روى مالك في "الموطأ"أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "
_________________
(١) أشرار الناس، وسواء بنوا عليها مساجد أو عندها، أو صلوا عندها ولو عبدوا الله فيها سدا للذريعة إلى الشرك قبل وقوعه، والله أعلم.١ ﴿باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله﴾ ﴿روى مالك﴾ بن أنس -رحمه الله تعالى- ﴿في"الموطأ" أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "٢﴾ قال العلماء: لا يجوز بناء المساجد على القبور ولم يقل أحد من أئمة المسلمين أن الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبة، أو فيها فضيلة، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين سواء سميت مشاهد أو لم تسم. ١ قوله: (والله أعلم) زيدت في"الأصل"فقط. ٢ تقدم جزء من هذا الحديث في الشرح: (ص ٢٢٧)، وخرج مختصرا، وتم تخريجه بتوسع برقم (١٠٢ ح) في الملحق.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره، وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: "كان يلت السويق للحاج".
_________________
(١) ﴿ولابن جرير١ بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ٢ قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره، وكذا قال أبو الجوزاء٣ عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج٤﴾ وهو رجل صالح بالطائف يطعم من يمر عليه من الحجاج، فلما مات عكفوا ١ هو: محمد بن جرير بن يزيد الطبري -أبو جعفر- المفسر المشهور، بين في ثنايا تفسيره الرد على الملحدين وله كتاب سماه"التبصير"شرح فيه ما يتقلده من أصول الدين، وله كتاب"شرح السنة" بين فيه ما يدين الله به، ونقل أنه لما بلغه أن أبا بكر بن أبي داود السجستاني تكلم في حديث غدير (خم) ألف كتابا سماه"كتاب الفضائل"وبين فضل الخلفاء الأربعة وتكلم فيه على تصحيح حديث غدير (خم)، قال الذهبي: وقد وقع بين ابن جرير وبين ابن أبي داود، وكان كل منهما لا ينصف الآخر قال: وكان ابن جرير من رجال"الكمال"وشنع عليه بيسير تشيع وما رأينا إلا الخير، وُلد سنة ٢٢٤ هـ، وتوفي سنة ٣١٠ هـ."طبقات المفسرين": (٢/ ١١٠- ١١٨)،"وفيات الأعيان": (٣/ ٣٣٢)،"سير أعلام النبلا": (١٤/ ٢٦٧- ٢٨٢) . ٢ سورة النجم، الآية: ١٩. ٣ هو: أوس بن عبد الله- أبو الجوزاء- الربعي البصري، تابعي، كان أحد العباد، ومما قاله: (ما لعنت شيئا قط ولا أكلت شيئا ملعونا قط ولا آذيت أحدا قط)، ومما قاله: (ما ماريت أحدا قط)، وقوله: (لأن أجالس الخنازير أحب إليَّ من أن أجالس أحدا من أهل الأهواء)، قيل: بأنه قتل أيام الجماجم سنة ٨٣ هـ. انظر ترجمته في:"تهذيب التهذيب": (١/ ٣٨٥)،"سير أعلام النبلاء": (٤/ ٣٧١-٣٧٢)،"الطبقات"لابن سعد: (٧/ ٢٢٣-٢٢٤) . ٤ سبق تخريجه (ص ١٣٧)، وانظر الملحق (٣ ث) .
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وعن ابن عباس -﵄- قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " رواه أهل السنن.
_________________
(١) على قبره.١ والعكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها حرام لا يجوز، ولهذا اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين من الصحابة وأهل البيت وغيرهم فإنه لا يتمسح به ولا يقبله،٢ بل ليس في الدنيا ما شرع تقبيله إلا الحجر الأسود، وقد ثبت في"الصحيحين" أن عمر ابن الخطاب ﵁ قال: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك"٣ لأن تقبيله من العبادات التي لا يفهم معانيها كالسعي والرمي.٤ ﴿وعن ابن عباس -﵄- قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " رواه أهل السنن﴾ ٥ أما لعنه ١ ذكر ذلك ابن حجر في"فتح الباري": (٨/ ٦١٢) . ٢ انظر كتاب"الزيارة"لشيخ الإسلام ابن تيمية- ضمن"الجامع الفريد"-: (ص ٣٨٣) . ٣ سبق تخريجه في (ص ١٤٢)، وانظر: الملحق (٥ ث) . ٤ قوله: (لأن تقبيله من العبادات التي لا يفهم معانيها كالسعي والرمي) سقط من النسخ الأخرى غير"الأصل". ٥ [١٠٧ ح] "سنن أبي داود": (٣/ ٥٥٨، ح ٣٢٣٦)، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور. و"سنن الترمذي": (٢/ ١٣٦، ح ٣٢٠)، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا. الحديث: قال فيه الترمذي حديث حسن. وضعفه الألباني بهذا اللفظ، انظر:"الأحاديث الضعيفة": (١/ ٢٥٨، ح ٢٢٥)، و"ضعيف سنن النسائي": (ص ٧١، ح ١١٨) . وحسنه بلفظ:"لعن رسول الله - ﷺ - زوارات القبور". انظر:"صحيح سنن ابن ماجه": (١/ ٢٦٣، ح ١٢٨٠) . انظر بقية التخريج في الملحق.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
زائرات القبور فلمظنة البكاء والنوح لما فيهن من رقة القلوب وكثرة الجزع وقلة احتمال المصائب فيخشى منهن المحذور، وأما الرجال فزيارتهم القبور مندوب لحديث أبي هريرة رضي الله عنهوغيره قال: قال رسول الله ﷺ " زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة " رواه ابن ماجه.١
وفي رواية ابن مسعود: "فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة"٢ والوارد المأثور من الدعاء في زيارة القبور منه ما رواه مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا [إلى] ٣ المقابر: " السلام
_________________
(١) ١"سنن ابن ماجه": (١/ ٥٠٠، ح ١٥٦٩)، كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور."سنن الترمذي": (٣/ ٣٦١، ح ١٠٥٤)، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور."سنن النسائي": (٤/ ٨٩، ح ٢٠٣٢)، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، لكن عند الترمذي والنسائي يختلف اللفظ يسيرا، وروي الحديث عن بريدة. والحديث صححه الألباني، انظر:"صحيح سنن ابن ماجه": (١/ ٢٦٢، ح ١٢٧٥)، و"أحكام الجنائز": (ص ١٧٨- ١٧٩)، وقد ذكر له شواهد. ٢"سنن ابن ماجه": (١/ ٥٠١، ح ١٥٧١)، كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور."السنن الكبرى"للبيهقي: (٤/ ٧٧)، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور. هذا اللفظ ضعفه الألباني. انظر:"ضعيف سنن ابن ماجه": (ص ١١٩، ح ٣٤٣) . ولكنه صحح ألفاظا أخرى بمعناه جاءت عن بريدة بن الحصيب، وعن أبي سعيد الخدري، وعن أنس. وفي هذا تنبيه لمن يتجرأ في المجالس بالتصحيح والتضعيف للأحاديث بمجرد السماع لغيره أن حديث كيت وكيت ضعيف قبل أن يعرف قواعد التضعيف والتصحيح فإن هذا الحديث قد حكم عليه بالضعف من طريق، وصحح من طريق آخر فلينتبه لهذا. ٣ في"الأصل": (من المقابر)، وفي"ع"، و"ش": (للمقابر)، والمثبت من"ر".
[ ٢ / ٢٣٨ ]
عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية "١.
وعن ابن عباس -﵄- قال: مر النبي ﷺ بقبور بالمدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: " السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا، ونحن بالأثر "٢ رواه الترمذي.٣ وعن محمد بن [النعمان] ٤٥ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: " من زار قبر أبويه أو أحدهما [في كل جمعة] ٦ غفر له، وكتب له برًّا " رواه البيهقي
_________________
(١) ١"صحيح مسلم مع شرح النووي": (٧/ ٤٩، ح ١٠٤/ ٩٧٥)، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها."سنن ابن ماجه": (١/ ٤٩٤، ح ١٥٤٧)، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما قال إذا دخل المقابر. و"مسند الإمام أحمد": (٥/ ٣٥٣) . ٢ الترمذي: الجنائز (١٠٥٣) . ٣"سنن الترمذي": (٣/ ٣٦٠، ح ١٠٥٣)، كتاب الجنائز، باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر."الأذكار"للنووي: (ص ٢١٩) . وأحاله الشيخ الألباني في"أحكام الجنائز": (ص ١٩٧) إلى الضياء في"المختارة". والحديث قال عنه الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الألباني في"أحكام الجنائز" (ص ١٩٧): في سنده قابوس بن أبي ظبيان، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: رديء الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له. وضعفه في"ضعيف سنن الترمذي": (١/ ١١٧، ح ١٧٦)، و"ضعيف الجامع": (ص ٤٩٤، ح ٣٣٧٢) . ٤ كلمة: (النعمان) صححت من النسخ الأخرى، وقد رسمت في"الأصل": (النعمى) . ٥ هو: محمد بن النعمان أبو اليمان البصري، روى عنه عبد الله بن بكر السهمي وأبو موسى محمد بن المثنى، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو شيخ مجهول، وكذلك حكم عليه الذهبي بالجهالة. انظر ترجمته في:"كتاب الجرح والتعديل": (٨/ ١٠٨)،"ميزان الاعتدال": (٤/ ٥٦) . ٦ زيادة: (كل جمعة) من بقية النسخ غير"الأصل"، وهي تتفق مع الأصول.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
في"شعب الإيمان" مرسلًا.١
وأما لعنة المتخذين عليها المساجد فقد علم مما تقدم تحريمه،٢ وأما لعنة من اتخذ السرج عليها بالشمع والزيت وغيرهما فلأن الموتى قد صاروا إلى البلى، فلا يليق السرج لهم;٣ ولأنه من الإسراف الذي لا فائدة فيه، ومع ذلك فقصد من فعله التعظيم والتبرك بصاحب القبر، فهو من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله رب العالمين، فكيف بمن يأتي القبر يسأله أن يزيل مرضه ويقضي دينه، فهو مشرك يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
تتمة: اعلم أن هدم البناء على٤ القبور والقبب واجب; لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ لأنه قد نهى عن البناء عليها، ولعن فاعله.٥
_________________
(١) ١ [١٠٨ ح] "شعب الإيمان"للبيهقي: (٦/ ٢٠١، ح ٧٩٠١) . وقد أورد الحديث الهيثمي في"مجمع الزوائد": (٣/ ٥٩)، باب زيارة القبور، مرويا عن أبي هريرة مرفوعا، وأحاله على الطبراني في"الأوسط"و"الصغير". وفي"كنز العمال": (١٦/ ٤٦٨، ح ٤٥٤٨٧) مرويا عن أبي هريرة- أيضا- وأحاله على الحكيم. والحديث قال فيه العراقي في"تخريج الإحياء" (٤/ ٥٢١- ٥٢٢): معضل. وذكر السيوطي في"اللآلئ" (٢/ ٤٤٠) بأن فيه ضعيف ومجهولان. وحكم الألباني عليه في"سلسلة الأحاديث الضعيفة": (١/ ٦٥- ٦٦، ح ٤٩) بالوضع، وقال: إن فيه محمد بن النعمان مجهول، ويحيى بن العلاء متروك، وعبد الكريم بن أمية ضعيف. انظر لزيادة تخريجه وبيان الحكم عليه في الملحق. ٢ قوله: (وأما لعنة المتخذين عليها المساجد فقد علم مما تقدم تخريجه) سقط من"ر"، وهو ثابت في"الأصل"، وبقية النسخ. ٣ قوله: (السرج لهم) سقط من"ع"، و"ش"، وهو ثابت في البقية. ٤ قوله: (البناء على) سقط من"ر"، وهو ثابت في بقية النسخ، و"الأصل". ٥ وقد تقدم ذكر الأدلة على ذلك في هذا الباب والباب الذي قبله. انظر: (ص ٢٢٤، ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٧) .
[ ٢ / ٢٤٠ ]