وقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ
_________________
(١) ﴿١٠ - باب لا يذبح لله١ بمكان يذبح فيه لغير الله﴾ ﴿وقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ ٢ الآية، قال ابن عباس - ﵄-: " لا تصل فيه أبدا٣ منع الله ﷿ نبيه ﷺ أن يصلي في مسجد الضرار " -سمي مسجد الضرار-; لأن المنافقين بنوه لمضارة المسلمين، وقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ ٤ يعني بني على تقوى الله ﷿ ٥ ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يعني: من أول يوم بني ووضع أساسه٦ ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ﴾ ٧ أي: مصليا،٨. واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال عمر٩ وزيد بن ثابت١٠ وأبو سعيد الخدري: (هو مسجد رسول الله
(٢) هكذا في «الأصل»، و«المؤلفات»، وفي «ر»، و«ع» سقط لفظ الجلالة، وفي «ش»: (باب لا يذبح فيه لغير الله) .
(٣) سورة التوبة، الآية: ١٠٨.
(٤) «تفسير ابن الجوزي»: (٣/٥٠٠)، و«تفسير البغوي»: (٢/٣٢٧)، و«تفسير القرطبي»: (٨/٢٥٨)، و«تفسير ابن كثير»: (٢/٤٠٣) .
(٥) سورة التوبة، الآية: ١٠٨.
(٦) انظر: «تفسير الطبري»: (٧/١١/٢٦)، و«تفسير ابن كثير»: (٢/٤٠٣) .
(٧) انظر: «تفسير الطبري»: (٧/١١/٢٦)، و«تفسير البغوي»: (٢/٣٢٧) .
(٨) سورة التوبة، الآية: ١٠٨.
(٩) انظر: «تفسير الطبري»: (٧/١١/٢٦)، و«تفسير البغوي»: (٢/٣٢٧) .
(١٠) هكذا في جميع النسخ، وفي الأصول من كتب التفسير: (ابن عمر) .
(١١) هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي -أبو سعيد-، وقيل: أبو عبد الرحمن، كتب لرسول الله ﷺ الوحي، وكان أعلم الصحابة في الفرائض، وكان من أفكه الصحابة في مجلسه وأوقرهم، توفي -﵁- سنة ٤٥ هـ على الأشهر. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (٢/١٢٦-١٢٧)، «الإصابة»: (٤/٤١-٤٣) .
[ ١ / ١٥٨ ]
ﷺ يعني: مسجد المدينة، "١. ويدل عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري (قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض، قال: هو مسجدكم هذا -لمسجد المدينة - "٢ أخرجه مسلم٣.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي "٤ وفي رواية عن ابن عباس -﵄- وعروة بن الزبير٥ وسعيد بن جبير وقتادة
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري»: (٧/١١/٢٦-٢٧)، و«تفسير البغوي»: (٢/٣٢٧)، و«تفسير ابن الجوزي»: (٣/٥٠١) .
(٢) مسلم: الحج (١٣٩٨)، والترمذي: تفسير القرآن (٣٠٩٩)، والنسائي: المساجد (٦٩٧)، وأحمد (٣/٨،٣/٢٣،٣/٢٤،٣/٨٩،٣/٩١) .
(٣) [٧٨ ح] «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٩/١٧٨، ح ٥١٤/١٣٩٨)، كتاب الحج، باب بيان المسجد الذي أسس على التقوى. «سنن النسائي»: (٢/٣٦، ح ٦٩٧)، كتاب المساجد، باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى. انظر بقية تخريج الحديث في الملحق.
(٤) [٧٩ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (٣/٧٠، ح ١٩٦)، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب ما بين القبر والمنبر، و«صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٩/١٧١، ح ١٣٩١)، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة. انظر بقية التخريج في الملحق.
(٥) هو: عروه بن الزبير بن العوام -أبو عبد الله- روى عن كثير من الصحابة، وهو تابعي ثقة، وقال عروة بن الزبير لعلي في الكلام عن جور من جار من بني أمية: (يا علي، إن من اعتزل أهل الجور -والله يعلم من سخطه لأعمالهم- فإن كان منهم على ميل ثم أصابتهم عقوبة الله رجي له أن يسلم مما أصابهم)، ثم خرج عروة وسكن العقيق، وقد اختلف في وفاته من سنة ٩١-١٠١ هـ. انظر ترجمته في: «تهذيب التهذيب»: (٧/١٨٠-١٨٥)، «طبقات ابن سعد»: (٥/١٧٨-١٨٢) .
[ ١ / ١٥٩ ]
فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ .
_________________
(١) أنه مسجد قباء١ ويدل عليه سياق الآية، وهو قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٢ قال [كانوا]،٣ يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم٤ أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث غريب،٥ وقباء -بالضم والتخفيف- هو من عوالي المدينة، والأشهر مده وصرفه وتذكيره، والعوالي موضع قريب من المدينة، وكأنه جمع عالية، قاله في "المصباح"،٦ وفي "المقرب"٧
(٢) انظر: «تفسير ابن الجوزي»: (٣/٥٠١)، وزاد أبو سلمة والضحاك ومقاتل، و«تفسير السيوطي»: (٤/٢٨٨)، و«تفسير الطبري»: (٧/١١/٢٧، ٢٨) . وهناك قول ثالث ذكره ابن الجوزي أنه كل مسجد بني في المدينة: قاله محمد بن كعب.
(٣) سورة التوبة، الآية: ١٠٨.
(٤) في «الأصل»: (كان)، والصواب المثبت من النسخ الأخرى.
(٥) سقطت كلمة: (فيهم) من «ر» .
(٦) «سنن أبي داود»: (١/٣٩، ح ٤٤)، كتاب الطهارة، باب في الاستنجاء بالماء، وقد جاء الحديث مرويا عن أبي هريرة -﵁-. «سنن الترمذي»: (٥/٢٨٠-٢٨١، ح ٣١٠٠)، كتاب التفسير، باب من سورة التوبة، وهو مروي -أيضا- عن أبي هريرة. والحديث صححه الألباني، انظر: «صحيح سنن أبي داود»: (١/١١، ح ٣٤) . و«صحيح سنن الترمذي»: (٣/٥٧، ح ٢٤٧٦) .
(٧) قال النووي: العوالي مواضع وقرى بقرب مدينة رسول الله ﷺ من جهة الشرق وأقرب العوالي إلى المدينة على أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وأبعدها ثمانية. انظر: «تهذيب الأسماء واللغات»: (٢/القسم الثاني، ص ٥٤)، وانظر: «المصباح المنير»: (ص ٤٨٩) .
(٨) لعله اسم كتاب من كتب المعاجم اللغوية ولم أقف عليه.
[ ١ / ١٦٠ ]
أنه على نصف فرسخ من المدينة.
ومما يدل على فضل مسجد قباء ما روي عن ابن عمر -﵄- قال: " كان النبي ﷺ يزور قباء راكبا و[ماشيا]،١ فيصلي فيه ركعتين "رواه البخاري ومسلم٢.
وعن أسيد بن ظهير٣ أن النبي ﷺ قال: " الصلاة في مسجد قباء كعمرة "٤ أخرجه الترمذي٥.
_________________
(١) قوله: (ماشيا) سقط من «الأصل»، وأثبته من بقية النسخ.
(٢) «صحيح البخاري مع الفتح»: (٣/٦٨، ح ١١٩١)، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب مسجد قباء. و«صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٩/١٧٩، ح ٥١٦)، كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته.
(٣) هو: أسيد بن ظهير بن رافع بن عدي بن زيد الأنصاري الأوسي الحارثي، يكنى: أبو ثابت، له ولأبيه صحبة، استصغر في يوم أحد وشهد الخندق، توفي في خلافة عبد الملك بن مروان. انظر ترجمته في: «الإصابة»: (١/٧٦-٧٧)، «أسد الغابة»: (١/١١٤)، «الاستيعاب»: ضمن «الإصابة»: (١/١٨٠) .
(٤) الترمذي: الصلاة (٣٢٤)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٤١١) .
(٥) «سنن الترمذي»: (٢/١٤٦، ح ٣٢٤)، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء. وكذا في «سنن ابن ماجه»: (١/٤٥٢، ح ١٤١١)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء. «مستدرك الحاكم»: (١/٤٨٧)، كتاب المناسك، باب فضل النبي ﷺ ومسجد قباء. «صحيح ابن حبان»: «الإحسان»: (٣/٧٤، ح ١٦٢٥)، من رو، الآية ابن عمر -﵁-. والحديث قال فيه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه ابن حبان -كما ترى-، وصححه الألباني كما في «صحيح سنن الترمذي»: (١/١٠٤، ح ٢٦٧)، و«صحيح سنن ابن ماجه»: (١/٣٧، ح ١١٥٩) .
[ ١ / ١٦١ ]
عن ثابت بن الضحاك ﵁ " قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادها؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم "١ رواه أبو داود وإسناده على شرطهما.
_________________
(١) عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة﴾ قال في "النهاية": هي هضبة وراء ينبع، وقيل: هي موضع في أسفل مكة دون يلملم٢ " فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادها٣؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله " كالقتل والزنا وصوم يوم العيد ﴿ولا فيما لا يملك ابن آدم "﴾ ومن شروطه إطلاق التصرف فيما نذره ﴿رواه أبو داود وإسناده على شرطهما٤﴾ أي: البخاري ومسلم.
(٢) أبو داود: الأيمان والنذور (٣٣١٣) .
(٣) تبعد عن مكة إلى جهة الجنوب بثلاثين ميلا وتعادل ٤٨ كيلا، وهي ميقات أهل اليمن ومن في جهتهم، وتسمى اليوم السعدية، وبها مسجد معاذ بن جبل. انظر: «معجم البلدان»: (٥/٤٤١)، «حجة النبي ﷺ «: (ص ٤٨) .
(٤) هكذا في «الأصل»، وفي بقية النسخ و«المؤلفات»: (أعيادهم)، والوجهان سائغان فيكون الضمير في أعيادها على الجاهلية، وفي أعيادهم على الكفار، وهو الموافق لأصل الحديث.
(٥) [٨٠ ح] «سنن أبي داود»: (٣/٦٠٧، ح ٣٣١٣)، كتاب الإيمان والنذور، باب ما يؤمر به من الوفاء بالنذر. «السنن الكبرى» للبيهقي: (١٠/٨٣)، كتاب النذور، باب من نذر أن ينحر بغير مكة. والحديث صححه ابن حجر في «تلخيص الحبير»: (٤/١٨٠) . وصححه الألباني كما في «صحيح سنن أبي داود»: (٢/٦٣٧، ح ٢٨٣٤)، و«مشكاة المصابيح»: (٢/١٠٢٤، ح ٣٤٣٧) . انظر بقية التخريج في الملحق.
[ ١ / ١٦٢ ]
وجه١ مطابقة الآية للترجمة من جهة التشبيه والقياس، فقاس الذبح في الموضع الذي يذبح فيه لغير الله بالنهي عن الصلاة في مسجد الضرار مع أن الأرض لا تعصي الله، ولكن أثرت معصية المنافقين فيها، وتخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع، مثل إذا كان في البقعة وثن من أوثان الجاهلية ولو كان بعد زواله، وكذلك إذا كان فيها عيد من أعيادهم وفيه الحذر عن مشابهة المشركين، ولو لم يقصد ذلك، فقد صح في الحديث أن " من تشبه بقوم فهو منهم " ٢ [حكمه حكمهم لأن كل معصية ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله، فكل من لابس منها شيئًا فهو منهم] ٣.
ومما يشبه ذلك نهيه ﷺ عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها معللا أن ذلك وقت سجود الكفار لها٤ إبعادًا
_________________
(١) هكذا في كل النسخ، أخر: (وجه مطابقة ال، الآية للترجمة) إلى هنا، وكان الأولى أن يكون قبل حديث ثابت بن الضحاك.
(٢) «سنن أبي داود»: (٤/٣١٤، ح ٤٠٣٠)، كتاب اللباس، باب لباس الشهرة. «مسند الإمام أحمد»: (٢/٥٠)، «مسند عبد بن حميد»: «المنتخب»: (ص ٢٦٧، ح ٨٤٨) . الحديث مروي عن عبد الله بن عمر -﵄-. والحديث صححه الألباني، انظر: «صحيح سنن أبي داود»: (٢/٧٦١، ح ٣٤٠١)، و«إرواء الغليل»: (٥/١٠٩، ح ١٢٦٩) .
(٣) ما بين القوسين سقط من «الأصل»، وأضفته من النسخ الأخرى.
(٤) الحديث الذي فيه النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، ورد في «صحيح البخاري» بلفظ: «ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان» . انظر: «صحيح البخاري مع الفتح»: (٦/٣٣٥، ح ٣٢٧٣) . وكذلك في مسلم و«الموطأ «، و«مسند الإمام أحمد» . وأما التعليل بأن ذلك وقت سجود الكفار لها فقد ورد في «سنن أبي داود «: (٢/٥٦- ٥٧، ح ١٢٧٧): « ثم اقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح أو رمحين فإنها تطلع بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار» . وورد في «سنن النسائي»: (١/٢٨٠، ح ٥٧٢): ( فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس فإنها تطلع بين قرني الشيطان وهي ساعة صلاة الكفار ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس فإنها تغيب بين قرني شيطان وهي صلاة الكفار» .
[ ١ / ١٦٣ ]