وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾
عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة
_________________
(١) ﴿باب من هزل بشيء فيه ذكر الله تعالى أو القرآن أو الرسول﴾ ﴿وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ١ ٢﴾ . عن ابن عمر، ومحمد بن كعب٣ وزيد بن أسلم٤ وقتادة ١ سورة التوبة، الآية: ٦٥. ٢ في"المؤلفات"تمم ال، الآية بقوله: قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. ٣ هو: الإمام العلامة محمد بن كعب بن سليم أبو عبد الله القرظي المدني، وقيل: أبو حمزة، أسند محمد بن كعب عن عدة من الصحابة، منهم: زيد بن أرقم وعبد الله بن عباس والمغيرة وغيرهم، وروى عنه الحكم بن عتيبة وأبو معشر وموسى بن عبدة، وكان من أئمة التفسير، ولد سنة ٤٠ هـ، وتوفي سنة ١٠٧ هـ، وقيل: توفي سنة ١١٧ هـ. انظر ترجمته في:"حلية الأولياء": (٣/ ٢١٢- ٢٢١)،"تهذيب التهذيب": (٩/ ٤٢٠- ٤٢٢)،"سير أعلام النبلاء": (٥/ ٦٥- ٦٨) . ٤ هو: الإمام الحجة زيد بن أسلم أبو عبد الله أو أبو أسامة العدوي، العمري المدني، الفقيه، مولى عمر بن الخطاب، ثقة، عالم، حدث عن والده أسلم وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس، وحدث عنه مالك وسفيان الثوري وغيرهما، قال الذهبي: له تفسير رواه عنه ابنه عبد الرحمن، توفي سنة ١٣٦ هـ. انظر ترجمته في:"تذكرة الحفاظ": (١/ ١٣٢)،"حلية الأولياء": (٣/ ٢٢١- ٢٢٩)،"تهذيب التهذيب": (٣/ ٣٩٥- ٣٩٧) .
[ ٢ / ٤٤٢ ]
دخل حديث بعضهم في بعض أنه قال رجل في غزوة تبوك
_________________
(١) دخل حديث بعضهم في بعض أنه قال رجل﴾ من المنافقين ﴿في غزوة تبوك﴾ وهي أدنى بلاد الروم١ ولم يغز النبي ﷺ بعدها حتى توفي وهي الفردة٢ لأنه لم يكن في عامها غيرها، وسماها الله ساعة العسرة٣ لوقوعها في شدة الحر، وأنفق عثمان ﵁ فيها ألف دينار٤ وحمل على تسعمائة وخمسين بعيرا وخمسين فرسا٥ ولذلك قيل له: مجهز جيش العسرة، وكان عددهم سبعين ألفا٦ وفيها قصة الثلاثة الذين خلفوا، وهم: كعب بن مالك٧وهلال بن ١ وهي الآن من مدن المملكة العربية السعودية، وتبعد عن المدينة النبوية ٧٦٠ كيلا إلى جهة الشمال. ٢ في"ر"كتبها الكاتب: (الفردوس)، وهو تحريف ظاهر. ٣ وذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] . ٤ انظر:"السيرة النبوية"لابن هشام: (٤/ ٥١٨)، و"السيرة النبوية"لابن كثير: (٤/ ٦)،"الدرر في اختصار المغازي والسير": (ص ٢٨٧) . ٥ انظر:"الدرر في اختصار المغازي والسير": (ص ٢٨٧) لكن فيه تسعمائة بعير ومائة فرس. ٦ الذي تدل عليه المراجع أن عدد الجيش كان ثلاثين ألفا أو يزيدون عليه إلى الأربعين، ولم أجد فيما لدي من المصادر من ذكر أنهم كانوا سبعين ألفا. انظر:"كتاب المغازي"للواقدي: (٣/ ٩٩٦)، و"عيون الأثر": (٢/ ٢٩٣)، و"فتح الباري": (٨/ ١١٧- ١١٨) . ٧ هو: كعب بن مالك بن أبي كعب بن سلمة الأنصاري الخزرجي العقبي، شاعر رسول الله ﷺ وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين تأخروا، فلم يغزوا مع رسول الله ﷺ تبوكا، ولما رجع رسول الله ﷺ اعترفوا فخلفوا حتى حكم الله فيهم، توفي سنة ٤٠ هـ، وقيل: ٥٠ هـ، وقيل: ٥١ هـ. انظر ترجمته في:"الإصابة": (٨/ ٣٠٤- ٣٠٦)،"أسد الغابة": (٤/ ١٨٧- ١٨٩)،"تهذيب التهذيب": (٨/ ٤٤٠- ٤٤١) .
[ ٢ / ٤٤٣ ]
ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، يعني: رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ فذهب عوف إلى
_________________
(١) أمية١ ومرارة بن الربيع٢٣. قال الرجل المنافق: ﴿ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا﴾ أي أكثر أكلا ﴿ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء﴾ أي: عند الحرب ﴿يعني: رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك٤ كذبت، ولكنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ فذهب عوف إلى ١ هو: هلال بن أمية بن عامر الأنصاري الواقفي، صحابي جليل، شهد بدرًا وأحدًا، وكان قديم الإسلام وهو أحد الثلاثة الذين تأخروا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فخلفوا في الحكم حتى قضى الله فيهم، أراد ثم تاب عليهم. انظر ترجمته في:"أسد الغابة": (٤/ ٦٣٠- ٦٣١)،"الاستيعاب مع الإصابة": (١٠/ ٤٠٢)،"الإصابة": (١٠/ ٢٥٢) . ٢ انظر الحديث الطويل في قصتهم من رو، الآية عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه كعب في:"صحيح البخاري مع الفتح": (٨/ ١١٣- ١١٦، ح ٤٤١٨)، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك. ٣ هو: مرارة بن ربيعة، ويقال: ابن ربيع العمري الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، صحابي جليل، شهد بدرا، وهو أحد الثلاثة الذين تأخروا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وتاب الله عليهم، ونزل القرآن في شأنهم. انظر ترجمته في:"الاستيعاب مع الإصابة": (١٠/ ٥٩)،"أسد الغابة": (٤/ ٣٥٨) . ٤ هو: عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني، كان من نبلاء الصحابة، وأول مشاهده خيبر، وكانت معه ر، الآية أشجع يوم الفتح، روى عنه من الصحابة: أبو أيوب الأنصاري وأبو هريرة والمقدام بن معد يكرب، ومن التابعين: أبو مسلم وأبو إدريس الخولاني وغيرهما، توفي بدمشق سنة ٧٣ هـ. انظر ترجمته في:"أسد الغابة": (٤/ ١٢- ١٣)،"تهذيب التهذيب": (٨/ ١٦٨)،"الإصابة": (٧/ ١٧٩) .
[ ٢ / ٤٤٤ ]
رسول الله ﷺ ليخبره فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب فيقول له رسول الله صلى الله
_________________
(١) رسول الله ﷺ ليخبره فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله، إنما١ كنا نخوض ونلعب٢ ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق﴾ أي: نخوض في الكلام كما يفعل الركب يقطعون الطريق بالحديث واللعب ﴿قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة٣ ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب فيقول له رسول الله صلى الله ١ هكذا في"المؤلفات": (إنما)، وهو الموافق لمصادر الحديث، وفي النسخ المخطوطة: (إنا) . ٢ كلمة: (نلعب) ساقطة من"المؤلفات"، وهي مثبتة في كل النسخ كما في المصادر. ٣ في أكثر المصادر: (بحقب) بدل: (بنسعة)، وهو السير الذي يلي حقو البعير. انظر:"لسان العرب": (١/ ٣٢٤) .
[ ٢ / ٤٤٥ ]
عليه وسلم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ما يلتفت إليه وما يزيده عليه ".
_________________
(١) عليه وسلم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١ ٢ ما يلتفت إليه وما يزيده عليه ٣﴾ . قال محمد بن إسحاق٤ الذي قال هذه المقالة فيما بلغني هو وديعة ابن ثابت٥ أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف٦. ١ سورة التوبة، الآيتان: ٦٥ـ٦٦. ٢ في"المؤلفات"تمم ال، الآية بقوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ١٦٦] . ٣ [٢١٨ ح] "تفسير الطبري": (٦/ ١٠/ ١٧٢)، و"تفسير البغوي": (٢/ ٣٠٨)، و"تفسير ابن كثير": (٢/ ٣٨١) . والحديث قال الشيخ مقبل بن هادي- في"الصحيح المسند": (١٠٨- ١٠٩) بعد نقله الرو، الآية عن ابن أبي حاتم برو، الآية ابن عمر-: بأن رجاله رجال الصحيح إلا هشام بن سعد. قال: وله شاهد بسند حسن من حديث كعب بن مالك. انظر بقية التخريج في الملحق. ٤ هو: محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله القرشي المطلبي مولاهم المدني، صاحب السيرة النبوية، ولد بالمدينة سنة ٨٠ هـ، ورأى أنس بن مالك وسعيد ابن المسيب، توفي سنة ١٥١ هـ. انظر ترجمته في:"طبقات ابن سعد": (٧/ ٣٢١- ٣٢٢)،"وفيات الأعيان": (٤/ ٢٧٦- ٢٧٧)، (تذكرة الحفاظ": (١/ ١٧٢- ١٧٣) . ٥ هو: وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، وهو واحد من اثني عشر رجلا بنوا مسجد الضرار، وذكر أنه واحد من أصحاب المقالة (إنما كنا نخوض ونلعب) . انظر ترجمته في:"سيرة ابن هشام": (٤/ ١٦٥، ١٧٢)،"تاريخ الطبري": (٣/ ١١١)،"المغازي": (٣/ ١٠٤٧) . ٦ انظر:"السيرة النبوية"لابن هشام: (٤/ ١٦٥) .
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وقال قتادة: بينما رسول الله ﷺ يسير في غزوة تبوك وبين يديه ناس من المنافقين، فقالوا: يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فقال نبي الله ﷺ احبسوا علي الركب فأتاهم، فقال: قلتم كذا وكذا، فقالوا: يا نبي الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون ١. وقال الكلبي ومقاتل: كان رسول الله ﷺ يسير في غزوة تبوك، وبين يديه ثلاث نفر من المنافقين: اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول ﷺ والثالث يضحك٢ وقيل: كانوا يقولون: إن محمدا يوهم أنه يغلب الروم، ويفتح مدائنه ما أبعده عن ذلك، وقيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا قرآن إنما هو قوله وكلامه وقوله: ﴿قل﴾ يا محمد، ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ فيه توبيخ وتقريع للمنافقين٣ والمعنى: كيف يقدمون على الاستهزاء بالله، يعني: بفرائضه وحدوده وأحكامه، قال الله ﷿ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٤ يعني: قل لهؤلاء المنافقين: لا تعتذروا بالباطل قد كفرتم بعد إيمانكم، يعني: أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، وكذلك الرضا به كفر قال الله
_________________
(١) ١ انظر:"تفسير الطبري": (٦/ ١٠/ ١٧٢) . و"تفسير عبد الرزاق": (١/ ٢/ ٢٨٢)، و"تفسير ابن كثير": (٢/ ٣٨٢)، و"تفسير السيوطي": (٤/ ٢٣٠) . ٢ انظر:"تفسير السيوطي": (٤/ ٣١)، و"تفسير الفخر الرازي": (١٦/ ١٢٥) . ٣ انظر:"تفسير الشوكاني": (٢/ ٣٧٧) . ٤ سورة التوبة، الآية: ٦٦.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ ١ والرضا بالكفر كفر، وأجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ كافر، ومن شك في كفره كفر٢ ويقتل٣ وممن قال بذلك مالك والليث٤ وأحمد وإسحاق٥ وهو مذهب الشافعي٦ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٧ والقرآن معجزة وحجة على صحة نبوة محمد ﷺ فمن الناس من جحد وأنكر ما جاء به كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٨ قال الله تعالى تكذيبا لهم وتصديقا لنبيه ﷺ ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٩
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٤٠. ٢ هذا في"الأصل"، وفي بقية النسخ: (كافر) . ٣ يعني الشاتم لرسول الله ﷺ. ٤ هو: الليث بن سعد الفهمي الأصبهاني، قال عنه الشافعي: إنه أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، سمع عطاء بن أبي رباح وابن شهاب، ولد سنة ٩٤ هـ، وتوفي سنة ١٧٥ هـ. انظر ترجمته في:"تذكرة الحفاظ": (١/ ٢٢٤)،"تاريخ بغداد": (١٣/ ٣- ١٤)،"وفيات الأعيان": (٤/ ١٢٧- ١٣٢) . ٥ هو ابن راهويه، وقد تقدمت ترجمته: (ص ٣١٥) . ٦ انظر:"الصارم المسلول"لابن تيمية: (ص ٣) . ٧ سورة الأحزاب، الآية: ٥٧. ٨ سورة الفرقان، الآية: ٥. ٩ سورة الفرقان، الآية: ٦.
[ ٢ / ٤٤٨ ]