وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
_________________
(١) صحت خارج"الصحيحين"، وبلغت تسعين جزءا، واخترمته المنية قبل تمامها. ﴿باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان) ﴿وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ نزلت في كعب بن الأشرف وسبعين راكبا من اليهود قدموا مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ونزل كعب بن الأشرف١ على أبي سفيان٢ فأحسن مثواه، ونزل باقي اليهود على قريش في ١ هو: كعب بن الأشرف، يهودي، هجاء المسلمين بعد وقعة بدر وآذاهم، وكان يحرض المشركين على حربهم فأمر رسول الله ﷺ بقتله، وكان ذلك في سنة ٣ هـ على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة. انظر خبر قتله في:"طبقات ابن سعد": (٢/ ٣١- ٣٤)،"السيرة"لابن هشام: (٣/ ١٢ - ١٨)،"كتاب المغازي": (١/ ١٨٤- ١٩٣) . ٢ هو: صخر بن حرب بن أمية، المشهور بكنيته: أبو سفيان، وهو والد معاوية، كان من أشراف قريش، وكان تاجرا، وهو الذي قاد قريشا في أُحد، أسلم ليلة الفتح وشهد مع الرسول - ﷺ - حنينا والطائف، وكان من الذين تألفهم رسول الله فأعطاهم عطاءً حسنا، وُلد أبو سفيان قبل الفيل بعشرة سنين، ومات في خلافة عثمان سنة ٣٢ هـ. انظر ترجمته في:"أسد الغابة": (٥/ ١٤٨- ١٤٩)،"الإصابة": (٥/ ١٢٧- ١٢٩) .
[ ٢ / ٢٤٩ ]
دورهم، فقال لهم أهل مكة: أنتم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب،١ ولا نأمن من أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين، ففعلوا ذلك، فذلك٢ قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ثم قال كعب بن الأشرف لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون رجلا فلنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هذا البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب بن الأشرف: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن [أميون] ٣ لا نعلم، فأينا أهدى سبيلا نحن أم محمد؟ فقال كعب:٤ أعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: ننحر للحجيج الكوما -وهي الناقة العظيمة السنام، والجمع: كوم- ونسقيهم ونقري الضيف ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمد الحديث، فقال كعب:٥ والله لأنتم أهدى سبيلا مما عليه محمد٦ فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يعني: يا محمد
_________________
(١) ١ قوله: (ومحمد صاحب كتاب) في"الأصل"، وقد سقط من بقية النسخ. ٢ كلمة: (فذلك) في"الأصل"، وقد سقطت من بقية النسخ. ٣ كلمة: (أميون) ليست في"الأصل"، وقد أثبتها من بقية النسخ. ٤ كلمة: (كعب) سقطت من"ر"، وهي ثابتة في بقية النسخ. ٥ في بقية النسخ: (كعب بن الأشرف) . ٦ زيد هنا في"الأصل"قوله: (ﷺ)، وهي ليست من الأثر، زادها الناسخ.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ .
_________________
(١) ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: ابن الأشرف وأصحابه اليهود١ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ يعني به: سجودهم للصنمين.٢ والجبت والطاغوت كل ما عبد من دون الله عز وجل٣ وقيل: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف، اليهوديان، وكانا طاغية٤ اليهود٥ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني: كعب بن الأشرف وأصحابه ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: لكفار قريش ﴿هَؤُلاءِ﴾ يعنى: أنتم يا هؤلاء ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد ﴿سَبِيلًا﴾ ٦ أي: طريقا، والمقصود أن اليهود ١"أسباب النزول"للواحدي: (ص ١٠٨- ١٠٩)، و"تفسير البغوي": (١/ ٤٤١)، و"تفسير السيوطي": (٢/ ٥٦٣) . ٢ كما تقدم ذكره في الرو، الآية السابقة. ٣ انظر:"تفسير الطبري": (٤/ ١٣٣)، و"تفسير البغوي": (١/ ٤٤١)، و"تفسير ابن الجوزي": (٢/ ١٠٨) . ٤ هكذا بالإفراد في كل النسخ. والأولى بالتثنية: (طاغيتي) . ٥ انظر:"تفسير الطبري": (٤/ ١٣٢) ذكر الرو، الآية في ذلك عن ابن عباس والضحاك. و"تفسير البغوي": (١/ ٤٤١)، و"تفسير ابن الجوزي":"زاد المسير": (٢/ ١٠٧)، وقد ذكر أنه روي ذلك عن ابن عباس وبه قال الضحاك والفراء. قال الطبري في"تفسيره" (٤/ ٥/ ١٣٣): والصواب من القول في تأويل ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له. ٦ سورة النساء، الآية: ٥١.
[ ٢ / ٢٥١ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ
_________________
(١) وافقوا قريشا على السجود للصنمين مع بغضها، ومعرفة بطلانها، ويقولون: أنهم١ أهدى سبيلا من المؤمنين وهم يعرفون كفرهم، وأشد عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا حسدا منهم. ﴿وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ هذا جواب اليهود حين قالوا: ما نعرف دينا شرا من دينكم، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء٢ اليهود الذين٣ قالوا هذه المقالة هل أخبركم بشر من ذلك الذي ذكرتم ونقمتم علينا إيماننا بالله وبما أنزل علينا ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: جزاء، فإن قلت المثوبة مختصة بالإحسان لأنها في٤ معنى الثواب، فكيف جاءت في الإساءة، قلت: وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله: (تحية بينهم ضرب وجيع)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٥ ٦ والمعنى: قل هل أنبئكم بشر من أهل٧ ذلك الدين مثوبة، وعلى حسب ١ في بقية النسخ: (أيهم) بالمثناة والتحتية. ٢ في"ر": (هؤلاء)، والأصح ما أثبت من"الأصل"، و"ع". ٣ قوله: (ما نعرف دينا شرا من دينكم، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين) سقط من"ش". ٤ كلمة: (في) من"الأصل"، وقد سقطت من بقية النسخ. ٥ سورة آل عمران، الآية: ٢١. ٦"تفسير الرازي": (١٢/ ٣٦)، و"تفسير الزمخشري": (١/ ٦٢٥) . وقوله: تحية بينهم ضرب وجيع عجز بيت لعمر بن معد يكرب، وهو قوله: وخيل قد دلفت لها بخيل،،، تحية بينهم ضرب وجيع. ٧ سقط قوله: (من أهل) من"ر".
[ ٢ / ٢٥٢ ]
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ
_________________
(١) قولهم واعتقادهم أن ذلك الدين شر، ومعلوم أن الأمر ليس كذلك، فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك١ لكن ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ومسخ صورته شر من ذلك، ومعنى لعنه الله: أبعده وطرده من رحمته،٢ وغضب عليه، يعني: وانتقم منه لأن الغضب إرادة الانتقام من العصاة٣ ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ يعني: من اليهود من لعنه الله وغضب عليه، ومنهم من جعله قردة وخنازير، قال ابن عباس -﵄-: إن المسخين كلاهما في أصحاب السبت شبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير،٤ وقيل: إن مسخ القردة كان في أصحاب السبت من اليهود، ومسخ الخنازير من الذين كفروا بعد نزول المائدة في زمن عيسى عليه السلام٥ ولما نزلت هذه الآية عير المسلمون اليهود، وقالوا: يا إخوان ١ سقط قوله: (فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك) من"ر". ٢ انظر:"تفسير ابن كثير": (٢/ ٧٦)، و"تفسير الألوسي": (٦/ ١٧٥) . ٣ تفسير صفة الغضب بإرادة الانتقام خطأ من المؤلف فقد اتبع فيه قول بعض المفسرين الذين نهجوا نهج الأشاعرة، ففسروا الصفات إما بصفات أخرى، أو بلوازمها، وهو هنا من النوع الأول حيث فسر الغضب بالإرادة للانتقام. فالغضب من صفات الأفعال التي تتعلق بالمشيئة وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف. ولا يلزم من إطلاثها على الله أن يشابه المخلوقين فيها، فلا مناسبة ولا مقارنة بين صفات الخالق وصفات المخلوقين. ٤"تفسير البغوي": (٢/ ٤٩)، و"تفسير الرازي": (١٢/ ٣٦)، و"تفسير ابن الجوزي": (٢/ ٣٨٧)، و"تفسير الألوسي": (٦/ ١٧٥) . ٥"تفسير البغوي": (٢/ ٤٩)،"تفسير ابن الجوزي": (٢/ ٣٨٧) .
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا
_________________
(١) القردة والخنازير وافتضحوا بذلك١ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٢يعني: وجعل منهم عبدة الطاغوت، يعني: من أطاع الشيطان فيما سول لهم،٣ والطاغوت هو الشيطان،٤ وقيل: هو العجل،٥ وقيل: هو الكهان٦ والأحبار،٧ وجملته أن كل من أطاع أحدا في معصية فقد عبده،٨ وهو الطاغوت ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الملعونين والمغضوب عليهم والممسوخين ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ يعني: من غيرهم ونسب الشر إلى المكان، والمراد به أهله، ١"تفسير القرطبي": (٦/ ٢٣٦)، قال القرطبي: وفيهم يقول الشاعر: فلعنة الله على اليهود إن اليهود إخوة القرود و"تفسير الزمخشري": (١/ ٦٢٦)، و"تفسير الرازي": (١٢/ ٣٧) . ٢ ال، الآية في"المؤلفات"إلى هنا ولم يتمها. ٣"تفسير البغوي": (٢/ ٤٩) . ٤ انظر:"صحيح البخاري مع الفتح": (٨/ ٢٥١)، كتاب التفسير، باب ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد معكم من الغائط﴾ . و"تفسير الطبري": (٤/٥/١٣١)، وقد أورد الروايات في ذلك عمر بن الخطاب ومجاهد والشعبي وابن زيد. ٥"تفسير الزمخشري": (١/ ٦٢٦)، و"تفسير الفخر الرازي": (١٢/ ٣٧) . ٦ جاء المعنى بلفظ: الكاهن، أو كهان العرب في"تفسير السيوطي": (٢/ ٥٦٤- ٥٦٥)، و"تفسير الطبري": (٥/ ١٣١- ١٣٢)، و"تفسير ابن الجوزي": (٢/ ١٠٧) . ٧"تفسير الفخر الرازي": (١٢/ ٣٧) . وفي"تفسير الطبري": (٥/ ١٣١) الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس وكذلك فسر بكعب بن الأشرف. ٨ انظر:"تفسير الفخر الرازي": (١٢/ ٣٧) . وهذا ليس على إطلاقه فمن الطاعة في معصية الله ما هو محرم وليس فيه عبادة للمطاع، ومنها ما هو شرك أو كفر كالطاعة في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ .
_________________
(١) فهو من باب الكناية، وقيل: أراد أن١ مكانهم سقر، ولا مكان أشد شرا منه٢ ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٣ يعني: وأخطأ٤ عن قصد طريق الحق. ﴿وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ يعني: تندروس٥ وأصحابه٦ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ٧ نصلي فيه، وفعل ذلك على باب الكهف. قال ابن عباس: تنازعوا في البنيان فقال المسلمون: نبني٨ عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لأنهم على ديننا، وقال المشركون: نبني عليهم٩ ١ سقطت كلمة: (أن) من"ر". ٢ انظر:"تفسير الرازي": (١٢/ ٣٧) . ٣ سورة المائدة، الآية: ٦٠. ٤ يعني بالتعبير بـ (أخطأ)، أي: أبعد. ٥ هكذا في كل النسخ بالتاء والنون، وفي بعض المصادر: (بيدروس) بالباء والياء، وفي بعضها: (تبدوسيس)، وبعضها: (يندوسيس) . ٦ انظر"تفسير البغوي": (٣/ ١٥٦)، و"تفسير الطبري": (٣/ ١٥/ ٢٢١)، و"تفسير ابن كثير"، (٣/ ٨٢)، وتندروس: اسم للملك في تلك الفترة من الزمن التي خرج فيها أهل الكهف، وقد كان الملك الجبار الذي هربوا منه دقيانوس. ٧ سورة الكهف، الآية: ٢١. ٨ في"ر"، و"ع": (بنى) وهو تصحيف. ٩ في"ش": (يبنى عليهم)، والصواب المثبت.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:" لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه "
_________________
(١) بنيانا يسترهم لأنهم من أهل سنتنا.١ ﴿عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:" لتتبعن سنن﴾ أي: طرق ﴿من كان قبلكم حذو القذة بالقذة﴾ أي: تعملون مثل أعمالهم، والقذة: ريشة السهم، وجمعه: على قذذ، أي: كما يقدر كل واحد منها على قدر صاحبتها فتقطع، فضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان ﴿حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه "﴾ مبالغة في اقتدائهم بمن قبلهم، خصه لشدة ضيقه،٢ وفيه علم من أعلام النبوة; لأنه وقع كما أخبر، والضب: حيوان بري يشبه الجرذون٣ ولكنه كبير القد،٤ ١ انظر:"تفسير الطبري"، (٩/ ١٥/ ٢٢٥) . قال ابن كثير ﵀ تعليقا على هذا الخبر: (والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر; لأن النبي - ﷺ - قال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد يحذر ما فعلوا) . انظر"تفسير ابن كثير": (٣/ ٨٢)، سورة الكهف، ال، الآية: ٢١. وهم مذمومون لا محالة; لأن في فعلهم من البناء على القبور مخالفة للتوحيد والنهي عن الشرك الذي لم يختلف فيه الأنبياء. ٢ وكذلك لشدة تعرجه، وقد حدث تصديق ذلك مما نرى من اتباع كثير من المسلمين لمناهح الغرب والتشبه بهم في أخلاقهم ومحاكاتهم في أفعالهم. ٣ تشبيه الضب بالجرذون بعيد، ولو شبهه بالتمساح أو الورل لكان أقرب. ٤ القد: القطع من الاستطالة، ويطلق على القامة. انظر:"لسان العرب": (٣/ ٣٤٤- ٣٤٥)، مادة: (قدد) .
[ ٢ / ٢٥٦ ]
قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن " أخرجاه.
ولمسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها
_________________
(١) وله عجائب لطيفة عند العرب، منها أن للذكر منه ذكرين وللأنثى منه فرجين، وأنه لا يشرب الماء، ويعيش سبعمائة سنة فأكثر، ويبول في كل أربعين [يوما] ١ قطرة، وسنه قطعة واحدة ولا تسقط، وغير ذلك٢ ﴿قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:"فمن؟ ") استفهام إنكار، أي: ليس المراد غيرهم ﴿أخرجاه﴾ .٣ ﴿ولمسلم عن ثوبان٤ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله زوى لي﴾ أي: فتح لي وأظهر لي ﴿الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها﴾ فوقع كما أخبر ﴿وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض﴾ يعني: الذهب والفضة ﴿وأني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها ١ كلمة: (يوما) سقطت من"الأصل"، وهي ثابتة في بقية النسخ. ٢ انظر: كتاب"الحيوان"للجاحظ: (٤/ ١٦٣- ١٦٤)، (٦/ ٥٧، ١١٦، ١٢٨) . ٣ [١١٥ ح] "صحيح البخاري مع الفتح": (١٣/ ٣٠٠، ح ٧٣٢٠)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: لتتبعن سنن من كان قبلكم."صحيح مسلم مع شرح النووي": (١٦/ ٤٥٩- ٤٦٠، ح ٢٦٦٩)، كتاب العلم، باب اتباع سنة اليهود. انظر تفصيل التخريج في الملحق. ٤ هو: ثوبان بن بجدد، أبو عبد الله، مولى رسول الله - ﷺ -، صحابي مشهور، لازم رسول الله - ﷺ - إلى أن مات، توفي سنة ٥٤ هـ. انظر ترجمته في:"أسد الغابة": (١/ ٢٩٦)،"الإصابة": (٢/ ٢٩) .
[ ٢ / ٢٥٧ ]
بسنة بعامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ".
_________________
(١) بسنة [بعامة]﴾ ١ أي: من غير أنفسهم ﴿فيستبيح بيضتهم﴾ أي: مجتمعهم وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة الدار وسطها ومعظمها، أراد عدوا يستأصلهم ويهلكهم، فإنه إذا هلك أصل البيضة هلك كل ما فيها من طعم أو فرخ، وقيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنه شبه مكان اجتماعهم والتئامهم ببيضة الحديد ﴿وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة﴾ تعمهم وتستأصلهم ﴿وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم﴾ للحرب ﴿من بأقطارها﴾ أي: طوارفها وجوانبها، أي: بأقطار الأرض من العدو ﴿حتى يكون بعضهم يهلك بعضا﴾ أي: الفتن ﴿ويسبي بعضهم بعضا ٢"﴾ . ١ في جميع النسخ: (عامة)، والمثبت من"المؤلفات"، وهو الموافق لما في"صحيح مسلم"و"سنن أبي داود". ٢ [١١٦ ح] "صحيح مسلم مع شرح النووي": (١٨/ ٢٢٩، ح ١٩)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم البعض. و"سنن أبي داود": (٤/ ٤٥٠- ٤٥٢، ح ٤٢٥٢)، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها. انظر بقية التخريج في الملحق.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
ورواه البرقاني في
_________________
(١) عن أبي البختري١ قال: حدثني من سمع النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ " لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم " أخرجه أبو داود،٢ ومعنى يعذروا، أي: لا يهلكهم الله حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم، فتقوم الحجة عليهم، ويتضح عذر من يعاقبهم٣ ﴿ورواه البرقاني٤ في ١ هو: سعيد بن فيروز بن أبي عمران أبو البختري الطائي، كان من كبار فقهاء الكوفة، روى عن بعض الصحابة كابن عمر وعلي وغيرهما، وكان رفيقا، روى عنه زيد بن جبير أنه قال له: (لا تقل والله حيث كان، فإنه بكل مكان)، وقد روى عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ -:" القلوب أربعة: فقلب أجرد فيه مثل السراج "الحديث، قتل بدير الجماجم في الواقعة التي بين الحجاج وبين الأشعث، وكان مع ابن الأشعث، وذلك سنة ٨٣ هـ. انظر ترجمته في:"تهذيب التهذيب": (٤/ ٧٢- ٧٣)،"حلية الأولياء": (٤/ ٣٧٩- ٣٨٦)،"شذرات الذهب": (١/ ٩٢) . ٢"سنن أبي داود"، (٤/ ٥١٥، ح ٤٣٤٧)، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي."مسند الإمام أحمد": (٤/ ٢٦٠) . والحديث صححه الألباني كما في"صحيح سنن أبي داود"، و"صحيح الجامع": (٢/ ٩٢٨، ح ٥٢٣١) . ٣ انظر:"النه، الآية في غريب الحديث": (٣/ ١٩٧) . ٤ هو: أحمد بن محمد بن أحمد أبو بكر المعروف بالبرقاني الحافظ الثبت صاحب التصانيف كان شغوفا بعلم الحديث صارفا همته له حتى نقل عنه قوله لرجل من الفقهاء الصلحاء: (ادع الله أن ينزع شهوة الحديث من قلبي فإن حبه قد غلب عليَّ فليس لي اهتمام إلا به)، وُلد سنة ٣٣٦ هـ، وتوفي سنة ٤٢٥ هـ. انظر ترجمته في:"تاريخ بغداد": (٤/ ٣٧٣- ٣٧٦)،"تذكرة الحفاظ": (٣/ ١٠٧٤- ١٠٧٦)،"شذرات الذهب": (٣/ ٢٢٨) .
[ ٢ / ٢٥٩ ]
"صحيحه"، وزاد: " إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام
_________________
(١) "صحيحه" ١، وزاد:٢" إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع "﴾ وفي رواية:"وإذا وضع٣" ﴿عليهم السيف لم يرفع﴾ عنهم ﴿إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي﴾ وفي رواية:"حتى يلحق٤ قبائل٥" ﴿من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام﴾ الفئام بكسر الفاء وبعدها همزة، أي: كثير،٦ وفي رواية: ١"صحيح البرقاني"لا أعلم أنه طبع، وقد رأيت في"الأعلام"للزركلي: (١/ ٢١٢) أنه مخطوط في سستربتي (٣٨٩٠) . ٢ هذه الزيادة مذكورة في"مسند الإمام أحمد": (٥/ ٢٧٨) . وفي"سنن أبي داود": (٤/ ٤٥٠- ٤٥٢، ح ٤٢٥٢)، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها. وفي"سنن ابن ماجه": (٢/ ١٣٠٤، ح ٣٩٥٢)، كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن. وقد صححها الألباني كما في"السلسلة الصحيحة": (٤/ ٢٥٢، ح ١٩٥٧) . و"صحيح سنن أبي داود": (٣/ ٨٠١، ح ٣٥٧٧) . و"صحيح سنن ابن ماجه": (٢/ ٣٥٢، ح ٣١٩٢) . ٣ هذه الرو، الآية في"سنن أبي داود": (٤/ ٤٥٠)، و"سنن ابن ماجه": (٢/ ١٣٠٤)، و"مسند الإمام أحمد": (٥/ ٢٧٨) . ٤ في"ر": (يلتحق)، وفي"ع": (لا تلحق)، وكلاهما خطأ من تصرف النساخ. ٥ هذه الرو، الآية هي رو، الآية أبي داود و"المسند"التي تقدمت الإشارة لهما. ٦ انظر:"النه، الآية في غريب الحديث": (٣/ ٤٠٦)، و"لسان العرب": (١٢/ ٤٤٧- ٤٤٨)، مادة: (فأم) .
[ ٢ / ٢٦٠ ]
من أمتي الأوثان، وأنه سيكون من أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي
_________________
(١) "قبائل"١بدل فئام ﴿من أمتي الأوثان،٢ وأنه سيكون من أمتي ثلاثون كذابون٣ كلهم يزعم﴾ وفي رواية: يدعي ﴿أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي "﴾ يحذر هذه الأمة من تصديق المتبئين، كمسيلمة٤ وطليحة٥٦ ١ لفظ:"قبائل"هنا جاء في"سنن أبي داود"، و"مسند الإمام أحمد"في نفس الموضعين المتقدم ذكرهما قريبا. ٢ وهذا واحد من الأدلة التي تدل على أن الشرك سيقع في هذه الأمة خلافا لمن أنكر ذلك. ٣ في"المؤلفات": (في أمتي كذابون ثلاثون)، وفي"ع"، و"ش": (ثلاثون كذابا) . ٤ هو: ثمامة بن كبير بن حبيب المعروف بمسيلمة الكذاب، ادعى النبوة، واتبعه بعض أهل اليمامة، وكان يدعي النبوة وأنه قد أشرك فيها مع النبي - ﷺ -، قتله خالد بن الوليد سنة ١٢ هـ، وقضى على فتنته. انظر ترجمته في:"فتوح البلدان": (ص ٩٧- ١٠٣)،"الكامل"لابن الأثير: (٢/ ٣٦٠ - ٣٦٦)،"سيرة ابن هشام": (٢/ ٥٧٦-٥٧٧) . ٥ عرف به في حاشية"الأصل"بقوله: (هو الذي قتل عكاشة في قتال الردة، وعاد إلى الإسلام) . ٦ هو: طليحة بن خويلد بن نوفل الأسدي الفقعسي، كان من أشجع العرب، وفد على رسول الله - ﷺ - سنة تسع إلى المدينة فأسلم ثم ارتد وادعى النبوة، وقتل عكاشة في قتال الردة، وله مع المسلمين وقائع، ثم خذله الله على يدي خالد بن الوليد فهرب وتفرق جنده، ثم خرج محرما في خلافة عمر﵁- وأسلم إسلاما صحيحا، وأبلى في قتال الفرس في القادسية بلاء حسنا، مات سنة ٢١ هـ. انظر ترجمته في:"البد، الآية والنه، الآية": (٧/ ١٣٠)،"أسد الغابة": (٢/ ٤٧٧)،"الإصابة": (٥/ ٢٤٣- ٢٤٤) .
[ ٢ / ٢٦١ ]
والعنسي١ -قال الدارقطني:٢ اسمه عيهلة٣ - والمخ٤ وقد خرج في آخر عصر الصحابة، وتبعه فئام كثير. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبًا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول
_________________
(١) ١ هو: الأسود العنسي- لعنه الله- واسمه: عبهلة بن كعب بن غوث، خرج أول مخرجه من بلدة باليمن ومعه سبعمائة مقاتل فما مضى شهر حتى تملك صنعاء، وقد قتل بعد مضي أربعة أشهر على يدي إخوان صدق وأمراء حق وهم داذويه وفيروز الديلمي وقيس المرادي سنة ١١ هـ قبل وفاة رسول الله - ﷺ - بليال. انظر:"البد، الآية والنه، الآية": (٦/ ٣٨٣)،"الكامل"لابن الأثير: (٢/ ٣٣٦) . ٢ هو: علي بن عمر بن أحمد البغدادي الدارقطني، أبو الحسن، محدث حافظ فقيه، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد. قال السلمي: سمعت الدارقطني يقول: ما شيء أبغض إليَّ من الكلام. وقال ابن طاهر: اختلفوا ببغداد فقال قوم: علي أفضل من عثمان﵄- فتحاكموا إلى الدارقطني، قال: فأمسكت، وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني السكوت، وقلت: عثمان أفضل لاتفاق جماعة أصحاب رسول الله - ﷺ - على هذا وهو قول أهل السنة، وهو أول عقد يحل من الرفض. انظر ترجمته في:"سير أعلام النبلاء": (١٦/ ٤٤٩- ٤٦١)،"تذكرة الحفاظ": (٣/ ٩٩١- ٩٩٥)،"وفيات الأعيان": (٣/ ٢٩٧- ٢٩٩) . ٣ قوله: (قال الدارقطني اسمه: عيهلة) ثابت في"الأصل"ساقط من بقية النسخ. ٤ هو: المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، كان متلونا كذابا يدعو مرة إلى محمد بن الحنفية ومرة لابن الزبير حتى ادعى آخرا أن جبرئيل يأتيه بالوحي من السماء فلما تحقق ابن الزبير سوء حاله بعث أخاه المصعب لحربه فحاصره في قصر الإمارة ثم قتله، وذلك سنة ٦٧ هـ. انظر ترجمته في:"البد، الآية والنه، الآية": (٨/ ٣١١- ٣١٤)،"شذرات الذهب": (١/ ٧٤- ٧٥)،"العبر": (١/ ٥٥) .
[ ٢ / ٢٦٢ ]
ولا تزال طائفة من أمتي على
_________________
(١) الله١")، وفي رواية: " لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا " أخرجه أبو داود والترمذي،٢ قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٣ ﴿" ولا تزال طائفة﴾ أي: فرقة ﴿من أمتي على ١ [١١٧ ح] "صحيح البخاري مع الفتح": (١٣/ ٨١، ح ٧١٢١)، كتاب الفتن، باب ٢٥، مع زيادة في أول الحديث وآخره."صحيح مسلم مع شرح النووي": (١٨/ ٢٦٠، ح ٨٤/ ١٥٧)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى والحديث بنصه. انظر بقية التخريج في الملحق. ٢ لم يخرج أبو داود ولا الترمذي رو، الآية بلفظ: (سبعون) وإنما أخرجا الرو، الآية بلفظ (ثلاثون) . انظر:"سنن أبي داود": (٤/ ٥٠٧، ح ٤٣٣٤، ٤٣٣٥)، كتاب الملاحم، باب خبر ابن صائد. و"سنن الترمذي": (٤/ ٤٨٩، ح ٢٢١٨)، كتاب الفتن، باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج وأما الرو، الآية بلفظ:"سبعون"فقد رواها الطبراني عن طريق عبد الله بن عمرو كما في"مجمع الزوائد": (٧/ ٣٣٣) . قال الهيثمي بعدها: وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف. وقد أورد هذه الرو، الآية ابن حجر في"الفتح": (١٣/ ٨٧)، وقال: سندها ضعيف، ثم قال: وهو محمول إن ثبت على المبالغة في الكثرة لا على التحديد. وذكر فائدة عقب ذلك فقال ﵀: (وأما التحرير ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة بسند جيد:"سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم أربعة نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي"وهذا يدل على أن رو، الآية الثلاثين بالجزم على طريق جبر وكسر) . ٣ سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎ "١.
_________________
(١) الحق منصورة﴾ وفي رواية:"ظاهرين"٢، أي: غالبين ﴿لا يضرهم من خذلهم﴾ وفي رواية:" من خالفهم "٣ ﴿" حتى يأتي أمر الله ﵎ "٤﴾ يعني: حتى يأتي قيام الساعة، وهم على ذلك، ولنذكر بعض ما ورد في الفتن: عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى "٥ فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ٦ إن ذلك تاما٧ قال:" إنه سيكون من ذلك ما شاء الله تعالى، ثم يبعث الله ريحا٨ طيبة، فيتوفى كل٩ من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم " أخرجه مسلم.١٠ ١ تقدم ذكر موضع هذه الرو، الآية في أول الحديث. ٢ جاء لفظ:"ظاهرين"في"سنن أبي داود": (٤/ ٤٥٢)، و"مسند الإمام أحمد": (٥/ ٢٧٨) . ٣ جاء لفظ:"خالفهم"في"سنن أبي داود"، و"مسند الإمام أحمد"-أيضا- في نفس الموضعين السابقين. ٤ تقدم ذكر موضع هذه الرو، الآية في أول الحديث. ٥ البخاري: الجهاد والسير (٢٩٤٢) والمغازي (٤٢١٠)، ومسلم: فضائل الصحابة (٢٤٠٦)، وأحمد (٥/٣٣٣) . ٦ سورة التوبة، الآية: ٣٣. ٧ في كل النسخ: (تام) بالرفع، وفي"صحيح مسلم"جاء هكذا بالنصب. ٨ في"ر"، و"ع": (ريحان) وهو خطأ ظاهر. ٩ كلمة: (كل) في"الأصل"فقط. ١٠ [١١٨ ح] "صحيح مسلم مع شرح النووي": (١٨/ ٢٥٠، ح ٥٢/ ٢٩٠٧)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة. وقد أورده الحاكم في"المستدرك": (٤/ ٤٤٦- ٤٤٧)، وقال عقبه: لم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بالإشارة إلى أن مسلما أخرجه.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
عن عمرو بن العاص١ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية ليكونن من أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة "، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال:" من كان على ما أنا عليه وأصحابي " أخرجه الترمذي.٢
قال الخطابي في قوله ﷺ"ستفترق أمتي" دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة عن الملة والدين إذ جعلهم من أمته.٣
_________________
(١) ١ هو: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي- أبو عبد الله-، وقيل: أبو محمد، من صحابة رسول الله - ﷺ -، أسلم وهاجر إلى المدينة بصحبة خالد بن الوليد أوائل سنة ثمان، أمره رسول الله - ﷺ - على بعض الجيوش للغزو، سكن مصر وبها توفي، وقد اختلف في وفاته بين سنة ٤٣ إلى سنة ٥١ هـ. انظر ترجمته في:"سير أعلام النبلاء": (٣/ ٥٤- ٧٧)،"أسد الغابة": (٣/ ٧٤١- ٧٤٥)،"الإصابة": (٧/ ١٢٢- ١٢٥) . ٢ [١١٩ ح] "سنن الترمذي": (٥/ ٢٦، ح ٢٦٤١)، كتاب الإيمان، باب ١٨."مستدرك الحاكم": (١/ ١٢٨- ١٢٩) . والحديث قال الألباني في تخريجه لـ"شرح الطحاوية": (ص ٢٦٠، ح ٢٦٣): ضعيف جدا بهذا السياق، وقد حسنه الترمذي في بعض النسخ، وهو ممكن باعتبار شواهده. وصححه في"سلسلة الأحاديث الصحيحة"برقم: (١٣٤٨)، وفي"صحيح الجامع"برقم: (٥٢١٩) . انظر بقية تخريجه والحكم عليه في الملحق. ٣ انظر:"معالم السنن"للخطابي على"سنن أبي داود": (٥/ ٥)، كتاب السنة، باب شرح السنة.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله ﷺ " لا ترجعوا بعدي كفارا -فرقا مختلفة- يقتل بعضكم بعضا فتشبهون الكفار بقتل بعضكم١ بعضا بالعداوة " أخرجه الترمذي٢ عن أبي هريرة رضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ " ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا المقتول في أي شيء قتل، قيل: وكيف ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار " أخرجه مسلم.٣
عن عرفجة بن شريح٤ قال: قال رسول الله ﷺ " سيكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة، أو يريد أن يفرق أمر أمة
_________________
(١) ١ في النسخ الأخرى غير"الأصل": (بعضهم) . ٢ [١٢٠ ح] "سنن الترمذي": (٤/ ٤٨٦، ح ٢١٩٣)، كتاب الفتن، باب ٢٨، ولكنه بلفظ:" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ". والحديث قال الترمذي بعده: هذا حديث حسن صحيح. وقد جاء الحديث بمعناه عند البخاري ومسلم وغيرهما عن جرير. راجع لبقية تخريجه والحكم عليه الملحق. ٣"صحيح مسلم مع شرح النووي": (١٨/ ٢٥١- ٢٥٢، ح ٥٥، ٥٦)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ١٨. ولم أجده في غير"صحيح مسلم". ٤ هو: عرفجة بن شريح، ويقال: ابن صريح أو ضريح، أو طريح أو شريك، الأشجعي، وقيل: الكندي، ومنهم من جعله أسلميا، روى عن النبي ﷺ قوله:"إنها ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمة محمد وهم جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان". انظر ترجمته في:"تهذيب التهذيب": (٧/ ١٧٦- ١٧٨)، كتاب"الجرح والتعديل": (٧/ ١٧)،"أسد الغابة": (٣/ ٥١٩)،"الاستيعاب مع الإصابة": (٨/ ٨٠) .
[ ٢ / ٢٦٦ ]
محمد كائنا من كان فاقتلوه فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض " رواه النسائي وابن حبان وأحمد.١ قوله:"هنات"، أي: شدائد وعظائم، والمراد بها: الفتن والأمور الحادثة.٢ عن جندب بن عبد الله رضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ " من قتل تحت راية عمية يدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية "٣ أخرجه مسلم والنسائي.٤ العمية- بتشديدتين-: الجهالة والضلالة، من العماء٥ والتعصب: المحاماة والمدافعة على الباطل.٦
_________________
(١) ١ [١٢١ ح] "سنن النسائي": (٧/ ٩٢-٩٣، ح ٤٠٢٠)، كتاب تحريم الدم، باب قتل من فارق الجماعة."صحيح ابن حبان":"الإحسان": (٧/ ٥١، ح ٤٥٥٨) ."مسند الإمام أحمد": (٤/ ٣٤١) . والحديث صحيح فقد أخرجه مسلم- أيضا- ولم يخرجه الشارح منه. انظره مع"شرح النووي": (١٢/ ٤٨٣، ح ١٨٥٢)، كتاب الإمارة، و(ح ٥٩/ ١٨٥٢) باب حكم من خرق أمر المسلمين. انظر بقية تخريج الحديث في الملحق. ٢ انظر:"النه، الآية في غريب الحديث": (٥/ ٢٧٩) . ٣ الترمذي: العلم (٢٦٧٦)، وابن ماجه: المقدمة (٤٢)، والدارمي: المقدمة (٩٥) . ٤ [١٢٢ ح] "صحيح مسلم مع شرج النووي": (١٢/ ٤٨٢، ح ٥٧/ ١٨٥٠)، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند الفتن."سنن النسائي": (٧/ ١٢٣، ح ٤١١٥)، كتاب تحريم الدم، باب التغليظ فيمن قاتل تحت ر، الآية عمية. انظر بقية تخريج الحديث في الملحق. ٥ انظر:"النه، الآية في غريب الحديث": (٣/ ٣٠٤)، و"لسان العرب": (١٥/ ٩٧)، مادة: (عمى) . ٦ انظر:"لسان العرب": (١/ ٦٠٦)، مادة: (عصب) .
[ ٢ / ٢٦٧ ]