باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواوَلَم ْيَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾
_________________
(١) ﴿١- باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب﴾ ﴿وقوله الله تعالى:: ﴿الَّذِينَ آمَنُواوَلَم ْيَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ١﴾ أي: وحدوا الله٢: ﴿وَلَم ْيَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ٣ أي: لم يخلطوا توحيدهم بشرك٤. عن ابن مسعود قال: (لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُواوَلَم ْيَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ٥ شق ذلك على المسلمين وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟! فقال رسول الله (ليس ذلك: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٦ ٧. وفي رواية " ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان عليه السلام٨ لابنه " وذكره٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٨٢.
(٣) انظر: «تفسير الطبري»: (٥/ ٧/ ٢٥٥) .
(٤) سورة الأنعام، الآية: ٨٢.
(٥) انظر: «تفسير الطبري»: (٥/ ٧/ ٢٥٤)، و«تفسير القرطبي»: (٧/ ٣٠)، و«تفسير البغوي»: (٢/ ١١٢) .
(٦) البخاري: أحاديث الأنبياء (٣٤٢٩)، ومسلم: الإيمان (١٢٤)، والترمذي: تفسير القرآن (٣٠٦٧)، وأحمد (١/٣٧٨،١/٤٢٤،١/٤٤٤) .
(٧) سورة لقمان ال، الآية: ١٣.
(٨) [٢٧ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (٦/ ٤٦٥، ج ٣٤٢٩)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ولقد آتينا لقمان الحكمة. «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١/ ٥٠٢، ح ١٩٧/ ١٢٤)، كتاب الإيمان، باب صدق الإيمان وإخلاصه. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٩) لفظ: (﵇) في «الأصل»، وقد سقطت من بقية النسخ.
(١٠) انظر: «تفسير الطبري»: (٥/ ٧/ ٢٥٥-٢٥٦) .
[ ١ / ٥١ ]
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾
_________________
(١) ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ ١ أي: أمان من وحشة القبر، ومن هول المحشر ومن عذاب النار٢ كما في "المسند"٣٤ وغيره عن النبي ﷺ قال: " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله قد قاموا ينفضون التراب عن رءوسهم، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "٥.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٨٢.
(٣) تكلم العلماء في المقصود بالأمن بالنظر إلى تفسير الظلم بكلام حسن ملخصه أن أنواع الظلم ثلاثة: الظلم بمعنى الشرك، والظلم بمعنى ظلم العباد، والظلم بمعنى ظلم النفس، وعليه فمن تخلص من انواع الظلم الثلاثة كان له الأمن التام، ومن تخلص من أعظمها ولو وقع في الأنواع الأخرى كان له الأمن من الخلود في النار، وإن عوقب على بقية أنواع الظلم الأخرى. انظر: «مجموع الفتاوى»: (١٨/ ١٦١-١٦٢)، و«تيسير العزيز الحميد»: (ص٧٠- ٧١) .
(٤) هكذا في «الأصل»، و«ع»، و«ش»، وفي «ر»: (كما في المستدرك) .
(٥) فوله: (كما في المسند)، وكذا في النسخة الثانية: (المستدرك) كله وهم، ولعل الشارح في الإحالة إلى «المسند» قد تبع الحافظ ابن رجب في رسالته «كلمة الإخلاص» فقد أورد الحديث الآتي بعد مصدرا بذلك، وقد بحثت كثيرًا في «المسند» و«المستدرك» بمراجعة أطراف الحديث المختلفة فلم أجده، ثم وقفت -بحمد الله- على هذا في رسالة ابن رجب، ووجدت أن الشيخ الألباني -حفظه الله- قد ذكر في تحقيقه لها (ص ٦٤) أنه وهم.
(٦) [٢٨ ح] «الكامل» لابن عدي: (٤/ ١٥٨٢)، «شعب الإيمان» للبيهقي: (١/ ١١٠- ١١٢، ح ١٠٠) والطبراني في «الأوسط» كما في «المجمع»: (١٠/ ٨٢-٨٣) . والحديث مروي عن ابن عمر﵄-. والحديث قال المنذري: في متنه نكارة. وقال الألباني: رواه ابن أبي الدنيا، وابن عدي، وغيرهما بإسناد ثم خرجته في «الضعيفة»: (٣٨٥٣) . انظر تخريجه بالتفصيل في الملحق.
[ ١ / ٥٢ ]
﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسول
_________________
(١) ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١ هداهم [الله] ٢ في الدنيا٣ وشرح صدورهم بالإسلام وأخلصوا لله بالأعمال. ﴿عن عبادة بن الصامت٤ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " من شهد أن لا إله إلا الله وحده﴾ أي: منفردًا ﴿لا شريك له﴾ في ألوهيته ووحدانيته وربوبيته ﴿وأن محمدًا﴾ الهاشمي القرشي الذي أوجب علينا اتباعه وطاعته، ومحبته ﴿عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله٥﴾
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٨٢.
(٣) سقط لفظ الجلالة من «الأصل»، وألحقته من «ر»، و«ع» .
(٤) انظر: «تفسير القرطبي»: (٧/٣٠) .
(٥) هو: عبادة بن الصامت بن قيس بن أحرم الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل شهد المشاهد كلها، كان ممن جمع القرآن في عهد رسول الله ﷺ، ولي القضاء في فلسطين، مات سنة ٣٤هـ، وقيل: ٤٥هـ. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (٣/ ٥٦-٥٧)، «طبقات ابن سعد»: (٣/ ٥٤٦) .
(٦) قال ابن حجر في «فتح الباري»: (٦/ ٤٧٥) في شرح هذا الحديث عند هذه العبارة: (ويستفاد منه ما يلقنه النصراني إذا أسلم) .
[ ١ / ٥٣ ]
وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه
_________________
(١) فمن زعم غير هذا فقد كفر وأشرك ﴿وكلمته١﴾ هي٢ قوله تعالى كن فكان٣ بشرًا من غير أب ولا واسطة ٤٥ ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ يعني: أوصلها إلى مريم ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ ٦﴾ يعني: أنه كسائر الأرواح التي خلقها٧ الله، وقيل: الروح هو الذي نفخ٨ - جبريل ﵇- في جيب درع مريم فحملت٩ بإذن الله تعالى، قال بعض المفسرين إن الله لما خلق
(٢) قال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٤٧٥): (وكلمته) إشارة إلى أنه حجة الله على عباده أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحي الموتى على يده، وقيل: سمي (كلمة الله) لأنه أوجد بقوله: (كن) . وقد أشار إليها ﷾ في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] .
(٣) في كل النسخ: (في)، وهو تصحيف عن كلمة: (هي) .
(٤) في «ر»: (قوله تعالى: كن بشرا)، وفي «ش»: (قوله تعالى: فكان بشرا)، والصواب ما أثبته من «الأصل»، و«ع» .
(٥) في «ر»: (من غير أب والواسطة)، وهو تحريف من الناسخ.
(٦) انظر: «تفسير الطبري» (٦/٤/ ٣٥)، و«تفسير ابن كثير»: (٦٥٣/١)، و«تفسير القرطبي»: (٦/ ٢٢)، و«تفسير السيوطي»: (٢/ ٧٥١) .
(٧) مما نقل في سبب تسميته بذلك: أن الله قد ادخر روحه من بين الأرواح التي نثرها الله من ظهر آدم وقت الإشهاد، فلما كان الوقت الذي أراد الله خلقه أرسل بها جبريل ﵇، كما ذكره الشارح بعد قليل وأحلته. وقال ابن حجر: (وأما تسميته بالروح فلما كان أقدره عليه من إحياء الموتى، وقيل: لكونه قد خلقه من غير جزء من ذي روح.
(٨) انظر: «تفسير ابن الجوزي»: (٢/ ٢٦١) .
(٩) هكذا في «الأصل»، وفي النسخ الأخرى: (الذي نفخ فيه جبريل) .
(١٠) «تفسير الطبري»: (٤/ ٦/ ٣٥-٣٦)، و«تفسير ابن الجوزي»: (٦/ ٢٦١) .
[ ١ / ٥٤ ]
والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " أخرجاه.
ولهما من حديث عتبان:
_________________
(١) أرواح البشر جعلها في صلب آدم ﵇ وأمسك عنده روح عيسى ﵇، فلما أراد١ أن يخلقه أرسل بروحه مع جبريل٢ إلى مريم، فنفخ في جيب درعها فحملت بعيسى ﵇، فهو بشر لا يحط عن منزلته ولا يرفع فوق قدره ومنزلته عليه السلام٣ ﴿والجنة حق﴾ أعدها الله٤ لمن عبده وأطاعه ﴿والنار حق﴾ أعدها الله لمن أشرك به وعصاه، فمن شهد بها وآمن بها ﴿أدخله الله الجنة على ما كان من العمل﴾ أي: قليلًا كان أو كثيرًا، صلاحًا أو فسادًا ﴿أخرجاه٥﴾ أي: الشيخان: البخاري ومسلم ﴿ولهما من حديث عتبان﴾ بكسر العين على المشهور، وحكى ضمها، ابن مالك الأنصاري٦
(٢) في «ر»: (فلما أراد الله) .
(٣) قوله: (مع جبريل) في «الأصل»، وقد سقط من بقية النسخ.
(٤) انظر: «تفسير القرطبي»: (٦/ ٢٢)، و«تفسير ابن الجوزي»: (٢/ ٢٦١) .
(٥) سقط هنا لفظ الجلالة: (الله) من «ر» .
(٦) [٢٩ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (٦/ ٤٧٤، ح ٣٤٣٥)، كتاب الأنبياء، باب قوله: «يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم» . «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١/ ٣٤١-٣٤٢، ح ٤٧/ ٢٩)، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٧) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد: (٣/ ٥٥٠)، «الإصابة»: (٦/ ٥ ٣٧)، (أسد الغابة»: (٣/ ٤٥٤) .
[ ١ / ٥٥ ]
" فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ".
وعن أبي سعيد الخدري﵁- عن رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) رضي الله عنه١ - " فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله "٢٣ " بهذا الشرط محبة وخوفا ورجاء بالإخلاص نجته من النار. وفي الحديث " سمع النبي ﷺ مؤذنا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: خرج من النار (- أي: نجاه الله من النار- خرجه مسلم٤. ﴿وعن أبي سعيد الخدري٥ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال:
(٢) هكذا في «الأصل»، وقد سقط ذكر ابن مالك الأنصاري -﵁- من بقية النسخ.
(٣) في «ر»: (يبتغي بهذا الشرط محبة وخوفا) فأسقط قوله: (بذلك وجه الله) .
(٤) [٣٠ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١/ ٥١٩، ح ٤٢٥)، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت. و«صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٥/ ١٦٤-١٦٦، ح ٢٦٣/ ٦٥٧)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر. انظر التفصيل في تخريجه في الملحق.
(٥) [٣١ ح] «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٤/ ٣٢٦، ح ٩/ ٣٨٢)، كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان. وهو بلفظ مختلف يسيرا. والحديث مروي عن أنس بن مالك -﵁-. والحديث مروي بهذا النص في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: (١/ ٤٠٧)، (٣/ ٢٤١) عن ابن مسعود -﵁-. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٦) هو: سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي -أبو سعيد- الخدري، صحابي جليل، روى عن رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة، يروى أنه كان من أهل الصفة، مات سنة ٧٤هـ، عاش ٨٦ سنة. انظر ترجمته في: «تذكرة الحفاظ»: (١/ ٤٤)، «سير أعلام النبلاء»: (٣/ ١٦٨)، «الطبقات» لخليفة بن خياط: (ص ٩٦) .
[ ١ / ٥٦ ]
" قال موسى: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال: كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله (رواه ابن حبان والحاكم
_________________
(١) " قال موسى: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال: كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع " فيه نص على أن الأرضين سبع كالسماوات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنّ﴾ ١ " في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله "٢ رواه ابن حبان٣ والحاكم٤
(٢) سورة الطلاق، الآية: ١٢.
(٣) الترمذي: الفتن (٢١٦٩) .
(٤) هو: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد أبو حاتم التميمي البستي، حفاظ، إمام، ثقة، كان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار، وكان عالمًا بالطب والنجوم، أنكروا على ابن حبان قوله: النبوة العلم والعمل فحكموا عليه بالزندقة، وهجر وكتب فيه إلى الخليفة فكتب بقتله. قال الذهبي: وهذا له محمل حسن، فإنه لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، ومثله الحج عرفة، فهذا ذكر مهم الحج، وذاك ذكر مهم النبوة. انظر ترجمته في: «تذكرة الحفاظ»: (٣/ ٩٢٠-٩٢٤)، «سير أعلام النبوة»: (١٦/ ٩٢ -١٠٤)، «الأعلام» للزركلي: (٦/ ٧٨) .
(٥) هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الضبي النيسابوري، يعرف بابن البيع، الإمام، الحافظ، كان إمام أهل الحديث في عصره، نقل الذهبي عن ابن طاهر قال: سألت أبا إسماعيل الأنصاري عن الحاكم؟ فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث وكان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفا عن معاوية وآله، متظاهرًا بذلك ولا يعتذر معه، ثم قال الذهبي عقبه: أما انحرافه عن خصوم علي فظاهر، وأما أمر الشيخين فمعظم لهما بكل حال فهو شيعي لا رافضي. انظر: «سير أعلام النبلاء»: (١٧/ ١٦٢-١٧٧)، «تاريخ بغداد»: (٥/ ٤٧٣-٤٧٤)، «وفيات الأعيان»: (٤/ ٢٨٠-٢٨١)، «تذكرة الحفاظ»: (٣/ ١٠٣٩-١٠٤٥) .
[ ١ / ٥٧ ]
وصححه
_________________
(١) وصححه١﴾ وكذلك ترجح بصحائف الذنوب كما في حديث السجلات والبطاقة. عن عبد الله بن عمرو بن العاص٢ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله ﷿ يستخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له٣ تسعًا وتسعين سجلًا كل سجل مثل مد البصر، يقول:
(٢) [٣٢ ح] «صحيح ابن حبان»: «الإحسان»: (٨/ ٣٥، ح ٦١٨٥)، كتاب التاريخ، باب بدء الخلق. «المستدرك على الصحيحين»: (١/ ٥٢٨)، كتاب الدعاء فضل لا إله إلا الله. والحديث قال الحاكم فيه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تصحيح الحديث. انظر: «المستدرك»: (٨/ ٣٥، ح ٦١٨٥) . وصححه ابن حبان كما تقدم. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٣) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص -أبو محمد- وأبو عبد الرحمن القرشي السهمي، صحابي جليل، كان صوامًا قوامًا، وكان يلوم أباه على القيام بنوبة الفتنة، ويتأثم من القعود عنه خوف العقوق، فحضر صفين ولم يسل سيفًا، وكان قد أصاب جملة من كتب أهل الكتاب فرأى فيها العجائب، توفي سنة ٣٥هـ. انظر ترجمته في: «تذكرة الحفاظ»: (١/ ٤١-٤٢) .
(٤) حرفت في «ر» إلى: (فيبشرهم) .
[ ١ / ٥٨ ]
أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله ﷿ بلى، إن لك عندنا حسنةً فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج الله بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتوضع في كفة، والبطاقة في كفة فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله ﵎ شيء " أخرجه أحمد والنسائي والترمذي١ والبطاقة: الرقعة، وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة. قال محمد بن إسماعيل الأمير٢٣ ﵀:-
إذا فكرت في ذنوبي أخشى على قلبي احتراقه
_________________
(١) [٣٣ ح] «مسند الإمام أحمد»: (٢/ ٢١٣) . «سنن الترمذي»: (٥/ ٢٤-٢٥، ح ٢٦٣٩)، كتاب الإيمان، باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله. والحديث قال فيه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٦): صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وصححه الألباني، انظر: «صحيح سنن ابن ماجه»: (٢/ ٤٢٨، ح ٣٤٦٩)، و«سلسلة الأحاديث الصحيحة»: (١/ ٢١٢، ح ١٣٥) . ولم أجد أن النسائي أخرجه، لا في «سننه» ولا في «عمل اليوم والليلة»، ولعله في «السنن الكبرى» .
(٢) في «ر»: (قال الأمير محمد بن إسماعيل) .
(٣) هو: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن علي الكحلاني ثم الصنعاني المعروف بالأمير، نفر من التقليد، وحارب الباطل فامتحن وسجن وتؤومر على قتله فنجاه الله، وُلد سنة ١٠٩٩هـ، وتوفي سنة ١١٨٢هـ. انظر ترجمته في: «البدر الطالع»: (٢/ ١٣٣-١٣٩)، «أبجد العلوم»: (٣/ ١٩١- ١٩٣) .
[ ١ / ٥٩ ]
عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا
_________________
(١) لكن ينطفي لهيبي بذكر ماجاء في البطاقه١ فيه إثبات الميزان، كما هو في الآيات والأحاديث الشهيرة٢ وله كفتان ولسان يوزن به الأعمال حسنها وسيئها. ٣ ﴿عن أنس﴾ ابن مالك٤ ﴿-﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا
(٢) «ديوان الأمير الصنعاني»: (ص ٢٩٢) .
(٣) أما الآيات فمنها قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦-٧]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] . وأما الأحاديث فأظهرها الحديث الذي سبق ذكره قريبا - حديث البطاقة-، ومنها قوله ﷺ: الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان. كما في «صحيح مسلم مع شرح النووي «: (٣/ ١٠٢، ح ٢٢٣)، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء. وقوله ﷺ: كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان: سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده. كما في «صحيح البخاري مع الفتح»: (١١/ ٢٠٦، ح ٦٤٠٦)، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح.
(٤) في «المؤلفات» في هذا الموضع زيادة قوله: (وللترمذي) .
(٥) هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، وُلد قبل الهجرة بعشرة سنين، وخدم رسول الله ﷺ عشر سنين، اختلف في وفاته بين سنة ٩٠هـ وسنة ٩٣هـ. انظر ترجمته في: «الإصابة»: (١/ ١١٢-١١٤)، «أسد الغابة»: (١/ ١٥١-١٥٢)، «البد، الآية والنه، الآية»: (٩/ ٩٨-١٠٢) .
[ ١ / ٦٠ ]
ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة "١.
_________________
(١) ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة "٢ هذا آخر الحديث ولفظه بكماله مع شرحه: عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله ﷿ يا ابن آدم إنك ما دعوتني "٣ - أي: مدة دوام دعائك- " ورجوتني "- أي: أملت مني الخير- " غفرت لك ذنوبك " على ما كان منك من عظائم وجرائم " ولا أبالي " بذنوبك، إذ لا معقب لحكمي، ولا مانع لعطائي، " يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك "٤ - بفرض كونها أجساما- "عنان"- بفتح المهملة- أي: سحاب الدنيا٥ أي: ملأت ما بين السماء والأرض، كما في الرواية الأخرى٦ - أو: عنانها ما عن لك منها- أي: ظهر إذا رفعت رأسك٧ "ثم استغفرتني"- أي: تبت توبة صحيحة- " غفرت لك ولا أبالي "- لأن الاستغفار إقالة، والكريم محل إقالة العثرات، " يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض
(٢) الترمذي: الدعوات (٣٥٤٠) .
(٣) [٣٤ ح] «سنن الترمذي»: (٥/ ٥٤٨، ح ٣٥٤٠)، كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار. «المستدرك» للحاكم: (٤/ ٢٤١)، كتاب التوبة والإنابة. والحديث قال فيه الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد جاء في «المسند» و«المستدرك» من طريق أبي ذر نحوه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه الشيخ الألباني كما في «السلسلة الصحيحة»: (١/ ١٩٩-٢٠٠، ح ١٢٧) . انظر مفصل التخريج في الملحق.
(٤) الترمذي: الدعوات (٣٥٤٠) .
(٥) الترمذي: الدعوات (٣٥٤٠) .
(٦) هكذا في «الأصل»، وفي بقية النسخ: (سحاب السماء) .
(٧) لم أجد هذه الرو، الآية فيما بحثت فيه.
(٨) انظر: «تحفة الأحوذي»: (٩/ ٥٢٥) .
[ ١ / ٦١ ]
خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة "١ أخرجه الترمذي٢ والقراب بضم القاف، ويقال بكسرها، والضم أفصح وأشهر.
قال القاضي٣٤ هو مأخوذ من القرب، أي: ما يقاربها في المقدار، والقراب شبه جراب يضع فيه المسافر زاده وقراب السيف٥. عن ابن عباس -﵄- " أن قوما قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، وانتهكوا فأكثروا، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد إن ما تدعوا إليه لحسن لو٦ تخبرنا أن لأعمالنا كفارة، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ . إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ ٧ ٨"- قال: يبدل شركهم إيمانًا وزناهم إحصانًا٩.
_________________
(١) الترمذي: الدعوات (٣٥٤٠) .
(٢) تقدم تخريجه قريبا (ص ٦١) .
(٣) كلمة: (القاضي) غير واضحة في «الأصل»، وجاءت واضحة في بقية النسخ.
(٤) هو: عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن اليحصبي السبتي -أبو الفضل- المشهور بالقاضي عياض، عالم المغرب، كانت له تواليف كثيرة، منها: كتاب «الشفا في حقوق المصطفى» وله كتاب «العقيدة»، وكان إماما في الحديث، ومن تصانيفه: إكماله لشرح صحيح مسلم للمازري المسمى «المعلم»، وُلد سنة ٤٧٦هـ، وتوفي سنة ٥٤٤ هـ. انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان»: (٣/ ٤٨٣)، «تذكرة الحفاظ»: (٤/ ١٣٠٤)، «شذرات الذهب»: (٤/ ١٣٨) .
(٥) انظر: «مشارق الأنوار»: (٢/ ١٧٦) .
(٦) (لو) سقطت من «ر» .
(٧) سورة الفرقان، الآيات: ٦٨-٧٠.
(٨) زيد هنا في «ر» لفظة: (علي)، ولم أجد في التفاسير أن هذا القول عن علي -﵁-، ولعله إن صح النقل علي بن أبي طلحة الذي يروي عن ابن عباس.
(٩) «تفسير الطبري»: (١١/ ١٩/ ٤٦)، و«تفسير القرطبي»: (١٣/ ٧٨)، و«تفسير ابن الجوزي»: (٦/ ١٠٧)، و«تفسير ابن عباس» (صحيفة): (ص ٣٨٣) .
[ ١ / ٦٢ ]