_________________
(١) ﴿١٧ – باب﴾ ﴿قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ١﴾ أي: هدايته لقرابته ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فيقذف في قلبه نور الهداية، فينشرح صدره للإيمان ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢ أي: بمن قدر له الهدى، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ ٣ يعني: كفره وإضلاله٤ ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ٥ يعني: فلن تقدر على دفع أمر الله فيه، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية٦.
(٢) سورة القصص، الآية: ٥٦.
(٣) سورة القصص، الآية: ٥٦.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٤١.
(٥) في «ر»، و«ع»، و«ش»: (ضلاله)، وهو سائغ أيضا.
(٦) سورة المائدة، الآية: ٤١.
(٧) وذلك لأن القدرية ينفون القدر عن الله ويثبتونه لأنفسهم وهذه ال، الآية فيها التصريح بالرد عليهم حيث نفى الله تعالى عن نبيه القدرة على نفع عمه بشيء وغيره أولى بانتفائها عنه، وسيأتي بيان ذلك في باب ما جاء في منكري القدر. انظر: (ص ٥١٧-٥١٨) . وبدعه القدرية حدثت بعد موت معاوية﵁-، ولهذا تكلم فيهم ابن عمر وابن عباس وغيرهما، وابن عباس مات قبل ابن الزبير، وابن عمر مات عقب موته، وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين، فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز والشام والعراق وأكثره كان بالشام والعراق وأقله كان بالحجاز. انظر: «مجموع الفتاوى «لابن تيمية: (٨/ ٢٢٨) .
[ ١ / ٢١٠ ]
في الصحيح عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺوعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال له يا عم، قل لا إله إلا الله- كلمة أحاج لك بها عند الله فقالا له: أترغب
_________________
(١) ﴿في "الصحيح" عن سعيد بن المسيب عن أبيه﴾ المسيب بن حزن ﴿قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة﴾ أبو طالب اسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله أبي النبي ﷺ لأبيه وأمه، وأمهما وأم عاتكة بنت عبد المطلب فاطمة بنت عمرو المخزومي،١ وله من الولد طالب وعقيل وجعفر وعلي، كلهم صحابيون إلا طالبا اختطفته الجن فذهب ولم يعلم إسلامه ﴿جاءه رسول الله ﷺوعنده عبد الله بن أبي أمية٢. ٣ وأبو جهل- فقال له: يا عم، قل لا إله إلا الله -كلمة أحاج لك بها عند الله فقالا له: أترغب
(٢) يعني: أن أبا طالب وعبد الله أبا النبي ﷺ وعاتكة إخوة من أب وأم، أبوهم عبد المطلب وأمهم فاطمة بنت عمرو المخزومي. وعليه فيكون أبو طالب وعاتكة عما وعمة شقيقين للرسول - ﷺ -. وانظر: «السيرة النبوية»: (١/ ١٠٩) .
(٣) في «ر»: (عبد الله بن أمية) فأسقط كلمة (أبي)، ويدل على هذا الإسقاط أنه أثبت في الأصول الحديثية.
(٤) هو: عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة أخو أم سلمة زوج النبي - ﷺ - وأمه عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ -، كان شديدا على المسلمين أيام كفره، مخالفا لرسول الله - ﷺ -، وهو الذي قال: «لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل»، لآية، أسلم أيام فتح مكة واستشهد في الطائف. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (٣/ ٧٣)، و«الاستيعاب» ضمن «الإصابة»: (٦/ ١٠٦)، و«السيرة النبوية»: (٢/ ٤٨٦) .
[ ١ / ٢١١ ]
عن ملة عبد المطلب، فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا فكان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال له النبي ﷺ لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله ﷿ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾
_________________
(١) عن ملة عبد المطلب﴾ جد النبي ﷺ اسمه١ شيبة الحمد، وقيل: عامر، وعاش مائة وأربعين سنة، سمي عبد المطلب لأن أباه هاشما توفي وهو صغير، فغلبت عليه أمه سلمى الأنصارية الخزرجية٢ بالمدينة، فلما شب وترعرع ذهب له عمه المطلب بن عبد مناف فقدم به مكة مردفه خلفه، وكان آدم اللون فقال الناس: عبد المطلب، فلزمه ذلك الاسم ﴿فأعاد عليه النبي ﷺ فأعاد﴾ أي: عبد الله وأبو جهل ﴿فكان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله﴾ فيه مضرة جلساء السوء على الإنسان، وأن الأعمال بالخواتيم نسأل الله حسن الخاتمة، ونعوذ به من سوء العاقبة ﴿فقال له النبي ﷺ لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله ﷿﴾ عليه٣ ﴿﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
(٢) كلمة: (اسمه) سقطت من «ر» .
(٣) هي: سلمى بنت قيس بن عمرو بن عبيد- أم المنذر- إحدى خالات النبي - ﷺ - من جهة أبيه، وهي ممن بايعن النبي - ﷺ - على أن لا يشركن بالله ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينه في معروف ولا يغششن أزواجهن. انظر ترجمتها في: «أسد الغابة»: (٦/ ١٤٩- ١٥٠)، «الإصابة»: (١٢/ ٣١١-٣١٢) .
(٤) في بقية النسخ: (فيه) بدل (عليه) .
[ ١ / ٢١٢ ]
وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
_________________
(١) وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ ١. وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢.٣﴾ . اعلم أن الهداية والإضلال٤ بيد الله سبحانه ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ٥ قال النبي ﷺ " بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهدى شيء،٦ وخلق إبليس مزينا للدنيا، وليس إليه من الضلالة شيء "٧ فيه برهان قاطع وبيان ساطع على أن الأمر كله
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٣.
(٣) في «المؤلفات» تممت ال، الآية بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ .
(٤) [٩٦ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (٧/ ١٩٣، ح ٣٨٨٤)، كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب. «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١/ ٣٢٧- ٣٢٨، ح ٣٩)، كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضر الموت. لزيادة تخريج الحديث راجع الملحق.
(٥) في «ر»: (الضلالة)، وفي «ع»، و«ش»: (الضلال) .
(٦) سورة الكهف، الآية: ١٧.
(٧) في «ر»: (وليس لي من الهدى) .
(٨) [٩٧ ح] «الكامل في الضعفاء» لابن عدي: (٣/ ٩١٠)، في ترجمة خالد بن عبد الرحمن العبدي. «الضعفاء» للعقيلي: (٢/ ٩) في ترجمة خالد بن عبد الرحمن. الحديث حكم عليه كثير من أهل الحديث بالوضع. انظر: «الموضوعات» لابن الجوزي: (١/ ٢٧٢- ٢٧٣)، و«اللآلئ المصنوعة» للسيوطي: (١/ ٢٥٤)، و«تنزيه الشريعة» لابن عراق: (١/٣١٥) . ولزيادة تخريجه وبيان الحكم عليه انظر الملحق.
[ ١ / ٢١٣ ]
لله، وأنه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء١ ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ويجلب الخير لمن يشاء،٢ ويكشف الضر عمن يشاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ٣ ولكن لا يشاء أن يؤمن بك ويصدقك إلا من سبقت له السعادة في الأزل، ولم يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الأزل ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٤ فلا يقدر أحد على توفيق من أراد الله خذلانه.
فإذا عرف الإنسان معنى هذه الآية ومن نزلت فيه تبين له بطلان قول المشركين وفساد شركهم; لأن الرسول ﷺ سيد الخلق أجمعين وأفضلهم وأكرمهم عند الله ومع ذلك حرص حرصا عظيما، واجتهد على هداية عمه أبي طالب في حياته فلم يتيسر له ذلك، ثم استغفر له بعد موته حتى نهاه الله عن ذلك، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية٥.
_________________
(١) قوله: (ويضل من يشاء) سقطت من «ر»، و«ع» .
(٢) قوله: (ويضل من يشاء، ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ويجلب الخير لمن يشاء) سقط من «ش» .
(٣) سورة يونس، الآية: ٩٩.
(٤) سورة يونس، الآية: ٩٩-١٠٠.
(٥) وقد سبق مثل هذا القول عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئا﴾ . انظر: (ص ٢١٠) .
[ ١ / ٢١٤ ]