_________________
(١) ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ١ ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٣ ﴿باب﴾ ﴿قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤ التوكل من الفرائض ومن شروط الإيمان وهو تفويض الأمر إلى الله تعالى ثقة بحسن تدبيره، وهو مقام عظيم من مقامات٥ الأبرار، قال ذو النون: "التوكل هو خلع الأرباب وقطع الأسباب، وهو التعلق بالله في كل الأحوال فيكون الإنسان بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء"٦ ١ سورة القصص، الآية: ٥. ٢ سورة ص، الآية: ٢٦. ٣ سورة محمد، الآية: ٢٨. ٤ سورة المائدة، الآية: ٢٣. ٥ في بقية النسخ جاء بصيغة الإفراد: (مقام)، والأصح ما أثبت من"الأصل". ٦ انظر:"إحياء علوم الدين": (٤ / ٢٨١، ٢٧٨) . هذه العبارة من الألفاظ المجملة التي لا تعطي التوكل معناه الشرعي الحقيقي، وقد بين أهل العلم أن الالتفات إلى الأسباب بالكلية شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع. انظر:"مجموع الفتاوى"لابن تيمية: (٨ / ٥٢٨) . وبينوا أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه المقدورات بها وجرت سنته في خلقه بها. انظر:"جامع العلوم والحكم"لابن رجب: (ص ٤٩٨) . وأما تشبيه المتعلق بالله في كل الأحوال بالميت بين يدي الغاسل فهو مقتبس مما يعبر به الصوفية عن حال المريدين مع شيوخهم. ولا وجه للتشبيهين.
[ ٢ / ٣٥١ ]
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
_________________
(١) ﴿وقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ من الله تعالى في هذه الآية ذكر١ صفات المؤمنين وأحوالهم فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ ولفظة: ﴿إنما﴾ تفيد الحصر، والمعنى: ليس المؤمنين الذين يخالفون الله ورسوله إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، أي: خضعت وخافت ورقت قلوبهم، وقيل: إذا خوفوا بالله انقادوا خوفا من عقابه، وقال أهل الحقائق:٢ الخوف على قسمين: خوف العقاب وهو خوف العصاة، وخوف الهيبة والعظمة وهو خوف الخواص لأنهم يعلمون عظمة الله ﷿ فيخافونه أشد خوفًا. ١ في بقية النسخ سقطت كلمة: (ذكر) وهي في"الأصل". ٢ التعبير بـ (أهل الحقائق) يرد في كلام العلماء، وقد يراد به الصوفية، وقد يراد به المتكلمون في السلوكيات مطلقا، ولعل الشارح أراد هنا الغزالي وابن القيم فقد ذكرا مثل كلامه كما سيأتي ذكر موضعه.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا.
_________________
(١) وأما العصاة فيخافون عقابه، فالمؤمن إذا ذكر الله وجل قلبه وخاف على قدر مرتبته في ذكر الله ﷿.١ والخوف ثمرة التوحيد، قال بعض العلماء: الخوف سوط يسوق الخائف إلى المقامات المحمودة.٢ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: إذا قرئ عليهم آيات القرآن زادتهم تصديقا،٣ والإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، ويقبل الزيادة والنقص لقوله تعالى: ١ انظر:"إحياء علوم الدين"للغزالي: (٤ / ١٦٧)، و"مدارج السالكين"لابن القيم: (١ / ٥١٣)، ومعلوم أن الخوف إذا أطلق شمل القسمين بخلاف الهيبة والخشية والإجلال. قال ابن القيم في"مدارج السالكين" (١ / ٥١٢- ٥١٣): (الوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة) . ثم وضح ذلك بما ملخصه: أن الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والرهبة: الإمعان في الهروب من المكروه. والوجل: رجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف منه. والهيبة: خوف مقارب للتعظيم والإجلاء. وإن الخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية٢٨)، وكما قال رسوله ﷺ: إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية. وأن الخوف لعامة المؤمنين- وهو الذي عبر عنه في قول الشارح- بـ (خوف العصاة)، وأن الخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين. ٢ انظر:"الإحياء": (٤ / ١٦٥)، و"المدارج": (١ / ٥١٣) . ٣"تفسير ابن كثير": (٢ / ٢٩٧) .
[ ٢ / ٣٥٣ ]
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
_________________
(١) ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وإذا قبل الزيادة قبل النقص.١ قال الشيباني٢ ﵀ في"عقيدته": إيماننا قول وفعل ونية ويزداد بالتقوى وينقص بالردى٣ وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٤ يعني: يفوضون جميع أمورهم إليه، ولا يرجون غيره، ولا يخافون سواه. واعلم أن المؤمن إذا كان واثقا بوعد الله ووعيده كان من المتوكلين عليه لا على غيره، وهذه درجة عالية ومرتبة شريفة. وهذه المراتب الثلاث- أعني: الوجل عند ذكر الله، وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن، والتوكل على الله- من أعمال القلوب. ﴿وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥﴾ ١ وهذا هو التعريف الصحيح للإيمان الموافق لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولما سار عليه السلف الصالح من لدن رسول الله ﷺ إلى اليوم. ٢ هو: محمد بن الحسن- أبو عبد الله- من أصحاب أبي حنيفة، وأخذ عن مالك، قيل: إنه لما احتضر قيل له: أتبكي مع العلم؟ قال: أرأيت إن أوقفني الله، وقال: يا محمد، ما أقدمك الري الجهاد في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي ماذا أقول؟ وقد نسب الشيبانية له في"كشف الظنون"و"هدية العارفين"، توفي سنة ١٨٩ هـ. انظر ترجمته في:"سير أعلام النبلاء": (٩ / ١٣٤- ١٣٦)، و"كشف الظنون": (٢ / ١١٤٢)، و"هدية العارفين"مع"كشف الظنون": (٦ / ٨) . ٣ انظر: متن الشيبانية ضمن"مجموع المتون": (ص ٣٦) . ٤ سورة الأنفال، الآية: ٢. ٥ سورة الأنفال، الآية: ٦٤.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
_________________
(١) أي: كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين.١ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس﵄- أن هذه الآية نزلت في إسلام عمر بن الخطاب﵁-، قال سعيد بن جبير: أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر فنزلت هذه الآية.٢ فعلى هذا القول تكون الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم٣ وقيل: أراد بقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الأنصار.٤ والآية نزلت بالمدينة، وقيل: أراد جميع المهاجرين والأنصار.٥ ﴿وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٦يعني: من يثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه، وروي عن النبي ﷺ قال: " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا "٧ ١"تفسير الطبري": (٦ / ١٠ / ٣٧)، و"تفسير الفخر الرازي": (١٥ / ١٩١) . ٢"تفسير السيوطي": (٤ / ١٠١)، و"تفسير البغوي": (٢ / ٢٦٠)، و"تفسير القرطبي": (٨ / ٤٢- ٤٣)، و"تفسير الفخر الرازي": (١٥ / ١٩١)، و"تفسير ابن كثير": (٢ / ٣٣٧) . ٣"تفسير القرطبي": (٨ / ٤٢)، و"تفسير الفخر الرازي": (١٥ / ١٩١) . ٤ انظر:"تفسير الفخر الرازي": (١٥ / ١٩١) . ٥"تفسير القرطبي": (٨ / ٤٣) . ٦ كتبت ال، الآية في"المؤلفات"إلى هنا، وفي"ع"و"ش"تمم ال، الآية إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ .) (الطلاق: من الآية٣) ٧ [١٦٦ ح] "سنن الترمذي": (٤ / ٥٧٣، ح ٢٣٤٤)، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله."المستدرك"للحاكم: (٤ / ٣١٨) ."سنن ابن ماجه": (٢ / ١٣٩٤، ح ٤١٦٤)، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين. الحديث عن عمر بن الخطاب. والحديث قال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني. انظر:"سلسلة الأحاديث الصحيحة": (١ / ٥٥٧، ح ٣١٠) . انظر زيادة تخريجه في الملحق.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
عن ابن عباس﵄- قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار
_________________
(١) (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ أي: منفذ أمره وممض في خلقه ما قضاه ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ ١ أي: جعل لكل شيء من شدة أو٢ رخاء أجلا٣ ينتهي. قال مسروق٤ في هذه الآية (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ توكل عليه أم لم يتوكل عليه غير أن المتوكل يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرا.٥٦ (عن ابن عباس﵄- قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار" قال: وقد حقق ذلك حيث لم ١ سورة الطلاق، الآية: ٣. ٢ قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أي: جعل كل شيء من شدة أو) سقط من"ر". ٣"تفسير القرطبي": (١٨ / ١٦١) . ٤ هو: مسروق بن الأجدع بن مالك- الوادعي الهمداني الكوفي- أبو عائشة- تابعي جليل، كان فقيها أعلم بالفتوى من شريح، كان يصلي حتى تتورم قدماه، وقد صلى خلف أبي بكر الصديق، توفي سنة ٦٣ هـ. انظر ترجمته في"تذكرة الحفاظ": (١ / ٢٩)،"شذرات الذهب": (١ / ٧١)،"طبقات ابن سعد": (٦ / ٧٦- ٨٤)،"أسد الغابة": (٤/٣٨٠) . ٥ في"ر": (الأجر) . ٦ انظر:"تفسير الطبري": (١٤ / ٢٨ / ١٣٩)،"تفسير البغوي": (٤ / ٣٥٨)، و"تفسير القرطبي": (١٨ / ١٦١) .
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وقالها محمد ﷺ حين قالوا [له] ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ " رواه البخاري والنسائي.
_________________
(١) يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار وفوض أمره إلى الله وقد استقبله جبريل ﵇ وقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا فقال جبريل: فاسأل ربك فقال إبراهيم: [من] ١ سؤالي علمه بحالي حسبي الله ونعم الوكيل.٢ ﴿وقالها محمد ﷺ حين قالوا [له] ٣ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ أي تصديقا ويقينا٤ ﴿وَقَالُواحَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي: كافينا الله٥ ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٦ [رواه البخاري والنسائي] ٧٨ ١ في كل النسخ: (على سؤالي)، وصححته من مصدره. ٢"تفسير البغوي": (٣ / ٢٥٠) . و"تفسير ابن الجوزي": (٥ / ٣٦٦- ٣٦٧) . و"تفسير القرطبي": (١١ / ٣٠٣)، ولم يأت في آخره:"حسبي الله ونعم الوكيل"، وقد رواه الطبري في"تفسيره": (١٠ / ١٧ / ٤٤) مختصرا بسند فيه مجهول، وقد جاءت عبارة"حسبي الله ونعم الوكيل"كما في"تفسير البغوي"عندما قال له خازن المياه وخازن النار:"ألك حاجة؟ "فقال:"لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل". ٣ ما بين القوسين أضفته من"المؤلفات". ٤ انظر:"تفسير الطبري": (٣ / ٤ / ١٧٨) . ٥ انظر:"تفسير الطبري": (٣ / ٤ / ١٧٨) . ٦ سورة آل عمران، الآية: ١٧٣. ٧ ما بين القوسين أضفته من"المؤلفات". ٨ [١٠ ث] "صحيح البخاري مع الفتح": (٨ / ٢٢٩، ح ٤٥٦٣)، كتاب التفسير، باب الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم. و"السنن الكبرى"للنسائي كما ذكره في"تحفة الأشراف": (٥ / ٢٣٨) . انظر بقية التخريج في الملحق.
[ ٢ / ٣٥٧ ]