وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
_________________
(١) ﴿كتاب التوحيد﴾ هو مصدر وحد، ومعنى وحدته: اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه٢ وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣ قيل: معناه إلا ليوحدون٤ فالمؤمن يوحده اختيارًا في الشدة والرخاء، والكافر يوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء٥ وقال علي- كرم الله وجهه-[في الجنة] ٦٧ إلا ليعبدون،
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٣) هذا معنى توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ولا يكفي لمعنى التوحيد فينبغي أن يزاد: (وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له) ليدخل توحيد الألوهية.
(٤) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٥) انظر: «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٣/ ٣٤٧، ح ٧٣٧٢)، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله.
(٦) ويدل على هذين المعنيين أن النبي ﷺ قال عن المؤمن: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن، وقال الله تعالى عن الكافر: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ .
(٧) قوله: (في الجنة) زيدت في «ر» .
(٨) تخصيص علي -﵁- بهذا الدعاء دون غيره من الصحابة غير لائق، وما علله بعضهم من أن سبب ذلك أنه لم يسجد لصنم قط لا يصح فإن أمثاله كثير: كأبي بكر -﵁- وصغار الصحابة الذين أسلموا تبعًا لآبائهم فلم يعبدوا غير الله، ولم يسجدوا لصنم، ولعل مبدأ ذلك الاستعمال كان من الشيعة. وما وجد من ذلك في كتب بعض الأعلام من أهل السنة فإما في كتب ألفوها في أول حياتهم، أو من تصرف النساخ في كتبهم، ومثله التعبير بالقول: (﵇) لأهل البيت. والواجب علينا نحو الصحابة كلهم الترضي عنهم والدعاء لهم.
[ ١ / ٢١ ]
أي: إلا لآمرهم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتي١ وقيل: إلا ليعرفون٢ كلما كان في القرآن من العبادة فمعناه التوحيد، وأصل العبودية التذلل٣ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا لمن٤ له غاية٥ الإفضال والإعظام وهو الله تعالى وتقدس، وفي الآية الكريمة دليل على أن الجن مكلَّفون ومخاطبون بالعبودية، ومجزيُّون ومحاسبون ثوابًا وعقابًا، وهذا وجه الحكمة في خلق الجن والإنس٦ قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُون﴾ ٧ وقال ﷿ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ ٨ وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٩ أي: بالعدل، وهو الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية.
_________________
(١) «تفسير البغوي «: (٤/ ٢٣٥) .
(٢) «تفسير البغوي «: (٤/ ٢٣٥) . ولا بد أن يعلم هنا بأن المعرفة هنا ليس على الإطلاق، وإنما المعرفة لله مع الطاعة له وإلا فإن معرفة إبليس لربه لم تنفعه، وإقرار قريش بأن الله خلقهم وخلق السموات والأرض، كل ذلك لم ينفعهم حينما لم يتخذوه سبحانه إلها يعبد وحده، ومن هنا ضل من فسر الإيمان بالمعرفة وحدها.
(٣) قوله: (فمعناه التوحيد، وأصل العبودية التذلل) سقط من نسخة «ر» .
(٤) هكذا في جميع النسخ، والأولى أن يقال: (إلا من له) .
(٥) كلمة: (غ، الآية) سقطت من «ر» .
(٦) وبهذا يتضح أن الحكمة التي خلق الله من أجلها هذا الخلق، وأرسل الرسل وأنزل الكتب هي عبادته تعالى: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، فمتى خلت الأرض من عبادته قامت القيامة، كما قال رسول الله ﷺ: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله.
(٧) سورة المؤمنون، الآية: ١١٥.
(٨) سورة ص، الآية: ٢٧.
(٩) سورة الدخان، الآية: ٣٩-٣٨.
[ ١ / ٢٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١.
_________________
(١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ٢ وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولًا٣ بعثهم الله تعالى بالتوحيد كما بعثنا فيكم محمدًا رسولًا بالتوحيد ﴿أنِ اعْبُدُوا الله﴾، أي: وحدوا الله بالعبادة، والإخلاص ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هو عام في كل ما عبد من دون الله، وشر الطواغيت إبليس لعنه الله، ومنها الحاكم بغير ما أنزل الله، والكاهن والساحر، والطاغي عن حده، وكل ما يطغى الإنسان فهو طاغوت٤ وعبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، وفيه معنى قوله
(٢) سورة النحل، الآية: ٣٦.
(٣) سورة النحل، الآية: ٣٦.
(٤) أعداد الأنبياء والرسل مما نَقَلَ العلماء فيه الخلاف، فقال البغدادي في «أصول الدين» (ص ١٥٧) بأن: عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا كما وردت به الأخبار الصحيحة. . . وأجمعوا على أن الرسل معهم ثلاثمائة وثلاثة عشرة. وقال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٩): (وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل. . . وذكره بسنده عن ابن مردويه، وفيه: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا»، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير. . .» الحديث. قال: وقد روي الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه «الأنواع والتقاسيم»، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكر هذا الحديث في كتابه «الموضوعات» . . . . وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر. . . عن أبي أسامة وذكره إلا أنه قال في الرسل: ثلاثمائة وخمسة عشر.
(٥) وقد عرف الشيخ محمد بن عبد الوهاب الطاغوت بأنه: كل ما عُبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، ثم ذكر رءوسهم وهي: الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله. الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى. الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله. الرابع: الذي يدعي علم الغيب من دون الله. الخامس: الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة. انظر: «مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب»، قسم العقيدة والآداب: (ص٣٧٧-٣٧٨) .
[ ١ / ٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ
_________________
(١) تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١ والرسل ﵈ كانوا يأمرون أممهم بأن يعبدوا الله بالإخلاص، وأن يجتنبوا الطاغوت ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَة﴾ ٢. ﴿وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قال ابن عباس -﵄-: ومعناه وأمر ربك٣، وقيل معناه: وأوجب ربك، وقيل: وحكم ربك، وقيل: أوصى ربك، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن مسعود٤ -رضي الله عنهما٥ -.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٦.
(٣) سورة النحل، الآية: ٣٦.
(٤) انظر: «تفسير السيوطي»: (٥/٢٥٨) .
(٥) هو: عبد الله بن مسعود بن غافل -أبو عبد الرحمن- صحابي جليل أسلم متقدمًا، وكان خادمًا لرسول الله ﷺ، وكان فقيها مقرءا، مما روي عنه قوله: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم»، توفي -﵁- سنة ٣٢هـ وله من العمر نحو ستين سنة. انظر ترجمته في: «أسد الغابة»: (٣/ ٢٨٠-٢٨٦)، «الإصابة»: (٦/ ٢١٤- ٢١٧)، «تذكرة الحفاظ»: (١/ ١٣-١٦) .
(٦) انظر: «تفسير الطبري»: (٩/ ١٥/ ٢٦)، «تفسير القرطبي»: (١٠/ ٢٣٧)، و«تفسير ابن كثير»: (٣/ ٣٧)، و«تفسير البغوي»: (٣/ ١١٠) .
[ ١ / ٢٤ ]
أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًاوَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ١.
_________________
(١) ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ٢ الآيات المحكمات إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ٣ وفيها ثمان عشرة مسألة: الأولى: وجوب عبادة الله والمنع من٤ عبادة غيره; لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم، ولا تليق إلا لمن له٥ الإنعام والإفضال على عباده، ولا منعم إلا الله تعالى، فكان هو المستحق للعبادة لا غيره. الثانية: لزوم القيام بحق الوالدين إحسانًا إليهما برًّا وعطفًا عليهما سيما عند بلوغ الكبر وانتهائهما إلى حالة الضعف. والإنسان يكلف في حق الوالدين بخمسة أشياء: الأول: قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٦ وهي كلمة تضجر وكراهية. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ ٧ أي: تزجرهما.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٤-٢٣.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٣. هذا ما كتبه من ال، الآية ثم قال في شرحها: الآيات المحكمات إلى قوله تعالى ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ثم شرح الآيات وفي «المؤلفات» أتم الآيتين إلى قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
(٤) سورة الإسراء، الآية: ٣٩.
(٥) هكذا في «الأصل»، وفي بقية النسخ: (عن) .
(٦) كلمة: (له) سقطت من «ر» .
(٧) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
(٨) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
[ ١ / ٢٥ ]
الثالث: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾: ١ أي: حسنًا جميلًا لينًا ويحسن الأدب معهما بأن يقول: يا أبتاه، يا أماه، ولا يسميهما بأسمائهما.
الرابع: قوله ﷿ ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ٢ أي: ألن لهما جناحك واخفض لهما حتى لا تمنع من شيء أحباه، وقوله من الرحمة، أي: من الشفقة.
الخامس: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ٣ أي: وادع الله لهما أن يرحمهما برحمته الباقية، والأحاديث الواردة في بر الوالدين كثيرة، منها قول هصلى الله عليه وسلم " رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب من سخط الوالد٤٥ ".
الثالثة: أمره تعالى أن يؤتي الإنسان أقاربه حقوقهم، وحقهم صلتهم بالموادة والزيارة وحسن المعاشرة سواء كانوا محارما٦ أم لا.
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٤.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٤.
(٤) في «الأصل»، و«ش»: (الوالد) بالإفراد، وفي الأخرى بالتثنية: (الوالدين) .
(٥) [٥ ح] «سنن الترمذي»: (٤/ ٣١٠، ح ١٨٩٩)، كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين، «الأدب المفرد» للبخاري: (ص ١٨، ح ٢)، والحديث في «سنن الترمذي» عن عبد الله بن عمرو، وجاء الحديث في بعض المصادر معزوا إلى ابن عمر. والحديث صححه الألباني، انظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة»: (٢/ ٢٩، ح ٥١٦)، و«صحيح سنن الترمذي»: (٢/ ١٧٦، ح ١٥٤٩) . وقد اختلف في رفعه ووقفه. انظر تفصيل التخريج في الملحق. ولا بد أن يعلم هنا أن ذلك مقيد بما شرع فلا يفهم أن رضا الوالد مطلوب حتى في مخالفة الشرع إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
(٦) في «ر»: (محارم بدون تنوين) .
[ ١ / ٢٦ ]
الرابعة: ما أمر الله به من إيتاء المسكين حقه ومثله الفقير، وهما١ المحتاجان اللذان لا يفي خرجهما بدخلهما٢ والفقير أسوأ حالًا من المسكين عند الشافعي٣.
الخامسة: ٤ ما أمر به من إيتاء ابن السبيل حقه- وهو المسافر المنقطع عن ماله- ويحق٥ لهؤلاء الثلاثة في الصدقة.
السادسة: النهي عن التبذير وهو إنفاق المال في غير حقه من سرف أو معصية أو رياء أو مفاخرة، ويدخل في ذلك الرشا، وحلوان الكاهن، وما يعطى النائحة وعن مجاهد٦ " لو أنفقت مدا في باطل كان تبذيرا "٧ ويدخل في ذلك الإسراف٨ في الوضوء.
السابعة: النهي عن البخل، وذلك المراد بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ
_________________
(١) كلمة: (وهما) تفردت بها «الأصل» .
(٢) هكذا في كل النسخ، والصواب: (لا يفي دخلهما بخرجهما) .
(٣) انظر: «مغني المحتاج»: (٣/ ١٠٨)، و«روضة الطالبين»: (٢/ ٣١١) . والمسكين والفقير من الكلمات التي إذا اجتمعت اختلفت في المعنى، وإذا انفرد كل منهما كان له معنى خاصا به. وقد اختلف في المسكين والفقير أيهما أحسن حالا.
(٤) كلمة: (الخامسة) سقطت من «ر» .
(٥) هكذا في النسخ الثلاث، وفي «الأصل»: (والحق) .
(٦) هو: مجاهد بن جبر -أبو الحجاج المخزومي- إمام في التفسير والقراءة، سمع من بعض الصحابة، ولزم ابن عباس مدة وقرأ عليه القرآن، قال ابن جريج عنه: لأن أكون سمعت من مجاهد أحب إليَّ من أهلي ومالي، وُلد سنة ٣١هـ، ومات سنة ١٠٤هـ. انظر ترجمته في: «تذكرة الحفاظ»: (١/ ٩٢-٩٣)، «صفة الصفوة»: (٢/ ٢٠٨- ٢١١)، «طبقات المفسرين»: (٢/ ٣٠٥- ٣٠٨) .
(٧) «تفسير ابن كثير»: (٣/ ٣٩) .
(٨) سقطت كلمة: (الإسراف) من «ر» .
[ ١ / ٢٧ ]
مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ ١.
وهذه كناية عن البخل، وقوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ٢ هو نهي عن الإسراف، والواجب الاقتصاد، ففي الخبر: " خير الأعمال أوسطها " وفي رواية٣ " خير الأمور أوساطها "٤.
الثامنة: النهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق- أي: الفقر والإفلاس-; لأن٥ أهل الجاهلية كانوا يئدون البنات خشية الفاقة وخشية نكاحهن غير الكفؤ، وفي الآية دلالة على كبر هذه الخطيئة.
التاسعة: النهي عن الزنا، وذلك معلوم ضرورة٦ من الدين.
العاشرة: النهي عن قتل النفس التي حرم الله [إلا بالحق] ٧ وذلك - أيضا- معلوم تحريمه.
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٢٩.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٩.
(٣) هكذا في «الأصل»، وفي بقية النسخ: (وقال ﷺ) .
(٤) [٦، ٧ ح] «تفسير القرطبي»: (٢/ ١٥٤)، (٦/ ٢٧٦)، قال القرطبي قبله: (وفي الحديث)، ثم قال: (وفيه عن علي -﵁-: عليكم بالنمط الأوسط فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل) . و«شعب الإيمان» للبيهقي: (٥/ ٢٦١، ح ٦٦٠١)، وهو موقوف على مطرف. وأخرجه البيهقي -أيضا- في «السنن الكبرى»: (٣/ ٢٧٣) عن عمرو بن الحارث بلفظ: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: أمرا بين أمرين وخير الأمور أوساطها ثم قال بعده: (هذا منقطع) . الحديث مختلف بين وقفه ورفعه. الحديث قال الألباني في مقدمة «حجاب المرأة المسلمة» (ص ٧): (حديث ضعيف الإسناد، ورواه أبو يعلى من قول وهب بن منبه بنحوه وسنده جيد) . انظر بقية تخريجه في الملحق.
(٥) في «ر»، و«ع»: (أن أهل الجاهلية) .
(٦) في «ر»: (ضرورته) .
(٧) هذه الزيادة من «ر»، و«ع» .
[ ١ / ٢٨ ]
وقوله: ﴿إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾، وذلك نحو ما ورد في الحديث: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان، وزنًا بعد إحصان، وقتل النفس بغير حق "١ وكذلك القتل لمدافعه٢ والبغي على الإمام، ونحو ذلك مما حصل فيه دليل الإباحة كالتارك لدينه والمفارق الجماعة.
الحادية عشرة: أن٣ من قتل ظلمًا وعدوانًا فقد جعل الله لوليه سلطانًا - أي: ولاية على القاتل بالقتل-، وقيل: سلطانه هو أن يتخير فإن شاء استقاد٤ وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عنه.
الثانية عشرة: ٥ النهي عن الإسراف في القتل، أي: الولي لا يقتل غير القاتل كفعل الجاهلية، ولا يمثل بالقاتل فيقطع أنفه وأذنيه ويبقر بطنه.
الثالثة عشرة: ٦ النهي عن أخذ مال اليتيم وهو الطفل الذي لا أب له، وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ ٧ وذلك حفظه وزراعة أرضه، والتجارة في ماله، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّه﴾ ٨ أي: يكمل عقله، ويمكنه القيام بمصالح ماله.
_________________
(١) [٨ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٢/ ٢٠١، ح ٦٨٧٨)، كتاب الديات، باب إن النفس بالنفس، «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١١/ ١٧٦، ح ٢٥/ ١٦٧٦)، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم. الحديث: جاءت روايته عن عبد الله (هكذا) قال ابن حجر في الفتح عند الحديث عبد الله بن مسعود وجاء -أيضا- عن عثمان بن عفان﵁-. انظر التخريج المفصل في الملحق.
(٢) في «ر»، و«ع»: (مدافعة)، وهو خطأ.
(٣) في «ر»: (إنه) .
(٤) لا بد أن يقيد أن اختيار الاستقادة بأن تكون عن طريق السلطان لا أن ينفذ ذلك بنفسه.
(٥) في «ر»: قدم هنا النهي عن أخذ مال اليتيم خلافا للأصل.
(٦) في «ر»: أخر هنا النهي عن الإسراف في القتل خلافا للأصل.
(٧) سورة الإسراء، الآية: ٣٤.
(٨) سورة الإسراء، الآية: ٣٤.
[ ١ / ٢٩ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا﴾ ١ الآيات المحكمات إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) الرابعة عشرة: أمره تعالى بوفاء العهد، وهو الإتيان٣ بما أمر الله به، والانتهاء عن ما نهى عنه، أو ما التزمه الإنسان على نفسه. الخامسة عشرة: أمره تعالى بالإيفاء في الكيل والوزن بأن يؤديه من هو عليه على الوفاء والكمال. السادسة عشر: النهي عن اتباع ما ليس له به علم في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٤ أي: لا تقل سمعت ما لم تسمع، ولا أبصرت ما لم تبصر، ولا علمت ما لم تعلم٥. ويدخل في ذلك أصول الدين وفروعه، والفتوى والشهادة والغيبة ورواية الأخبار. السابعة عشر: النهي عن البطر والخيلاء في قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ ٦ فيعرف الإنسان نفسه لأنه خلق ضعيفا. الثامنة عشرة: النهي عن الشرك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ . ﴿وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٤) في «ر»: (بوفاء العهد والإتيان بما أمر الله) .
(٥) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.
(٦) انظر: «تفسير ابن الجوزي»: (٥/ ٣٥) .
(٧) سورة الإسراء، الآية: ٣٧.
[ ١ / ٣٠ ]
تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا﴾ ١٢﴾ الآيات المحكمات إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣. وفيها عشر مسائل:
الأولى: أن لا تشركوا به شيئًا، والمعنى: تحريم الشرك بالله تعالى، فيلزم من ذلك وجوب الإخلاص لله تعالى في العبادة; لأنه أخرجه من العدم إلى الوجود بعد أن لم يكن شيئًا.
الثانية: قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٤ قيل: لما كانت نعمة الوالدين تالية لنعمة الله تعالى في التربية قرن ذلك الأمر بعبادة الله تعالى والنهي عن الشرك، وقد فرع على هذا فروع:
منها: وجوب نفقتهما مع الإعسار ولو كانا كافرين، ومثل هذا قوله في سورة لقمان ﵇ ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ٥.
ومنها: أن يعف أباه بتزويج حرة.
ومنها: أن لا يحج ولا يجاهد إلا بإذنهما، بخلاف طلب العلم فإنه يجوز الخروج له٦.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاق﴾ ٧ وهذا خرج
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
(٢) اقتصر في جميع النسخ على هذا القدر من ال، الآية، ثم قال بعدها: الآيات المحكمات إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ثم شرحها، وفي «المؤلفات» تمم ذكر ال، الآيةإلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٥) سورة لقمان، الآية: ١٥.
(٦) قال ابن حجر -رحمه الله تعالى- في «فتح الباري» (٦/ ١٤١) في شرح قوله ﷺ: «ففيها فجاهد»: (واستدل به على تحريم السفر بغير إذن لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى، نعم إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعين السفر طريقا إليه فلا منع، وإن كان فرض كف، الآية ففيه خلاف) .
(٧) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
[ ١ / ٣١ ]
على١ العادة وإلا فهو محرم خشي الفقر أم لا.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش﴾ ٢ يعني: الزنا وغيره من المحرمات والمنهيات ما ظهر منها وما بطن- قيل: سره وعلانيته-، وقيل: القليل والكثير، وقيل٣ الظاهر ما ظهر تحريمه، والباطن ما فيه شبهة، ويعضده الخبر: "المؤمنون وقافون عند الشبهات "٤.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٥ وقد تقدم تفسيره٦.
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ٧ وقد تقدم تفسيره٨.
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ ٩ أي: العدل، وقد تقدم تفسيره] ١٠١١.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١٢ يعني: طاقتها، أي: لا نكلف المعطي أن يعطي أكثر مما وجب عليه، ولا نكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه١٣.
_________________
(١) هكذا في «الأصل»، وقد سقطت كلمة: (على) من بقية النسخ.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
(٣) سقط من العبارة في «ر» قوله: (والكثير، وقيل) .
(٤) لم أجد هذا الخبر بنصه فيما بحثت فيه، ووجدت في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٠/ ٣٨٢) معناه بلفظ: «المؤمن وقاف متبين» منسوبا للحسن البصري.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
(٦) انظر: (ص ٢٨، ٢٩) .
(٧) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.
(٨) انظر: (ص ٢٩) .
(٩) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.
(١٠) (السابعة) سقطت من «الأصل» وألحقته من بقية النسخ.
(١١) انظر: (ص٣٠) .
(١٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.
(١٣) انظر «تفسير البغوي»: (٢/١٤٢)، وانظر: «تفسير الشوكاني»: (٢/١٧٨) .
[ ١ / ٣٢ ]
[التاسعة] ١: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ ٢ أي: اصدقوا في مقالتكم: من الإقرار، والشهادة، والوصايا، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والفتاوى، والأحكام٣ ثم أنه تعالى أكد ذلك وبيَّن أنه يلزم العدل في القول ولو كان المقول له ذا قربى وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٤.
[العاشرة] ٥: قوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ ٦ قيل: العهد الفرائض، وقيل: ما أوجبه باليمين، وقيل: ما أمر به في هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٧ فتمتثلون ما أمرتكم به.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ٨ يعني: وأن هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين هو صراطي، يعني: طريقي وديني الذي ارتضيته لعبادي٩ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ يعني: قويما- لا اعوجاج فيه١٠ ﴿َاتَّبِعُوهُ﴾، واعملوا به،
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ ١١ يعني: الطرق المختلفة، والأهواء المضلة، والبدع المردية، وسائر الملل
_________________
(١) في (الأصل): (الثامنة) وفي بقية النسخ: (التاسعة) .
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.
(٣) انظر (تفسير البغوي): (٢/١٤٢)، وانظر: «تفسير القرطبي»: (٧/١٣٧) ..
(٤) سورة النساء، الآية: ١٣٥.
(٥) في (الأصل): (االتاسعة) وفي بقية النسخ: (العاشرة) .
(٦) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.
(٧) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.
(٨) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٩) انظر (تفسير البغوي): (٢/١٤٢) .
(١٠) انظر (تفسير البغوي): (٢/١٤٢) .
(١١) (تفسير البغوي): (٢/١٤٢) ..
[ ١ / ٣٣ ]
والأديان المخالفة لدين الإسلام١ ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾ ٢ يعني: فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده٣ روى٤ البغوي٥ بسنده عن ابن مسعود قال: " خط لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم خطا ثم قال: "هذا سبيل الله" ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه "٦ وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ ٧٨ يعني: باتباع دينه وصراطه الذي لا اعوجاج فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٩ يعني الطرق المختلفة والسبل المضلة.
_________________
(١) انظر: «تفسير البغوي»: (٢/١٤٢) .
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣. «تفسير البغوي»: (٢/١٤٢) .
(٣) انظر: «تفسير البغوي»: (٢/١٤٢) .
(٤) في «ر» (رواه البغوي بسند)، وهو خطأ من الناسخ، والصواب ما أثبت من «الأصل»، وبقية النسخ.
(٥) هوك الحسين بن مسعود بن محمد –أبو محمد- المعروف بالفراء البغوي، الشافعي، الفقيه، المحدث، المفسر، كان من العلماء الربانيين، وكان ذا تعبد ونسك، وقناعة باليسير، مات سنة ٥١٦ هـ. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» .. (١٩/٤٣٩-٤٤٣)، «تذكرة الحفاظ»: (٤/١٢٥٧- ١٢٥٩)، «وفيات الأعيان»: (٢/١٣٦)، و«شذرات الذهب»: (٤/٤٨) .
(٦) أحمد (١/٤٣٥)، والدارمي: المقدمة (٢٠٢) .
(٧) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٨) [٩ح] «سنن الدارمي»: (١/٦٠، ح٢٠٨)، المقدمة، باب في كراهية أخذ الرأي. «مسند الإمام أحمد»: (١/٤٦٥)، «المستدرك» للحاكم: (٢/٨) . والحديث قال عنه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وشاهده لفظًا واحدًا حديث الشعبي عن جابر من وجه غير معتمد. وصححه ابن حبان: «الإحسان»: (١/١٠٥، ح٦) . وحسنه الألباني في «مشكاة المصابيح»: (١/٥٨، ح١٦٠٦)، وصححه في تخريجه لـ «شرح العقيدة الطحاوية»: (ص٥٢٥، ح٨١٠) . انظر التخريج المفصل في الملحق.
(٩) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
[ ١ / ٣٤ ]
قال ابن مسعود:" من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ "٢ الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا﴾ ٣.
_________________
(١) قال ابن عباس: "هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار "٤. ﴿قال٥﴾ أبو عبد الرحمن عبد الله ﴿ابن مسعود﴾ بن غافل بالمعجمة والفاء، ابن حبيب الهذلي﵁-: ﴿من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ﴾ عند موته في الصحيفة ﴿التي عليها خاتمه﴾ أي: طابعه وعلامته التي لا تغير; لأن خاتم الكتاب يصونه عن التغيير، وتفتح تارة/ وتكسر لغة ﴿فليقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٦ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ ٧﴾ الآيات٨٩. وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا﴾ ١٠ وهذه
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٤) سورة النساء، الآية: ٣٦.
(٥) «تفسير الطبري»: (٥/ ٨/ ٨٦-٨٧)، «تفسير البغوي»: (٢/ ١٤٢) .
(٦) قدم ذكر الحديث على في النسخ الأربع على ال، الآية التي بعده خلافا للمؤلفات فقد جاء ذكره بعد الآيات كلها..
(٧) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
(٨) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٩) سورة الأنعام، الآيات: ١٥١-١٥٣.
(١٠) «سنن الترمذي»: (٥/ ٢٦٤، ح ٣٠٧٠)، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام، «تفسير ابن كثير»: (٢/ ١٩٤)، و«تفسير السيوطي»: (٣/ ٣٨١) . والحديث قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(١١) ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾
[ ١ / ٣٥ ]
الآية الكريمة تسمى آية الحقوق العشرة:
الأول- بدأها الله بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا﴾ ١ يعني: وأخلصوا له في العبادة ولا تجعلوا له شريكًا من خلقه٢.
الثاني: قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٣، يعني: البر بهما، والأم أحق الناس بالبر ثم الأب ثم الأدنى فالأدنى.
الثالث: قوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، أي: أحسنوا إلى ذي القربى وواصلوه وهو ذو رحمه من قبل أبيه وأمه
الرابع: قوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أي: أحسنوا إلى اليتامى، إنما أمر بالإحسان إليهم; لأن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز٤ الصغر وعدم المشفق قال رسول الله ﷺ " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين - وأشار بالسبابة والوسطى- وفرج بينهما شيئًا "٥.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٣٦.
(٢) انظر: «تفسير الطبري»: (٤/ ٥/ ٧٧) .
(٣) سورة النساء، الآية: ٣٦.
(٤) زيد هنا حرف: (في) في جميع النسخ، ولعله من الناسخ الأول فتبعه من بعده، وقد أسقطته ليستقيم الكلام.
(٥) [١٠ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٠/ ٤٣٦، ح ٦٠٠٥)، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما. «سنن الترمذي»: (٤/٣٢١، ح١٩١٨)، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة اليتيم. الحديث مروي عن سهل بن سعد﵁-. وروي من طريق أبي هريرة بلفظ قريب من الماضي في «صحيح مسلم» . انظر: (صحيح مسلم مع شرح النووي): (١٨/ ٣٢٣، ح ٤٢/ ٢٩٨٣)، كتاب الزهد والرقاق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم. انظر التفصيل في التخريج في الملحق.
[ ١ / ٣٦ ]
الخامس: قوله: ﴿والمساكين﴾ المسكين: الذي ركبه ذل الفاقة والفقر فتمسكن لذلك، قال رسول الله ﷺ " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله،- وأحسبه قال: كالقائم ١ الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر "٢.
السادس: قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: أحسنوا إلى الجار ذي القربى، وهو الذي قرب جواره منك
السابع: قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُب﴾ وهو الذي بعد جواره منك، وقيل: الجار ذي القربى هو القريب، والجار الجنب٣ الأجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة. عن ابن عمر٤ -﵄- قال: قال رسول الله ﷺ " ما زال
_________________
(١) في «ر»: (وأحسبه كالقائم الذيإلخ) .
(٢) البخاري: الأدب (٦٠٠٧)، ومسلم: الزهد والرقائق (٢٩٨٢)، والترمذي: البر والصلة (١٩٦٩)، والنسائي: الزكاة (٢٥٧٧)، وابن ماجه: التجارات (٢١٤٠)، وأحمد (٢/٣٦١) .
(٣) قوله: (الذي بعد جواره منك، وقيل: الجار ذي القربى هو القريب والجار الجنب) سقط من «ر» .
(٤) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب -أبو عبد الرحمن- صحابي جليل أسلم مع أبيه صغيرًا، ولم يشهد أحدا لصغره، قال عنه رسول الله ﷺ: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، قال: وكان بعد لا ينام من الليل إلا القليل. مات سنة ٧٤هـ، وقيل: ٧٣هـ. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء»: (٣/ ٢٠٣-٢٣٩)، «طبقات ابن سعد»: (٤/ ١٤٢-١٨٨)، «تاريخ بغداد»: (١/ ١٧١-١٧٣) .
[ ١ / ٣٧ ]
جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "١.
عن عائشة٢ - ﵂- قالت: قلت يا رسول الله: " إن لي جارين فإلى أيهما أهدي٣؟ قال: " إلى أقربهما بابا منك" " أخرجه البخاري٤. عن أبي ذر٥ جندب بن جنادة الغفاري﵁- قال: قال
_________________
(١) [١٢ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٠/ ٤٤١، ح ٦٠١٥)، كتاب الأدب، باب الوصاة بالجار، «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١٦/ ٤١٥، ح ١٤١/ ٢٦٢٥)، كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه. وقد روي الحديث -أيضا- في «الصحيحين» عن عائشة -﵂-. انظر التفصيل في التخريج في الملحق.
(٢) هي: عائشة بنت أبي بكر الصديق، زوج النبي ﷺ وأشهر نسائه وإحدى أمهات المؤمنين، قال رسول الله ﷺ في فضلها: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام. انظر ترجمتها في: «الإصابة»: (١٣/ ٣٨-٤٢)، «أسد الغابة»: (٦/ ١٨٨-١٩٩) .
(٣) في «ر»، و«ع»: (قال: أيّهما أهدي) .
(٤) [١٣ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٠/ ٤٤٧، ح ٦٠٢٠)، كتاب الأدب، باب حق الجوار في قرب الأبواب. «سنن أبي داود»: (٥/ ٣٥٨، ح ٥١٥٥)، كتاب الأدب، باب في حق الجوار. انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٥) هو: جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو -أبو ذر- الغفاري، وقد اختلف في اسمه، صحابي جليل، كان أبو ذر يتأله في الجاهلية ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام، فمر عليه رجل من أهل مكة بعدما أوحي إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا ذر إن رجلًا بمكة يقول مثل ما تقول: لا إله إلا الله، ويزعم أنه نبي. . . فذهب أبو ذر إليه وكان إسلامه، وذلك في قصة طويلة. . . توفي -﵁- بالربذة سنة ٣٢هـ. انظر ترجمته في: «طبقات خليفة بن خياط»: (ص ٣١-٣٢)، «تهذيب التهذيب»: (١٢/ ٩٠-٩١)، «طبقات ابن سعد»: (٤/ ٢١٩-٢٣٧) .
[ ١ / ٣٨ ]
رسول الله ﷺ " [يا أبا ذر] ١ إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد٢ جيرانك " أخرجه مسلم٣. عن أبي هريرة٤ ﵁ أن النبي ﷺ قال: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه "٥ أخرجه البخاري ومسلم٦.
وفي رواية: " لا يدخل الجنة ٧ ".
البوائق: الغوائل والشرور٨.
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من «الأصل»، وهي في جميع النسخ.
(٢) هكذا في «الأصل»، وفي النسخ الأخرى: (وتعهد) .
(٣) [١٤١ ح] «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (١٦/ ٤١٥، ح١٤٢/ ٢٦٢٥)، كتاب البر والصلة، باب الوصية بالجار، «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: (٥/ ١٤٩، ١٥٦، ١٦١) بألفاظ متقاربة. انظر التفصيل في التخريح في الملحق.
(٤) هو: عبد الرحمن بن صخر على الأشهر، وكنيته أبو هريرة، دوسي صحابي جليل، حافظ فقيه، قدم على النبي ﷺ مسلمًا أيام فتح خيبر، فلزم النبي ﷺ، وحفظ عنه كثيرًا من السنة، توفي -﵁- سنة ٥٨هـ على المشهور. انظر ترجمته في: «تذكرة الحفاظ»: (١/ ٣٢-٣٧)، «الإصابة»: (١٢/ ٦٣-٧٩)، «أسد الغابة»: (٥/ ٣١٨-٣٢١) .
(٥) البخاري: الأدب (٦٠١٦) .
(٦) [١٥ ح] «صحيح البخاري مع الفتح»: (١٠/ ٤٤٣، ح ٦٠١٦)، كتاب الأدب، باب إثم من لم يأمن جاره بوائقه. «صحيح مسلم مع شرح النووي»: (٢/ ٣٧٦-٣٧٧، ح ٧٣)، كتاب الإيمان، باب تحريم إيذاء الجار. والحديث جاء في البخاري -أيضا- عن أبي شريح. انظر التفصيل في تخريج الحديث في الملحق.
(٧) هي رو، الآية «صحيح مسلم» السابقة.
(٨) «النه، الآية في غريب الحديث»: (١/ ١٦٢)، ومفرد بوائق: بائق، وهي الداهية.
[ ١ / ٣٩ ]
الثامن: قوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قال ابن عباس﵄-: هو الرفيق في السفر١ وقيل: هي المرأة تكون معك إلى جنبك٢. عن ابن عمر٣ -﵄- قال: قال رسول الله ﷺ " خير الأصحاب عند الله٤ خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله، خيرهم لجاره " أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن٥.
التاسع: قوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ يعني: المسافر٦ المجتاز بك، الذي قد انقطع به، وقال الأكثرون: المراد بابن السبيل:
_________________
(١) «تفسير ابن كثير»: (١/ ٥٠٧)، و«تفسير البغوي»: (١/ ٤٢٥)، و«تفسير السيوطي»: (٢/ ٥٣١) .
(٢) المصادر السابقة بأرقامها، وقد ذكر البغوي هذا الخبر عن ابن عباس وعكرمة وقتادة، وعن علي وعبد الله والنخعي، وذكره السيوطي عن زيد بن أسلم.
(٣) هكذا في جميع النسخ: (ابن عمر)، وفي «سنن الترمذي» وغيره: (عبد الله بن عمرو ابن العاص) .
(٤) ما بين القوسين سقط من جميع النسخ، وهو تمام الحديث كما جاء في مصادره من كتب السنة، فأضفته تصحيحا للخطأ في الحديث.
(٥) [١٦ ح] «سنن الترمذي»: (٤/ ٣٣٣، ح ١٩٤٤)، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار. والحديث رواه -أيضا- الإمام أحمد في «مسنده»: (٢/ ١٦٨)، ورواه غيرهما، والحديث جاء في الترمذي والمصادر الأخرى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وليس عن ابن عمر. الحديث صححه الألباني، انظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة»: (١/ ١٦٢، ح ١٠٣) . وانظر تفصيل التخريج في الملحق.
(٦) سقطت كلمة: (المسافر) من «ر» .
[ ١ / ٤٠ ]