وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ﴿٦- باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما رفع بلاء أو دفعه﴾ ﴿وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ ٢﴾ أي: بشدة وبلاء ومرض ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ أي: بنعمة وخير وبركة وعافية ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ٣ فسألهم النبي ﷺ عن ذلك فسكتوا،٤ فقال الله تعالى لرسوله ﷺ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّه﴾ ٥ أي: هو ثقتي وعليه اعتمادي ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٦ أي: به يثق الواثقون٧.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٣٨.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٣٨.
(٤) سورة الزمر، الآية: ٣٨.
(٥) الإخبار بأن النبي ﷺ سألهم فسكتوا مروي عن مقاتل، ذكر ذلك البغوي في «تفسيره»: (٤/٨٠)، والشوكاني في «تفسيره»: (٤/٤٦٥) .
(٦) سورة الزمر، الآية: ٣٨.
(٧) سورة الزمر، الآية: ٣٨.
(٨) انظر تفسير ال، الآية بكمالها في: «تفسير البغوي»: (٤/٨٠) .
[ ١ / ١١٩ ]
عن عمران بن حصين ﷺ " أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ فقال: من الواهنة. قال: انزعها فإنها لا تزيد إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا "١.
_________________
(١) بدأ الشيخ -رحمه الله تعالى- في تفسير بيان الشرك الأصغر، فذكر من ذلك لبس الحلقة والخيط، واستدل بالآيات التي نزلت في الأكبر على من فعل الشرك الأصغر، وكما٢ ذكر حذيفة ﵁ في هذا الباب٣. ﴿عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: " ما هذه؟ " فقال: من الواهنة﴾ وهي علة تحصل في الأعضاء تسقط القوة وتبطل الحركة، ومثله الوانية [وعلاجهما] ٤ عند الأطباء شيء واحد. ﴿قال: "انزعها فإنها [لا تزيدك]،٥ إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك
(٢) ابن ماجه: الطب (٣٥٣١)، وأحمد (٤/٤٤٥) .
(٣) هكذا في جميع النسخ: (وكما)، وليس للواو محل هنا فالأولى حذفه.
(٤) انظر: (ص ١٢٣) فقد أنكر حذيفة -﵁- على من رأى في يده خيطا من الحمى حيث قطعه ثم تلا قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] . ولقد كان السلف يفزعون لنصوص الوعيد عموما ولا أدل على ذلك مما روي عن عبد الله بن مسعود أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك. «مسند الإمام أحمد»: (١/٣٧٨) .
(٥) في «الأصل» و«ش» بالإفراد، وما أثبته من «ر»، و«ع» هو الموافق للسياق.
(٦) في «الأصل «: (لا تزيد)، وفي بقية النسخ والمؤلفات تزيدك، وهو الموافق لأصل الحديث.
[ ١ / ١٢٠ ]
رواه أحمد بسند لا بأس به.
وله عن عقبة بن عامر مرفوعًا: " من تعلق تميمة فلا أتم الله له
_________________
(١) ما أفلحت "﴾ أي: ما نجوت ﴿"أبدا"، رواه [أحمد]،١ بسند لا بأس به﴾ ٢ فيه أنه إذا فعله أحد جهالة فإنه يعرف بأنه منهي عنه، ويغلظ عليه الأمر، فإن أصر على ذلك بعد معرفته أن النبي ﷺ نهى عنه فإنه٣ يكفر، ولو لم يفعله. ﴿وله عن عقبة بن عامر٤ مرفوعًا: / " من تعلق تميمة فلا أتم الله له "٥﴾ التميمة: العزيمة،٦ ويقال: إنها خرزة كانوا يتعلقونها يرون أنها تدفع الآفات عنهم، واعتقاد هذا جهل وضلال، إذ لا نافع ولا دافع إلا الله
(٢) في «الأصل»: «رواه مسلم» نن، وهو خطأ ظاهر من سبق قلم، والصواب ما أثبته من بقية النسخ و«المؤلفات «، وما يظهر من الأصول الحديثية يبين أن الصواب: (أحمد) فسند الإمام مسلم لا يوصف بأنه لا بأس به.
(٣) «مسند الإمام أحمد»: (٤/٤٤٥)، «سنن ابن ماجه»: (٢/١١٦٧-١١٦٨، ح ٣٥٣١)، كتاب الطب، باب تعليق التمائم. الحديث صححه ابن حبان. انظر: «الموارد»: (ص ٣٤٢، ح ١٤١١) . وصححه الحاكم في «المستدرك» (٤/٢١٦) فقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٤) كلمة: (فإنه) سقطت من «ر»، وهي ثابته في بقية النسخ.
(٥) هو: عقبة بن عامر بن عبس الجهني -أبو حماد-، ويقال: أبو عامر، صحابي، روى عن النبي ﷺ وولي إمرة مصر من قبل معاوية، مات بها سنة ٥٨ من الهجرة. انظر ترجمته في: «طبقات خليفة بن خياط «: (ص ١٢١)، «تهذيب التهذيب»: (٧/٢٤٢-٢٤٤)، «الاستيعاب»: (٨/١٠٠) .
(٦) أحمد (٤/١٥٤) .
(٧) هكذا في «الأصل»، وفي بقية النسخ: (التميمة: يقال إنها خرزة إلخ) .
[ ١ / ١٢١ ]
ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له " ١.
_________________
(١) ﷾، ويقال: بل التميمة قلادة يعلق فيها العوذ، قال أبو ذؤيب:٢. وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع٣ وقال آخر: بلاد بها عق الشباب تميمت وأول أرض مس جلدي ترابها٤ وقوله "ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ٥ " الوَدْع -بالفتح والسكون-: جمع ودعة، وهو شيء أبيض يجلب من البحر، يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم،٦ وإنما نهي عنها لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين، وقوله:
(٢) أحمد (٤/١٥٤) .
(٣) هو: خويلد بن خالد بن المحرث بن زبيد بن مخزوم -أبو ذئيب الهذلي- الشاعر المشهور، أسلم على عهد رسول الله ﷺ ولم يره، كان من الصابرين حيث ابتلي بموت خمسة من أبنائه بالطاعون في عام واحد وكان لهم بأس ونجده فصبر، سمع خطبة أبي بكر بعد موت النبي ﷺ ثم رجع إلى باديته مات في عهد عثمان. انظر ترجمته في: «الإصابة»: (١١/١٢٤-١٢٦)، «أسد الغابة»: (١/٦٢٨) .
(٤) «لسان العرب»: (١٢/٧٠)، (١/٧٥٧)، وقد نسبه للهذلي الذي تقدمت ترجمته قريبا.
(٥) «لسان العرب»: (١٠/٢٥٩)، (١٢/٧٠)، وقد نسبه إلى رفاع بن قيس، والشطر الأول بلفظ: (بلاط بها نيطت علي تمائمي) .
(٦) [٦٣ ح] «مسند الإمام أحمد»: (٤/١٥٤) . «المستدرك» للحاكم: (٤/٢١٦، ٤١٧) . الحديث صححه ابن حبان: «الموارد»: (ص ٣٤٢، ح ١٤١٣)، وصححه الحاكم فقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. انظر بقية التخريج في الملحق.
(٧) «النهاية «لابن الأثير: (٥/١٦٨) .
[ ١ / ١٢٢ ]
وفي رواية: " من تعلق تميمة فقد أشرك "١.
ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) "لا ودع الله له"، أي: لا جعله في دعة وسكون، وقيل: هو لفظ مبني من الودعة، أي: لا خفف الله عنه ما يخافه٣. فيه استحباب الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ﴿وفي رواية: " من تعلق تميمة﴾ أي: عزيمة ﴿فقد أشرك "،٤ ولابن أبي حاتم٥ عن حذيفة﴾ بن اليمان ﴿أنه رأى رجلًا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٦﴾ ٧.
(٢) أحمد (٤/١٥٤) .
(٣) سورة يوسف، الآية: ١٠٦.
(٤) «النهاية «لابن الأثير: (٥/١٦٨) .
(٥) «مسند الإمام أحمد»: (٤/١٥٦)، «المستدرك» للحاكم: (٤/٢١٩)، «معجم الطبراني»، كما في «مجمع الزوائد»: (٥/١٠٣) . الحديث عن عقبة بن عامر كما سبق في الرو، الآية قبله. الحديث قال فيه المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/٣٠٧): رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد جيد والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/١٠٣): رجال أحمد ثقات، وسكت عنه الحاكم والذهبي. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (١/٨٠٩-٨١٠، ح ٤٩٢) .
(٦) هو: عبد الرحمن بن الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد إمام حافظ محدث مفسر، رد على الجهمية في كتابه «الرد على الجهمية» وله كتاب في التفسير طبع منه مجلدان، ولد سنة ٢٤٠ هـ، وتوفي سنة ٣٢٧ هـ. انظر ترجمته في: «تذكرة الحفاظ»: (٣/٨٢٩-٨٣٢)، «طبقات المفسرين»: (١/٢٨٥-٢٨٧) .
(٧) سورة يوسف، الآية: ١٠٦.
(٨) «تفسير ابن كثير»: (٢/٥١٢) .
[ ١ / ١٢٣ ]
عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ١ " قال: [يسألهم] ٢ من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله، فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره فذلك "شركهم" " أخرجه رزين،٣٤ وأخرجه البخاري تعليقًا في آخر "صحيحه"٥.
فيه دليل على أن الصحابة -﵃- يستدلون بالآيات التي في الأكبر على الأصغر٦، فإن تعليق الخيط من الشرك الأصغر، وتعليق الودع من٧ العين من ذلك أيضًا.
تتمة: اعلم أن الرتيمة خلاف التميمة وهو خيط التذكرة يعقد على الأصبع للحاجة، يروى أن النبي ﷺ " كان إذا أراد أن يذكر شيئًا ربط في
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٦.
(٢) هكذا بالمضارع في «الأصل»، وفي بقية النسخ بالماضي: (سألهم) .
(٣) هو: رزين بن معاوية بن عمار -أبو الحسن- العبدري، الأندلسي السرقسطي، الإمام المحدث، صاحب كتاب «تجريد الصحاح» الذي جمع فيه بين «الموطأ» والصحاح الخمسة، كان إمام المالكيين بالحرم، توفي سنة ٥٣٥ هـ. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء»: (٢٠/٢٠٤-٢٠٥)، «العبر»: (٢/٤٤٧)، «شذرات الذهب»: (٤/١٠٦)، «الأعلام» للزركلي: (٣/٢٠) .
(٤) ولعله في كتابه «التجريد للصحاح الستة» الذي لا أعلم أنه طبع.
(٥) «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٣/٤٩١) عن عكرمة، وكذا في «تفسير الطبري»: (٨/١٣/٧٧، ٧٨)، و«تفسير السيوطي»: (٤/٥٩٣)، و«تفسير ابن كثير»: (٢/٥١٢) . قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: (١٣/٤٩٤-٤٩٥) عقب هذا الأثر: (وبأسانيد صحيحة عن عطاء وعن مجاهد نحوه، وبسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السموات ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم به مشركون) .
(٦) وقد تفدم ذكر ذلك (ص ١٢٠)، وأشار هناك إلى هذا الموضع.
(٧) في «ر»، و«ش»: (عن العين) .
[ ١ / ١٢٤ ]