باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾
وقوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ
_________________
(١) ﴿باب﴾ قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، يعني: يظنون أن الله لا ينصر محمدا، وقيل: يظنون أن محمدا ﷺ قد قتل، وأن أمره قد يضمحل١ ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أي: كظن أهل الجاهلية٢ ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وذلك أنه لما شاور النبي ﷺ عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين في وقعة أحد، فأشار عليه أن لا يخرج من المدينة، فلما خالفه النبي ﷺ وخرج، وقتل من قتل، قيل لعبد الله بن أبي: قتل بنو الخزرج، قال: هل لنا من الأمر شيء؟ وهو استفهام على سبيل الإنكار، أي: ما لنا أمر يطاع٣ ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد ﴿إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ٤٥ وقوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ يعني: أنهم ظنوا أن الله ١"تفسير البغوي": (١/ ٣٦٤)، و"تفسير ابن الجوزي": (١/ ٤٨١) ٠. ٢ نفس المصادر٠. ٣ انطر:"تفسير الرازي": (٩/ ٤٧) . ٤ سورة آل عمران، الآية: ١٥٤. ٥ هكذا في النسخ الخطية، وفي"المؤلفات"أتم ال، الآية إلى قوله: ٠٠٠ والله عليم بذات الصدور.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾
قال ابن القيم: في الآية الأولى فسر هذا الظن بأنه ﷾ لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر ظنهم إنما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، وفسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله وأن يظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء
_________________
(١) لا ينصر محمدا ﷺ والمؤمنين ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ ١ يعني: عليهم دائرة العذاب والهلاك٢ ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٣ أي: منقلبا، قال الشيخ - رحمه الله تعالى: ﴿قال ابن القيم﴾ - رحمه الله تعالى - ﴿في الآية الأولى فسر هذا الظن بأنه ﷾ لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بظنهم إنما أصابهم٤ لم يكن بقدر الله وحكمته، وفسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن [يتم] ٥ أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء; ١ في"المؤلفات"اقتصر في ذكر هذه ال، الآية إلى هنا، وفي النسخ المخطوطة أتمها إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . ٢ هذا في"الأصل، وفي بقية النسخ: (الإهلاك) . ٣ سورة الفتح، الآية: ٦. ٤ في"المؤلفات": (وفسر بأن ما أصابه) ٠. ٥ في"المؤلفات": (أن يتم أمر رسوله)، وهو هكذا في"الأصل"من"زاد المعاد"، وفي كل النسخ الخطية: (أن لا يتم) وهو خطأ.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
لأنه ظن غير ما يليق به ﷾، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق [أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره] وأنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل يزعم أن ذلك لمشيئة مجردة ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده، فليعتني اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر
_________________
(١) لأنه ظن غير ما يليق به ﷾، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق١ وأنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل يزعم أن ذلك لمشيئة ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢ وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده فليعتني اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت٣ لرأيت عنده تعنتا على القدر، ١ زاد هنا في"المؤلفات"قوله: (أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدوه) خلافا لبقية النسخ الخطية. ٢ سورة ص، الآية: ٢٧. ٣ في"ر"قال: (ولو فتشت لرأيت إلخ) .
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر وفتش نفسك هل أنت سالم.
قال الشاعر:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيا
_________________
(١) وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر وفتش نفسك هل أنت سالم. قال الشاعر١ فإن تنج منها٢ تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيا انتهى كلامه٣. قال شارح"الرياض": (الظن في الشرع ينقسم إلى واجب كحسن الظن بالله تعالى، وحرام كسوء الظن به تعالى وبكل من ظاهره العدالة، ومندوب وهو حسن الظن بمن ظاهره العدالة، وجائز كظن السوء بمن وقف مواقف التهم٤. قال تعالى٥ "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" ٦ - يعني: ١ قوله: (قال الشاعر) سقطت من"المؤلفات"، وهو كذلك في"زاد المعاد". ٢ كلمة: (منها) سقطت من"الأصل"، وألحقته من بقية النسخ. ٣ كلام ابن القيم هذا انطره بتوسع وبسط في"زاد المعاد": (٣/٢٢٨- ٢٣٥)، وقد اختصره الشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتقى منه ما يناسب الباب ٠. ٤ انطر:"دليل الفالحين شرح رياض الصالحين": (٢/ ٣٥٩- ٣٦٠) ٠. ٥ يعني: في الحديث القدسي. ٦ [ا٢٥ح] الحديث بهذا اللفظ انطره في"المستدرك"للحاكم: (٤/ ٢٤٠) . وفي"صحيح ابن حبان":"الإحسان": (٢/ ١٥،ح ٦٣٣)، وفي"مسند الإمام أحمد": (٣/ ٤٩١) ٠ والحديث من رو، الآية واثلة بن الأسقع﵁- ٠ وأول هذا الحديث:"أنا عند ظن عبدي بي". فد أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة﵁-. ففي الأول انظره: مع"الفتح": (١٣/ ٤٦٦، ح ٥٧٠٥)، كتاب التوحيد. وفي الثاني انظره: مع"شرح النووي": (١٧/ ٦٥، ح ١/ ٢٦٧٥)، كتاب التوبة. انظر بقية تخريج الحديث في الملحق.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
فأنا أعامله على حسب ظنه، وحسن الظن به عبادة، وسوء الظن به من أكبر المعاصي. يروى عن ابن عمر - ﵄ - قال: "عمود الدين وغاية مجده وذروة سنامه حسن الظن بالله تعالى، فمن مات وهو يحسن الظن بالله دخل الجنة".
وفي الحديث قال النبي ﷺ " لا يموتن أحدكم حتى يحسن الظن بالله تعالى١ فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة " ٢.
_________________
(١) ١ [٢٥١ح] "صحيح مسلم شرح النووي": (١٧/ ٢١٤،ح ٨١، ٨٢/ ٢٨٧٧)، كتاب الجنة، باب الأمر بحسن الظن بالله."سنن أبي داود": (٣/ ٤٨٤- ٤٨٥، ح ٣١١٣)، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من حسن الظن بالله. والحديث عن جابر بن عبد الله﵁-. انظر بقية التخريج في الملحق. ٢ هذه الزيادة لم أجدها فيما بحثت فيه، ولعلها من كلام الشارح استفادها من كلام ابن عمر المتقدم قريبا.
[ ٢ / ٥٠٨ ]