﵌ أن يُرَدَّ لقولِ أحدٍ غيرِه".
هذا الإمام الشافعي ﵀ يقول: "ومَن قال منهم
_________________
(١) أي الصحابة ﵃ قولًا لم يَروِه عن النبي ﵌، لم يجزْ لأحدٍ أن يقول: إنما قاله عن رسول الله ﵌، ولم يجز أن نذكره عنه إلّا رأيًا له " إلخ. وبالضرورة إن جميع الأئمة هكذا، فلا يجوز أن يُردَّ الدليلُ الصحيح بخلافِهم له واحتمالِ أن يكون ثبت لديهم أرجحُ منه. والله الموافق. [ص ٤٥] السؤال الثاني: قولكم: "أأنتم أعلمُ أم الأئمة الذين جاءوا بعدهم أي بعد الأئمة الأربعة مقلِّدين لهم؟ ". فالجواب: أن العلماء الذين جاءوا بعد الأئمة الأربعة ثلاثة أقسام: ففيهم الكثير الطيب أئمة مجتهدون، حتى من الذين يظنُّ الناس أنهم مقلِّدون، حتى لقد عَدَّ أهلُ كلِّ مذهبٍ كثيرًا من المجتهدين في عِدادِ المقلِّدين لإمامهم تكثيرًا للسواد، حتى تنازعت المذاهب الأربعة إمامَ السنة محمد بن إسماعيل البخاري، فعدَّه أهلُ كلِّ مذهب في المقلِّدين لإمامهم، ولا يخفى على أحدٍ أنه كان مجتهدًا مستقلًّا، فكم في "صحيحه" من ردٍّ على كلِّ مذهب منها. ومن طالع مصنَّفات أولئك العلماء عرفَ الحقيقة. القسم الثاني: قوم منتسبون إلى مذاهب الأئمة، وهم مع ذلك مجتهدون، كما مرَّ فيما نقلناه عن السيوطي، وقد قال الشيخ أبو إسحاق: إن أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى من هذا القسم. ومرَّ عن القاضي عبد الوهاب المالكي نحوه.
[ ٤ / ١٢٥ ]
وعليه فتلامذة الأئمة لا يخرجون عن هذين القسمين، وكذا تلامذتهم. ومن راجع كتب الأصول عرف أن كثيرًا من العلماء الذين يظنّ الناس أنهم كانوا مقلِّدين قائلون بمنع التقليد وذمِّه، وإذا منعوه وذمُّوه علمنا أنهم لم يكونوا عاملين به، وإنما كانوا يتظاهرون بالتقليد [ص ٤٦] حذرًا على أنفسهم من مثلِ ما عُومِل به ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما. ومع ذلك فكانوا يبلِّغون حجةَ الله تعالى بالإشارة والإيماء، كما يقول بعضهم: "والمختار من حيث الدليل كذا" أو "وظاهر هذه الآية أو هذا الحديث كذا"، أو يقول: "هذا مذهبنا، ومذهبُ فلانٍ (يذكر إمامًا آخر) كذا، مستدلًّا بكذا"، ويذكر الآية أو الحديث.
وقد يُصرِّحون بالحقّ إذا ألَّفوا أو درسوا في أصول الفقه، حيث يذكرون شروط الاجتهاد، ويصرِّحون أن من جمعَها فهو مجتهدٌ، فرضُه الاجتهاد. ويذكرون ممن منع التقليد مطلقًا من العلماء، ويُردِّدون في مؤلفاتهم قولَ إمامهم إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، وغير ذلك مما يعرفه مَن طالع مؤلفاتهم. وإذا استفتاهم الناسُ عن مذهب إمامهم نقلوا لهم قوله نقْلَ الراوي المخبر فقط. وهؤلاء على هُدًى وصراطٍ مستقيم.
وأما القسم الثالث: المقلدون الذين استخبرتمونا أهم أعلمُ أم مجتهدو هذا العصر؟ [ص ٤٧] فنقول: أهل هذا القسم فِرَقٌ:
الأولى: المشتغلون بعلوم اللسان وتأليفها وتصنيفها، ولم يُحصِّلوا غيرَها.
الثانية: المشتغلون بنقل أقوال أحد الأئمة والتخريج عليها، وجَمْع
[ ٤ / ١٢٦ ]
ذلك وتأليفه وتصنيفه، ولم يُحصِّلوا غيرَ ذلك.
الثالثة: المشتغلون بالكلام والجدل والمنطق والفلسفة والتأليف فيها، ولم يحصِّلوا غير ذلك.
الرابعة: المشتغلون بالتصوف والعبادة والسياحة والتخلِّي عن الناس، ولم يُحصِّلوا غيرَ ذلك.
الخامسة: المشتغلون بعلوم الاجتهاد، ولكن لم يبلغوا رتبة الاجتهاد.
وهذه الفِرق كلُّها وإن كانوا أو بعضُهم أعلمَ من مجتهدي هذا العصر بالنسبة إلى بعض العلوم، فهم بالنسبة إلى الأحكام الشرعية من العامة لا من العلماء، وإن طار صيتُهم وعظمتْ سُمعتُهم.
الفرقة السادسة (^١): أناسٌ تدلُّ مؤلفاتهم على أنهم أحرزوا علوم الاجتهاد وبرَّزوا فيها، وتدلُّ مؤلفاتهم على تعصُّبٍ شديد للمذهب المنتسبين إليه، بحيث يُقطَع بعدم دخولهم في القسم الثاني. فهؤلاء إذا كان فيهم مَن هو أعلم من مجتهدي هذا العصر فهو لم ينتفع بعلمه، بل يَصدُق عليه من بعض الوجوه قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. ومع هذا فإننا لا نقول في شخصٍ معين: إنه كذلك، بل نتخلَّص من ذلك بأن نرجِّح شهادةَ مؤلفاتِه على تعصبه الذي يدلُّ على قصورِه، لاعتضادها بظاهرِ اعترافه بأنه قاصر.
_________________
(١) في الأصل: "الخامسة".
[ ٤ / ١٢٧ ]