عن جبير بن مطعم قال: " جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك
_________________
(١) ﴿باب لا يستشفع بالله تعالى على خلقه عن جبير بن مطعم١ قال: ﵁- ﴿قال: جاء أعرابي﴾ رجل من أهل٢ البادية ﴿إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت﴾ أي: ضعفت، وفي رواية: جهدت٣ ﴿الأنفس، وجاع العيال﴾ من قلة القوت ﴿وهلكت الأموال﴾ وفي رواية:" نهكت الأنعام "٤ بسبب انقطاع الغيث ﴿فاستسق لنا ربك﴾ يعني: اسأله لنا أن يسقينا، هو لغة: طلب السقيا، وشرعا: طلب سقيا العباد من الله تعالى عند حاجتهم إليها. ١ هو: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل أبو محمد، ويقال: أبو عدي القرشي، كان من حلماء قريش وسادتهم، وأبوه هو الذي أجار النبي ﷺ لما قدم من الطائف بعد دعوته ثقيفا إلى الإسلام، وأحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وبني المطلب، أسلم جبير بين الحديبية والفتح، وقيل: في الفتح، وتوفي في عهد معاوية سنة ٥٧هـ، او ٥٨هـ، أو ٥٩هـ. انظر ترجمته في:"أسد الغابة": (١/٣٢٣ - ٣٢٤)،"تهذيب التهذيب": (٢/٦٣ - ٦٤)،"الإصابة": (٢/٦٥ - ٦٦) . ٢ هذا في"الأصل"، وفي بقية النسخ: (رجل من البادية) . ٣ رو، الآية:"جهدت"في"سنن أبي داود"، وسيأتي ذكر موضعها في نه، الآية الحديث: (ص ٥٥٦) حاشية (٣) . ٤ الروايات التي ذكرت الأنعام ذكر فيها"هلكت أو جهدت الأنعام"، وأما "نهكت" فاستعملت مع الأموال ومع الأنفس في ألفاظ الحديث التي وقفت عليها.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
فإنا نستشفع بالله عليك، فقال النبي ﷺ سبحان الله، فما زال يسبح، حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله تعالى أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد " وذكر الحديث. رواه أبو داود.
_________________
(١) وهو ثلاثة أنواع: أدناها: أن يكون بالدعاء، وأوسطها بالدعاء١ خلف الصلاة، وفي خطبة الجمعة ونحوها، وأكملها أن يكون بصلاة وخطبة. ﴿فإنا نستشفع بالله عليك﴾ أي: نتوسل٢ بالله عليك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا [وبك على الله] أي: بدعائك إلى الله تعالى [فقال النبي ﷺ سبحان الله، فما زال يسبح﴾ يعني: يكرر التسبيح ﴿حتى عرف ذلك﴾ الغيار ﴿في وجوه أصحابه﴾ الحاضرين ﴿ثم قال: ويحك﴾ كلمة زجر كويلك ﴿أتدري ما الله؟﴾ أي: ما عظمة الله تعالى ﴿إن شأن الله تعالى أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد وذكر الحديث﴾ وتمامه إن عرشه على سماواته كهذا قال بأصابعه مثل القبة عليه، وإنه ليئط به أطيط الرجل بالراكب" ﴿رواه أبو داود٣﴾ . ١ كلمة: (بالدعاء) سقطت من"ش". ٢ قوله: (بالله عليك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، "وبك على الله" أي: نتوسل) سقط من"ر". ٣ [٢٩١ ح] "سنن أبي داود": (٥/٩٤ - ٩٥، ح ٤٧٢٦)، كتاب السنة، باب في الجهمية. كتاب"الرد على الجهمية"للدارمي: (ص ٢٤) . كتاب "السنة" لابن أبي عاصم: (١/٢٥٢، ح ٥٧٥) . والحديث قال الذهبي عنه في "العلو" (ص ٣٩): هذا حديث غريب جدا فرد، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسعد، وله مناكير وعجائب فالله أعلم أقال النبي ﷺ هذا أم لا) . وضعفه الألباني كما في "ضعيف سنن أبي داود": (ص ٤٧٠، ح ١٠١٧)، و"ظلال الجنة في تخريج السنة": (ص ٢٥٢-٢٥٣، ح ٥٧٥) . انظر بقية تخريج الحديث في الملحق.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
قوله: سبحان الله هو من الأسماء التي لا تستعمل إلا مضافة أبدا وهو علم للتسبيح كعثمان للرجل، وهو لا ينصرف كونه علما، ويكون لأحد معنيين: إما للتنزيه وإما التعجب، وهو هنا للتنزيه، وانتصابه بفعل مضمرة، تقديره أسبح الله سبحان١ ثم نزل منزلة الفعل وسد مسده ودل على التنزيه البليغ من [جميع] ٢ القبائح التي تضيفها إليه أعداؤه.
قال طلحة بن عبيد الله٣ ﵁ سألت [رسول الله] ٤ ﷺ عن تفسير سبحان الله، فقال: تنزيه الله تعالى عن كل سوء ".٥
_________________
(١) ١ في"الأصل": (سبحان)، وفي بقية النسخ: (سبحانه) . ٢ صحفت ف ي"الأصل" إلى: (جهة)، والصواب ما أثبته من بقية النسخ. ٣ هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان أبو محمد القرشي التيمي المكي، الصحابي الجليل وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وكان ممن سبق إلى الإسلام وابتلي على إسلامه، كان ممن وقى رسول الله ﷺ بنفسه يوم أُحد واتقى عنه النبل بيده حتى شلت أصبعه وضرب على رأسه، توفي سنة ٣٦ هـ. انظر ترجمته في:"حلية الأولياء": (١/ ٨٧-٨٨)،"أسد الغابة": (٢/ ٤٦٧- ٤٧١)، "الإصابة": (٥/ ٢٣٢- ٢٣٣) . ٤ في"الأصل": (سألت النبي)، وما أثبته اتفقت عليه النسخ الأخرى وهو الموافق لأصل الحديث. ٥ "المستدرك على الصحيحين": (١/ ٥٠٢)، كتاب الدعاء. والحديث قال فيه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
قال ابن حجر١ في "فتح الباري" معناه: تنزيه الله عما لا يليق به٢ من كل نقص فيلزم نفي٣ الشريك والصاحب والولد وجميع الرذائل٤.
وإنكاره ﷺ قول الأعرابي (فإنا نستشفع بالله عليك) لأن الشافع يسأل المشفوع إليه، والعبد يسأل ربه ويشفع إليه، والرب تعالى وتقدس لا يسأل عبده، ولا يشفع إليه، ومثله أتوجه بالله عليك فإنه لا يجوز، ولم ينكر النبي ﷺ قوله: (وبك على الله) فإنه جائز بل يستحب الاستسقاء به في حياته بخلافه بعد موته٥ لأن عمر ﵁ لم يستسق به بعد موته، بل بعمه العباس ﵁ بواسطة دعائه كما صح في البخاري٦.
_________________
(١) ١ هو: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر من أئمة العلم والتاريخ، أصله من عسقلان (بفلسطين)، رحل إلى اليمن وغيرها لسماع الشيوخ وأصبح حافظ الإسلام في عصره، من أعظم مؤلفاته عند الناس وعنده كتابه"فتح الباري"، وُلد سنة ٧٧٣ هـ، وتوفي سنة ٨٥٢ هـ. انظر ترجمته في:"البدر الطالع": (١/ ٨٧- ٩٢)،"معجم المؤلفين": (٢/ ٢٠- ٢٢)، "الضوء اللامع": (٢/ ٣٦- ٤٠)، "شذرات الذهب": (٧/ ٢٧٠- ٢٧٢) . ٢ كلمة: (به) سقطت من "ر"، وهي ثابتة في بقية النسخ كما هو في "الفتح". ٣ هذا في "الأصل"، وهو الموافق لما في "الفتح"، وقد سقطت كلمة: (نفى) من النسخ الأخرى. ٤ انظر:"فتح الباري على صحيح البخاري": (١١/ ٢٠٦)، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح. ٥ ويعني بالاستسقاء به، أي: بدعائه كما دلت عليه الدلائل كمجيء الأعرابي الذي اشتكى إلى رسول الله ﷺ قلة الأمطار وهلاك الأموال وجياع العيال، كما تقدم الحديث في ذلك: (ص ٥٥٥) في أول الباب، حيث طلب من النبي ﷺ الدعاء، وكما استسقى عمر بالعباس عم النبي ﷺ بعد موت النبي ﷺ حيث طلب فيه الدعاء، وكما استسقى معاوية بيزيد بن الأسود، كما سيأتي ذكره هنا. ٦ والحديث في ذلك أن أنس بن مالك - ﵁- روى أن عمر بن الخطاب﵁- كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال: فيسقون. والحديث في "صحيح البخاري"، انظره: مع"الفتح": (٢/ ٤٩٤، ح ١٠١٠)، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا. وانظر:"طبقات ابن سعد": (٤/ ٢٨- ٢٩) .
[ ٢ / ٥٥٨ ]
ويستحب أن يستسقى بأهل الفضل والصلاح، وإذا كان من أهل بيت رسول الله ﷺ كان أولى وأحسن.
يروى أن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - استسقى بيزيد١ ابن الأسود الجرشي٢ وقال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا، وقال: يا يزيد، ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه ودعا ودعوا فسقوا٣ ولم يشرع الاستسقاء بالميت والغائب.
_________________
(١) ١ في "الأصل" و"ع": (يزيد)، وفي "ر" و"ش": (بديد)، والصواب الذي أثبته تصحيحا من المصادر الحديثية: (بيزيد بن الأسود) . ٢ هو: يزيد بن الأسود الجرشي أبو الأسود، كان من سادة التابعين بالشام، أسلم في حياة النبي ﷺ، وكان من العباد، استسقى به معاوية بن أبي سفيان﵁- فقال له: قم يا بكاء، وحديثه في ذلك كما هو هنا، ذكر ابن منده أن منهم من عده من الصحابة ولم يثبت. انظر ترجمته في:"الإصابة": (١٠/ ٣٨٢- ٣٨٣)،"طبقات ابن سعد": (٧/ ٤٤٤)،"سير أعلام النبلاء": (٤/ ١٣٦- ١٣٧) . ٣ [١٧ ث] "طبقات ابن سعد": (٧/ ٤٤٤) ."المعرفة والتاريخ"للفسوي: (٢/ ٣٨٠- ٣٨١)، "تاريخ دمشق" لابن عساكر: (١٨/ ١٢٢)، والأثر عن التابعي سليم بن عامر الخبائري. والأثر صححه الألباني كما في كتابه"التوسل: أنواعه وأحكامه". انظر: (ص ٤٥) . انظر بقية تخريج الأثر في الملحق.
[ ٢ / ٥٥٩ ]