باب قول الله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ .
_________________
(١) بمن يستغيث بميت أو غائب عند المصائب، يطلب منه إزالة ضر أو جلب نفع، ومعلوم أن رسول الله ﷺ خير الخلق وأكرمهم على الله، وقد نفى الاستغاثة به وقال: إنما يستغاث بالله تعالى"؛لأنه المغيث على الحقيقة الذي ينجي المكروب إذا دعاه واستغاث به. ﴿١٤- باب﴾ قوله الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ . أي: إبليس والأصنام١ ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ . يعني الأصنام لا تقدر على نصر من أطاعها وعبدها، ولا تضر من عصاها، والنصر المعونة على الأعداء، والمعنى: أن المعبود الذي تجب عبادته يكون قادرا على إيصال النفع ودفع الضر، وهذه الأصنام ليست كذلك، فكيف يليق بالعاقل أن يعبدها ثم قال تعالى ﴿أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٢ ولا يقدرون أن يدفعوا عن أنفسهم مكروها٣ وقوله
(٢) «تفسير البغوي»: (٢/٢٢٢) . وانظر: «تفسير القرطبي»: (٧/٣٤١)، و(تفسير ابن الجوزي»: (٣/٣٠٤) .
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٩١،١٩٢.
(٤) «تفسير البغوي»: (٢/٢٢٢)، و«تفسير الرازي»: (١٥/٩١) .
[ ١ / ١٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ١٤)﴾ .
وفي " الصحيح " عن أنس قال: " شج النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم فنزلت:.
_________________
(١) تعالى١ ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: الأصنام ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير﴾ هو لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة التي تكون على النواة ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ يعني: الأصنام ﴿لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ يعني: أنها جماد ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ ٢ على سبيل الفرض والتمثيل ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي: ما أجابوكم وما نفعوكم ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: يتبرءون منكم، ومن عبادتكم إياها ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٣ يعني: نفسه تعالى، أي: لا ينبؤك مثلي; لأنه عالم بالأشياء٤. ﴿وفي "الصحيح" عن أنس﴾ بن مالك ﵁ ﴿قال: شج النبي صلى اله عليه وسلم يوم أحد، وكسرت رباعيته﴾ الرباعية: هي التي تلي الثنية، وهي أربع رباعيات٥ ﴿فقال: كيف يفلح قوم شجو نبيهم﴾ صلى اله عليه وسلم ﴿فنزلت
(٢) الفقرات المفسرة السابقة لأجزاء هذه ال، الآية كلها من «تفسير البغوي»: (٣/٥٦٨) .
(٣) زاد هنا في «ر» كلمة: (أي) .
(٤) سورة فاطر، الآية:١٣، ١٤.
(٥) «تفسير البغوي»: (٣/٥٦٨) .
(٦) انظر: «لسان العرب»: (٨/١٠٨)، مادة: «ربع» .
[ ١ / ١٨٢ ]
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
_________________
(١) ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ١ إلى فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٢. ٣﴾ . واختلفوا في٤ نزولها، فقيل: نزلت يوم أحد٥. واختلفوا في سببها، فقيل: إن عتبة بن أبي وقاص٦ شج وجه رسول الله ﷺ [وكسر]،٧ رباعيته، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله تعالى فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٨. ٩.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
(٣) قوله: (إلى فإنهم ظالمون) جيء بها في «الأصل»، وليست في بقية النسخ ولا «المؤلفات» .
(٤) [٨٧ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (٧/٣٦٥، ح ٤٠٧٠)، كتاب المغازي، باب ليس لك من الأمر شيء. و«صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١٢/٣٩١، ح ١٠٤/١٧٩١)، كتاب الجهاد، باب غزوة أحد. انظر بقية التخريج في الملحق.
(٥) زيد هنا كلمة: (سبب) في «الأصل» و«ع»، و«ش»، ولعله سبق نظر من الناسخ إلى ما بعد ذلك.
(٦) يعني به: يوم غزوة أحد.
(٧) هو: عتبة بن أبي وقاص بن أهيب، أخو سعد بن أبي وقاص، وهو الذي شج وجه رسول الله ﷺ يوم أحد وكسر رباعيته، وقد اختلف في إسلامه أو موته على الكفر، لم يذكره المتفدمون في الصحابة، وذكره المتأخرون. انظر ترجمته في: «الإصابة»: (٨/٤-٥)، «أسد الغابة»: (٣/٤٦٧-٤٦٨)، «تهذيب التهذيب»: (٧/١٠٣) .
(٨) في «الأصل»: (كسرت)، وهو خطأ، والصواب المثبت من بقية النسخ.
(٩) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
(١٠) انظر: «أسباب النزول» للواحدي: (ص ٨٦، ٨٧)، و«أسباب النزول» للسيوطي: (ص ٥٧)، و«الصحيح المسند من أسباب النزول» لمقبل بن هادي: (ص ٤٨-٤٩) . انظر تخريج الحديث الماضي في الملحق.
[ ١ / ١٨٣ ]
وقيل: أراد النبي ﷺ أن يدعو عليهم بالاستئصال١ فنزلت هذه الآية، وذلك لعلمه٢ أن أكثرهم يسلمون.
وقيل: إن النبي ﷺ لما وقف على جثة عمه حمزة٣ ورأى ما صنعوا به من المثلة، فأراد أن يدعو عليهم، فنزلت هذه الآية٤.
وقيل: إنها نزلت في بئر معونة، وهم سبعون رجلا من القراء، فبعثهم رسول الله ﷺ إلى بئر معونة، وهي بين مكة وعسفان، وهي أرض هذيل، وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة، وعلى رأس أربعة أشهر من أحد، بعثهم ليعلموا الناس القرآن والعلم، وأمر عليهم المنذر بن عمرو٥
_________________
(١) ١ انظر: «تفسير الطبري»: (٣/٤/٨٧)، و«تفسير السيوطي»: (٢/٣١٢) . ٢ الأولى أن يقال هنا: (لعلم الله)، أو يكون التعبير قبل هذا فأنزل الله هذه ال، الآية لئلا يوهم أن الضمير في قوله: (لعلمه) عائد إلى الرسول ﷺ فيفهم أن الرسول ﷺ كان يعلم أن أكثرهم سيسلمون، وعلم الغيب صفة خاصة بالله تعالى. ٣ هو: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاع أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب أسلم في السنة الثانية من البعثة، وكان سبب إسلامه غضبه لسب رسول الله من قبل أبي جهل فأقبل عليه وضربه بالقوس على رأسه فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت فقال حمزة: وما يمنعني فامنعوني إن كنتم صادقين ثم إنه ثبت على الإسلام وجاهد في سبيله وقتل في أحد سنة ٣ هـ. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (١/٥٢٨-٥٣٢)، «الإصابة»: (٢/٢٨٥-٢٨٧)، «صفة الصفوة»: (١/٣٧٠-٣٧٧) . ٤ انظر: «تفسير الرازي»: (٨/٢١٧)، و«تفسير ابن الجوزي»: (١/٤٥٧) . إلا أن فيهما أن النبي ﷺ لما رأى ما فعلوه بحمزة من المثلة قال: لأمثلن منهم بثلاثين فنزلت. ٥ هو: منذر بن عمرو بن خنيس الأنصاري الخزرجي، الساعدي، صحابي جليل، شهد العقبة وبدرا وأحدا، استشهد بعد أحد بأربعة أشهر أو نحوها يوم بئر معونة سنة ٤ هـ، قتله عامر بن الطفيل ومن معه من بنو سليم وبنو عصيه فدعا عليهم رسول الله ﷺ. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (٤/٤٩٣-٤٩٤)، «الإصابة»: (٩/٢٨٥-٢٨٦)، «سيرة ابن هشام»: (١/٤٦٦) .
[ ١ / ١٨٤ ]
عن ابن عمر -﵄- «أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فأنزل الله» (١) ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢) .
_________________
(١) فقتلهم عامر بن الطفيل (٣) فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا، وقنت شهرا في الصلاة كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل (٤) .
(٢) ﴿عن «ابن عمر -﵄- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة (٦) من الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٧) (٨) فيه استحباب القنوت للنوازل، وجواز لعن المعين
(٣) البخاري: المغازي (٤٠٧٠)، والترمذي: تفسير القرآن (٣٠٠٥)، والنسائي: التطبيق (١٠٧٨)، وأحمد (٢/٩٣،٢/١٠٤،٢/١١٨،٢/١٤٧) .
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
(٥) هو: عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري، كان سيد بني عامر في الجاهليه. اختلف في إسلامه فأورده بعضهم في الصحابة وأنه أهدى للنبي ﷺ، ورجح ابن الأثير الجزري في «أسد الغابة» موته على الكفر، توفي سنة ١١ هـ. انظر ترجمته في: «الإصابة»: (٧/٢٩٤)، «الأعلام»: (٣/٢٥٢)، «أسد الغابة»: (٣/٢٣) .
(٦) انظر: «تفسير ابن الجوزي»: (١/٤٥٦)، و«تفسير الرازي»: (٨/٢١٨) بألفاظ مقاربة.
(٧) في «المؤلفات»: (وفيه عن ابن عمر)، ووقع في «ر»: (عن عمر) وهو خطأ يرده ما في النسخ الأخرى والأصول.
(٨) في «المؤلفات»: (الأخيرة)، والمثبت هو الموافق للأصول الحديثية.
(٩) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
(١٠) [٨٨ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (٧/٣٦٥، ح ٤٠٦٩)، كتاب المغازي، باب ليس لك من الأمر شيء، و(٨/٢٢٥-٢٢٦، ح ٤٥٥٩)، كتاب التفسير، باب ليس لك من الأمر شيء. «سنن النسائي»: (٢/٢٠٣، ح ١٠٧٨)، كتاب التطبيق، باب القنوت في صلاة المغرب. انظر لزيادة تخريجه في الملحق.
[ ١ / ١٨٥ ]
وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية،.
_________________
(١) ممن اتصف بشيء من المعاصي كيهودي أو نصراني أو ظالم أو زان أو مصور أو سارق أو آكل ربا. وأشار الغزالي١ إلى تحريمه إلا في حق من علمنا أنه مات على الكفر كأبي لهب وأبي جهل، وفرعون وهامان، وأشباههم قال: لأن اللعن الإبعاد عن رحمة الله تعالى ولا ندري ما يختم به لهذا الفاسق أو الكافر، قال: وأما الذين لعنهم رسول الله ﷺ بأعينهم، فيجوز أنه ﷺ ٢ علم موتهم على الكفر بوحي من الله تعالى٣. ﴿وفي رواية: يدعوا على صفوان بن أمية٤﴾،.
(٢) هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد -أبو حامد- الغزالي الشافعي، برع في الفقه، والكلام والجدل، لكن أدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام ومزال الأقدام، من مؤلفاته: «إحياء علوم الدين»، وكتاب «الأربعين في أصول الدين»، قال أبو بكر بن العربي عنه: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع، غلا في طريقة التصوف وتجرد لنصر مذهبهم، فدعا وألف في نصرتهم وصدرت فتوى بإحراق كتبه والبعد عنها، ولد بطوس سنة ٤٥٠ هـ، وتوفي سنة ٥٠٥ هـ. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء»: (١٩/٣٢٢-٣٤٦)، «وفيات الأعيان»: (٤/٢١٦-٢١٩)، «تبيين كذب المفتري»: (ص ٢٩١-٣٠٦)، «شذرات الذهب»: (٤/١٠-١٣) .
(٣) في «ع»، و«ش» سقط قوله: (أنه ﷺ)، وهو ثابت في «الأصل»، و«ر» .
(٤) انظر: «إحياء علوم الدين»: (٣/١٣٢-١٣٣)، ولعل الشارح قد لخص وانتقى من كلام الغزالي.
(٥) هو: صفوان بن أمية بن خلف القرشي الجمحي، هرب يوم الفتح واستؤمن له من رسول الله ﷺ فعاد، وشهد حنين كافرا، وقد استعار منه الرسول ﷺ سلاحا، ولما انهزم المسلمون يومها قال أخ لصفوان من أمه: ألا بطل السحر، فقال صفوان: اسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، توفي بمكة سنة ٤٢ هـ أول خلافة معاوية. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (٢/٤٠٥-٤٠٧)، «سير أعلام النبلاء»: (٢/٥٦٢- ٥٦٧)، «الإصابة»: (٥/١٤٥-١٤٧) .
[ ١ / ١٨٦ ]
وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
_________________
(١) وسهيل بن عمرو (١)، والحارث بن هشام (٢)، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٣) (٤)﴾ ومع ذلك تاب الله على كثير منهم، وآمنوا: كصفوان بن
(٢) هو: سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري أحد أشراف قريش وخطبائهم- وهو الذي أقبل في شأن الصلح، وتأخر إسلامه إلى يوم الفتح ثم أسلم وحسن إسلامه، توفي سنة ١٨ هـ. انظر ترجمته في: «الإصابة»: (٤/٢٨٧-٢٨٩)، «أسد الغابة»: (٢/٣٢٨-٣٢٩)، «شذرات الذهب»: (١/٣٠) .
(٣) هو: الحارث بن هشام بن المغيرة - أبو عبد الرحمن - القرشي المخزومي - أخو أبي جهل - شهد بدرا كافرا، وأسلم يوم الفتح، وكان قد استجار بأم هانئ بنت أبي طالب ولما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: قد أجرنا من أجرت، استشهد يوم اليرموك سنة ١٥ هـ، وقيل: مات في طاعون عمواس سنة ١٧ هـ. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (١/٤٢٠-٤٢١) .
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
(٥) «صحيح البخاري مع الفتح»: (٧/٣٦٥، ح ٤٠٧٠)، كتاب المغازي، باب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم. و«سنن الترمذي»: (٥/٢٢٧، ح ٣٠٠٤)، كتاب تفسير القرآن، باب من سورة آل عمران. والحديث عن ابن عمر -﵄-.
[ ١ / ١٨٧ ]
أمية، وعكرمة بن أبي جهل١، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام.
عن أبي هريرة قال: لما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة الثانية قال: " اللهم انج الوليد بن الوليد٢، وسلمة بن هشام٣، وعياش بن أبي
_________________
(١) هو: عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة أبو عثمان القرشي المخزومي، المكي، أسلم عام الفتح وحسن إسلامه وقد كان من قصة إسلامه أنه هرب عند الفتح فركب البحر في سفينة فأصابتهم عاصفة فقال أصحاب السفينة: أخلصوا -أي لله- فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا هاهنا، فقال عكرمة: إن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره، اللهم لك علي عهد إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما قال: فجاء فأسلم، وقيل: إن زوجته أم حكيم بنت عمه سارت إليه وهو باليمن بأمان رسول الله ﷺ وكانت أسلمت قبله فردته إلى رسول الله ﷺ فأسلم. انظر ترجمته في: «الإصابة»: (٧/٣٦)، «أسد الغابة»: (٣/٥٦٧-٥٧٠)، «تهذيب التهذيب»: (٧/٢٥٧-٢٥٨) .
(٢) هو: الوليد بن الوليد بن المغيرة أخو خالد بن الوليد، شهد بدرا مشركا فأسر، وقدم أخواه خالد وهشام لفدائه وبعد أن سلما فداءه أسلم فقيل له في ذلك، فقال: كرهت أن تظنوا بي أن جزعت من الأسار، فكان محبوسا في مكة، وكان الرسول ﷺ يدعو له فيمن يدعو لهم من المستضعفين المؤمنين بمكة. انظر ترجمته في: «الإصابة»: (١٠/٣١٥-٣١٨)، «أسد الغابة»: (٤/٦٧٨- ٦٧٩) .
(٣) هو: سلمة بن هشام بن المغيرة القرشي، المخزومي، أسلم قديما، وهو أخو أبي جهل وابن عم خالد بن الوليد، وقد كان من خيار الصحابة، وقد هاجر إلى الحبشة، وقد عذب في الله ومنع من الهجرة إلى المدينة فكان ممن يدعو لهم النبي ﷺ في القنوت، قتل في عهد عمر في مرج الصفر سنة ١٤ هـ. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (٢/٢٨٣-٢٨٤)، «الإصابة»: (٤/٢٣٦-٢٣٧) .
[ ١ / ١٨٨ ]
ربيعة، (١) والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (٢) زاد في رواية: «اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله» ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٣) سماهم في رواية [أنس]، (٤) " اللهم العن رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله " (٥) (٦) قال (٧) ثم بلغنا أنه ترك
_________________
(١) هو: عياش بن أبي ربيعة واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة، يكنى: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله، وهو أخو أبي جهل لأمه، كان إسلامه قديمًا، وهاجر إلى الحبشة ثم عاد وهاجر هو وعمر بن الخطاب إلى المدينة، فقدم أخواه لأمه: أبو جهل والحارث ابنا هشام فذكرا له أن أمه حلفت أن لا يدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه فرجع معهما فحبساه بمكة، فكان ممن يدعو لهم النبي ﷺ. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (٤/٢٠-٢١) .
(٢) [٨٩ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (٦/٤١٨، ح ٣٣٨٦)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى /٤ لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين /٤. «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٥/١٨٢-١٨٣، ح ٢٩٤/٦٧٠)، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت. انظر زيادة التخريج في الملحق.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
(٤) صحفت في جميع النسخ إلى: (يونس)، وقد أثبت الصواب من أصل الحديث.
(٥) البخاري: الجهاد والسير (٢٨١٤)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (٦٧٧)، والنسائي: التطبيق (١٠٧٠)، وأحمد (٣/١١٦،٣/١٦٢) .
(٦) [٩٠ ح] «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٥/١٨٥-١٨٧، ح ٢٩٩، ح ٣٠٣/٦٧٧، ح ٣٠٧، ح ٣٠٨/٦٧٩)، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت. «صحيح ابن حبان»: «الإحسان»: (٣/٢١٩، ح ١٩٨١) . انظر زيادة التخريج في الملحق.
(٧) أي: أبو هريرة -﵁- راوي الحديث المتقدم كما يتضح من السياق.
[ ١ / ١٨٩ ]
اللعن لما أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ١ معنى الآية: ليس لك من أمر مصالح٢ عبادي شيء إلا ما أوحي إليك، وأن الله تعالى هو مالك أمرهم،٣ فإما أن يتوب عليهم ويهديهم فيسلموا أو يهلكهم ويعذبهم إن أصروا على الكفر، وقيل: ليس لك مسألة هداهم والدعاء عليهم; لأنه تعالى أعلم بمصالحهم، فربما تاب على من يشاء منهم، وقيل: معناه ليس لك من أمر خلقي شيء إلا ما وافق أمري إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم٤.
قال بعض العلماء: والحكمة في منعه ﷺ من الدعاء عليهم ولعنهم أن الله تعالى علم من حال بعض الكفار أنه سيسلم٥ فيتوب عليهم، أو سيولد منهم ولد يكون مسلما برا تقيا، فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى من الدعاء عليهم; لأن دعوته ﷺ مجابة، فلو دعا عليهم بالهلاك هلكوا٦.
ولكن اقتضت حكمة الله وما سبق في علمه إبقاءهم ليتوب على بعضهم ويستخرج من بعضهم ذرية مؤمنة صالحة، ويهلك بعضهم بالقتل والموت وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٧.
[وكان من دعائه ﷺ " اللهم إني لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني،
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
(٢) في «ر «: (ليس لك من الأمر من مصالح عبادي )، وكذا في النسختين الأخريين مع إسقاط كلمة: (من) الثانية، والأحسن من أثبت من «الأصل «.
(٣) قوله: (هو مالك أمرهم) سقط من «ش «.
(٤) انظر: «تفسير الزمخشري «: (١/٤٦٢)، و«تفسير الرازي «: (٨/٢١٩) .
(٥) في بقية النسخ: (أنه يسلم) .
(٦) انظر: «تفسير الفخر الرازي «: (٨/٢١٩) .
(٧) سورة آل عمران، الآية: ١٢٨.
[ ١ / ١٩٠ ]
وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: " يا معشر قريش، أو كلمة نحوها-: اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا.
_________________
(١) ولا أتقي إلا ما وقيتني ١ قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد: إني ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ﴾ ٢.٣. ﴿وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال٤ قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٥ قال: " يا معشر قريش، -أو كلمة نحوها-: اشتروا أنفسكم ﴿"من الله بتوحيده " لا أغني عنكم من الله شيئًا "٦ أي: لا أدفع عنكم من عذابه وأليم عقابه شيئًا " يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا٧ يا عباس بن عبد المطلب " عم رسول الله ﷺ " لا أعني عنك٨ من الله شيئًا ٩
(٢) في «ر»: (إلا ما شاء وقيتني)، والمثبت من «ش» هو الصواب.
(٣) سورة يونس، الآية: ٤٩.
(٤) ما بين القوسين زيادة من بقية النسخ غير «الأصل» .
(٥) كلمة: (قال) سقطت من «ر»، وهي مثبتة فيما بقي من النسخ.
(٦) سورة الشعراء، الآية: ٢١٤.
(٧) البخاري: تفسير القرآن (٤٧٧١)، ومسلم: الإيمان (٢٠٦)، والنسائي: الوصايا (٣٦٤٤)، والدارمي: الرقاق (٢٧٣٢) .
(٨) قوله: (يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا) سقطت من المؤلفات.
(٩) عبر في الموضعين بصيغة الجمع: (عنكم) في النسخ الثلاث غير «الأصل» و«المؤلفات» .
(١٠) قوله: (يا عباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ، لا أغني عنك من الله شيئًا) سقط من «ش» .
[ ١ / ١٩١ ]
ويا صفية بنت عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا "
_________________
(١) ويا صفية بنت عبد المطلب١٢ ﴿"عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك٣ من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد٤ سليني ما شئت من مالي٥ لا أغني عنك من الله شيئًا "٦ ومعنى الآية: أن الإنسان إذا بدأ بنفسه أولا
(٢) قوله: (بنت عبد المطلب) سقط من «المؤلفات» .
(٣) هي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية عمة رسول الله ﷺ، وهي أم الزبير بن العوام، وأخت حمزة، ولما كانت يوم الخندق هي والنساء في حصن حسان بن ثابت ومر بهم رجل يهودي يطوف بالحصن نزلت وضربته بعمود فقتلته، توفيت -﵂- سنة ٢٠ في خلافة عمر بن الخطاب. انظر ترجمتها في: «أسد الغابة»: (٦/١٧٢-١٧٤)، «الإصابة»: (١٣/١٨-٢٠) .
(٤) عبر في الموضعين بصيغة الجمع: (عنكم) في النسخ الثلاث غير «الأصل» و«المؤلفات» .
(٥) هي: فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين، زوجها رسول الله ﷺ من ابن عمه علي بعد أحد، وكان ﷺ يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول الصلاة يا أهل بيت محمد: /٤ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا /٤، ففاطمة وأبناؤها هم بقية نسل رسول الله ﷺ، توفيت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر، وذلك في السنة ١١ هـ. انظر ترجمتها في: «أسد الغابة»: (٦/٢٢٠-٢٢٦)، «سير أعلام النبلاء»: (٢/١١٨- ١٣٤)، «تهذيب التهذيب»: (١٢/٤٤٠-٤٤٢) .
(٦) في «المؤلفات»: (سليني من مالي ما شئت)، والمثبت هو الموافق للنص في «صحيح البخاري» .
(٧) [٩١ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (٥/٣٨٢، ح ٢٧٥٣)، كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب. «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٣/٨١-٨٢، ح ٣٥١)، كتاب الإيمان، باب وأنذر عشريتك الأقربين. انظر للزيادة في التخريج الملحق.
[ ١ / ١٩٢ ]
وبالأقرب فالأقرب من أهله، لم يكن لأحد عليه طعن ألبتة، وكان قوله أنفع وكلامه أنجع.
فيه جده وتشميره ﷺ إلى ما أمره الله به من (١) الإنذار للأبعد والأقرب حتى نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو فعله مسلم الآن ومن نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس تبين له التوحيد وغربة الدين، وفي الحديث: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء» (٢) .
أي: أنه كان في أول الأمر كالغريب الوحيد الذي لا أهل (٣) له عنده لقلة المسلمين يومئذ، وسيعود غريبا كما كان، أي: يقل المسلمون في آخر الزمان (٤) فيصيرون
_________________
(١) في «ر»: (إلى ما أمر به) .
(٢) [٩٢ ح] «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٢/٥٣٦، ح ٢٣٢/١٤٥، ١٤٦)، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا. «سنن الترمذي»: (٥/١٨، ح ٢٦٢٩)، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبا. والحديث جاء في «صحيح مسلم» من رو، الآية أبي هريرة وابن عمر، وفي «سنن الترمذي» وغيره جاء من رو، الآية ابن مسعود وجابر -﵄-. قال الترمذي، وكذا نقله عنه البغوي في «شرح السنة» (١/١١٨-١١٩): بأنه حديث حسن صحيح غريب من رو، الآية ابن مسعود. وصححه الألباني، انظر: «الأحاديث الصحيحة»: (٣/٢٦٧، ح ١٢٧٣) . و«صحيح سنن الترمذي»: (٢/١٣١، ح ٢١٢٠) . انظر التفصيل في تخريجه في الملحق.
(٣) قوله: (لا أهل) سقط من «ش» .
(٤) إن كان مراد الشارح بالقلة قلة المتمسكين بالإسلام حيث يصبح المتمسك بالسنة واتباع السلف غريبا لما يجده من المعارضة والمعاداة ممن حوله فله وجه. وأما إن كان مراده قلة العدد فمعارض بما أخبر به النبي ﷺ عنهم بالكثرة حين أخبر بتداعي الأمم على المسلمين في آخر الزمان فسأله أصحابه أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنت يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل» .
[ ١ / ١٩٣ ]