢) زاد هنا في «الأصل» كلمة: (صاحب)، والصواب حذفها كما في بقية النسخ.
(٣) هي: مولاة رسول الله ﷺ وسريته، وهي أم ولده إبراهيم، أهداها له المقوقس، ووصلت إلى المدينة سنة ٨هـ، وتوفيت سنة ١٦هـ. انظر ترجمتها في: «أسد الغابة»: (٦/ ٢٦١)، «الإصابة»: (١٣/ ١٢٥)، «أعلام النساء»: (٥/ ١٠) .
(٤) كتب في كل النسخ: (عروة)، وما أثبته هو الصواب كما في «السيرة النبوية» لابن هشام: (٤/ ٢٣٤) .
(٥) هو: فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي ثم النفاثي، كان عاملا للروم على من يليهم من العرب وهو الذي بعث وفدا إلى رسول الله ﷺ وأخبره عن إسلامه وأهدى له بغلة بيضاء فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه وحبسوه ثم صلبوه وقتلوه، وقال عندما قدموه للقتل: بلغ سراة المسلمين بأنني سلم لربي أعظمي ومقامي انظر عنه في: «السيرة» لابن هشام: (٤/ ٢٣٤)، «عيون الأثر»: (٢/ ٤٢٢)، «مختصر سيرة الرسول»: (ص ٤٢٩) .
(٦) هو: مالك بن بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وقيل: مالك بن التيهان بن مالك بن عمر، صحابي جليل، كان يكره الأصنام في الجاهلية ويقول بالتوحيد، وكان أول من أسلم من الأنصار الذين لقوا رسول الله ﷺ بمكة، اختلف في وفاته بين كونها في خلافة عمر سنة ٢١هـ، أو ٢٠هـ، وبين كونها في صفين مع علي -﵁- سنة ٣٧هـ. انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد»: (٣/ ٤٤٧)، «أسد الغابة»: (٤/ ٢٣٨- ٢٣٩)، «صفة الصفوة»: (١/ ٤٦٢-٤٦٣) .
[ ١ / ٤٧ ]
فقال: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا "
_________________
(١) جزعا على النبي ﷺ فصارت قبره١. فيه تواضعه ﷺ لركوبه الحمار مع الإرداف عليه، وجواز الإرداف على الدابة إذا أطاقت. وفضيلة معاذ بن جبل ﵁. ﴿فقال: " يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد "٢﴾ أي: ما يستحقه وما أوجبه وجعله محتمًا عليهم ﴿" وما حق العباد على الله "٣﴾ إنما قال حقهم على سبيل المقابلة لحقه عليهم، لا أنهم٤ يستحقون عليه شيئًا، ويجوز٥ أن يكون من قول الرجل لصاحبه حقك علي واجب، أي: متأكد قيامي به " فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن
(٢) انظر هذه الحك، الآية في «فتح الباري»: (٦/ ٥٩)، وقد أحالها على ابن حبان في «الضعفاء» في ترجمة محمد بن مرثد، ثم قال بعدها: لا أصل له وليس سنده بشيء. وانظر: «الضعفاء» لابن حبان: (ص ٣٠٨-٣٠٩) . وانظر: «زاد المعاد»: (١/ ١٢٣-١٢٤) .
(٣) البخاري: التوحيد (٧٣٧٣)، ومسلم: الإيمان (٣٠)، والترمذي: الإيمان (٢٦٤٣)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٩٦)، وأحمد (٥/٢٢٨،٥/٢٢٩) .
(٤) البخاري: اللباس (٥٩٦٧)، ومسلم: الإيمان (٣٠)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٩٦)، وأحمد (٣/٢٦٠،٥/٢٢٨) .
(٥) في «ر»، و«ش»: (لا لأنهم) ولا يتغير المعنى، وفي «ع»: (لأنهم)، وهو خطأ من الناسخ.
(٦) كلمة: (ويجوز) سقطت من «ر»، وحرفت في «ع» إلى: (ويحبون) .
[ ١ / ٤٨ ]
فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس، قال: " لا تبشرهم فيتكلوا "١ أخرجاه في " الصحيحين".
_________________
(١) يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا "٢ الحق الذي على العباد حق تعبد وإلزام، والحق الذي على الله ﷾ حق تفضل وإنعام (فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا "٣ على سعة رحمة الله تعالى ويتركوا العمل. قال الحسن البصري٤ " يرد كثير من الناس يوم القيامة مفاليس من الأعمال لاتكالهم على سعة رحمة الله تعالى "٥. ﴿أخرجاه في "الصحيحين٦ "﴾ . فيه جواز كتمان العلم للمصلحة، فإذا مست الحاجة أظهره فأخبر بها معاذ بن جبل ﵁ عند موته تأثما [أي] ٧ خشية الوقوع في إثم
(٢) البخاري: الجهاد والسير (٢٨٥٦)، ومسلم: الإيمان (٣٠)، والترمذي: الإيمان (٢٦٤٣)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٩٦)، وأحمد (٣/٢٦٠،٥/٢٢٨،٥/٢٢٩،٥/٢٣٠،٥/٢٣٦) .
(٣) البخاري: الجهاد والسير (٢٨٥٦)، ومسلم: الإيمان (٣٠) .
(٤) البخاري: الجهاد والسير (٢٨٥٦)، ومسلم: الإيمان (٣٠) .
(٥) هو: الحسن بن علي بن يسار البصري -أبو سعيد- من كبار التابعين، كان عالمًا زاهدًا ورعًا، وكان بليغ الموعظة، أدرك بعض الصحابة، وسمع عثمان وهو يخطب، كان يؤم الدار وعمره أربع عشرة سنة، توفي سنة ١١٠هـ. انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد»: (٧/ ١٥٦-١٧٨)، «تذكرة الحفاظ»: (١/ ٧١- ٧٢)، «تهذيب التهذيب»: (٢/ ٢٦٣-٢٧٠) .
(٦) لم أجد هذا القول بنصه، وقد ورد نحوه في «تفسير السيوطي»: (٣/ ٥٩٤) عن أبي الشيخ عن الحسن البصري. (٦) [٢٥ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٣/ ٣٤٧، ح ٧٣٧٣)، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ إلى توحيد الله. و«صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١/ ٣٤٥-٣٤٦، ح ٤٩/ ٣٠)، كتاب الإيمان، باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٧) كلمة: (أي) سقطت من «الأصل»، وهي ثابتة في النسخ الأخرى.
[ ١ / ٤٩ ]
من كتم علمًا يعلمه لما روى عنه ﷺ أنه قال: " من كتم علمًا يعلمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار ١ " والمراد بذلك العلم الذي يجب تعليمه من علوم الشرع، فلا يحمل ذلك على تعليم الحرف والصنائع٢ إلا ما كان تعليمه فرض كفاية كتعليم الرمي وغيره من أسباب القتال، وفيه استحباب البشارة للمسلم بما يسره.
_________________
(١) [٢٦ ح] «سنن أبي داود»: (٤/ ٦٧-٦٨، ح ٣٦٥٨)، كتاب العلم، باب كراهية منع العلم، «سنن ابن ماجه»: (١/ ٩٦، ٩٨، ح٢٦١، ٢٦٦)، المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه. والحديث روي عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص. والحديث صححه ابن حبان: «الإحسان»: (١/ ١٥٤، ح ٩٥، ٩٦) . وصححه الحاكم في «المستدرك»: (١/ ١٠٢) من حديث المصريين، ووافقه الذهبي. وقد نقل المنذري في «الترغيب»، وتابعه الألباني في «صحيح الترغيب «عن الحاكم قوله: (صحيح لا غبار عليه)، ولم أجد هذه العبارة في «المستدرك» . وصححه الألباني، انظر: «صحيح الترغيب والترهيب»: (١/ ١٢٤، ح ١١٥)، و«صحيح الجامع»: (٢/ ١١١، ح ٦٥١٧)، مع إسقاط لفظة: «عن أهله» التي حكم عليها بالضعف في «ضعيف الجامع»: (ص ٨٣٨، ح ٥٨١٣) . والحديث جاء في بعض ألفاظه من سئل عن علم فكتمه، وفي بعضها: «من كتم. . .» . انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٢) وقد جاء ما يفيد كونه علم الدين من قوله ﷺ في «سنن ابن ماجه» (١/ ٩٧): «من كتم علما مما ينفع الله به في أمر الناس أمر الدين. . .» . لكن هذه الرو، الآية ضعفها الألباني في «ضعيف الجامع»: (ص ٨٣٩، ح ٥٨١٤) .
[ ١ / ٥٠ ]